الدرس في وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع الأول يتناول أوقات ذكر "رضيت بالله ربا" وأنه يمكن قوله في أي وقت ويستحب في أذكار الصباح والمساء وبعد الأذان. بينما يتناول المقطع الثاني مواضع هذا الذكر وأجره العظيم.
المقطع الثالث يبين فضل هذا الذكر من خلال حديث نبوي، حيث يغفر الله ذنوب من يقولها عند سماع الأذان، ويدخل الجنة لمن يقولها في الصباح، ويذوق طعم الإيمان لمن حقق الرضا.
المقطع الأخير يشير إلى درس قادم سيتناول معنى الرضا بالله وبالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم وكيف يمكن تحقيق الأجور والفضائل المرتبطة بذكر الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، في دروس قريبة تحدثنا وإياكم عن فضائل ذكر الله جل في علاه، وأن من صفات أهل الإسلام والإيمان أنهم يذكرون الله في كل الأحيان. وأشرنا حينها إلى أن من أفضل الذكر الذي يتقرب به العبد إلى ربه جل في علاه ما كان من الأذكار والأوراد التي جاء ذكرها عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فإنها أبرك وهي أولى وأحضى بالفعل والاتساء والاقتداء برسولنا عليه الصلاة والسلام. وإن بين يدي إخواني في الله في هذا اليوم وما سيأتي بعده، أننا سنتحدث عن ذكر من الأذكار العظيمة، وورد من الأوراد الجليلة التي ثبتت عن نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، يأتي بها في كل أحيانه وفي كل أوقاته، أحيانا في أوقات مطلقة وأحيانا في أوقات مقيدة. هذا الذكر الذي بلغ من فضله ما عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى في وصفه، قال: بأن عليها مدار مقامات الدين، عليها مدار مقامات الدين، وإليها تنتهي، وهي سهلة بالدعوة واللسان، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان. يترى ما هذا الذكر الذي هو بهذه المثابة؟ هو قولنا: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». نعم، هذا الذكر إخواني في الله من الأذكار العظيمة، ومن الأوراد الجليلة التي جاءت في حقها الفضائل الكثيرة والأحاديث الوفيرة. وهي كما عبر عنها ابن القيم رحمه الله تعالى قال: «وهي سهلة بالدعوة واللسان، وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان». وهذا الذكر إخواني في الله تحته مسائل كثيرة، نشير إلى أهمها وإلى ما ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتعرف عليها. من أولى مسائل هذا الذكر العظيم إخواني في الله، أولا: متى يقال هذا الذكر؟ جاءت الأحاديث بأنها من الأذكار والأوراد المطلقة، بمعنى أنه لا يتقيد بوقت ولا يتقيد بزمن، وإنما يكون معك حيثما كنت، تأتي به في مجلسك، في مقعدك، في ممشاك، في عملك، في مجلسك، في بيتك، وأنت تأكل، وأنت تمشي، وأنت على مضجع، على فراشك، في أي وقت من ليل أو نهار، صباح أو مساء، تأتي به في أي حين، كأنك تذكر ربك عز وجل بهذا الذكر، فتقول: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دين، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». ويؤيد هذا الإطلاق ما جاء من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وجبت له الجنة». فهذا الحديث من تأمل فيه يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقه، لم يقيده بوقت معين أو بمكان محدد. وبالمقابل، كذلكم جاءت أحاديث أخرى تدل على أن هذا الذكر يؤتى به في أماكن مخصوصة، ويؤتى به في أماكن معينة. فإن مما جاء من الأماكن التي يستحب أن يأتي بها المسلم بهذا الذكر، أولا: أن يجعلها من أذكار الصباح والمساء، أن يأتي بها من ضمن أذكار الصباح والمساء. يدل على ذلكم ما جاء في السنن عند ابن ماجة بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يقول إذا أصبح وإذا أمسى: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، إلا كان حقا على الله أن يرضيه». وجاء هذا الحديث من حديث أنس عند ابن ماجة، وهو حسن بشواهده. وجاء كذلكم عند الطبراني بإسناد أصح. فهذا الموطن الثاني من مواطن هذا الذكر، أن تجعله من ضمن أذكار الصباح والمساء. وأيضا من موارد وأماكن هذا الذكر العظيم أن يكون بعد الأذان، أن يكون بعد الأذان، بعد أن ينتهي المؤذن من أذانه يشرع لك أن تأتي بهذا الذكر، وذلكم لما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: عليه الصلاة والسلام: «من قال حين يسمع المؤذن: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، غفر له ذنبه». وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه. فهذا الحديث فيه ما شاء الله، فيه إشارة إلى أن من مواطن الإتيان بهذا الذكر عند الأذان. وهنا مسألة اختلف فيها العلماء، في أي مكان من الأذان يؤتى بهذا الورد، على قولين اثنين. جمهور العلماء يرون أن هذا الذكر يؤتى به بعد الانتهاء من الأذان، إذا انتهى المؤذن يشرع لك أن تأتي بهذا الذكر. ومن أهل العلم من جعل هذا الذكر يؤتى به خاصة بعد الشهادتين، أي أن المؤذن إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله»، أنت ستردد معه، ثم بعد ذلك تقول: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دين، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». وهذا القول ذهب إليه جماعة من أهل العلم، كذلك من القدامى ومن المعاصرين، كالعلامة الألباني، وهكذا ابن عثيمين رحمهم الله، وجماعة. وهؤلاء ذهبوا إلى هذا القول لبعض روايات مسلم، لبعض روايات الحديث. إذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله»، قال: «رضيت بالله ربا»، فهنا محل الخلاف حاصل بين أهل العلم، هل هذا الذكر يؤتى به بعد الأذان بكل برمته، أو يؤتى به بعد الشهادتين؟ فالخلاف حاصل بين أهل العلم، لكن اتفق الجميع على أن هذا مما يؤتى به مع الأذان، من أذكار الأذان. إذن، هذه إخواني في الله، هذه المواطن التي بها يمكن أن نحدد موضع هذا الذكر، إما أن يكون أن يجعل في أذكار الصباح والمساء، ويجعل كذلكم في أذكار الأذان، ويجعل كذلكم من الأذكار العامة التي يستحب أنك تأتي بها يا عبد الله في كل مكان وفي كل زمان، من غير تقييد بشيء. وبعد ذلكم تأتي معنا مسألة أخرى تتفرع من ذلكم، ألا وهو النظر في عظيم الأجور التي جعلها الله عز وجل على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام في حق من واظب على هذا الذكر. فمن تأمل في الأحاديث السابقة يجد أنها لا تخلو من فضائل، وتخلو من ذكر كرامات أعدها الله لعباده لمن واظب على هذا الذكر. فمن ذلكم من هذه الفضائل أن الله عز وجل ينزل عليهم رضوانه، كما مر معنا: «من قال إذا أصبح وإذا أمسى: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، كان حقا على الله أن يرضيه». أن الله عز وجل ينزل عليك أنواعا من الرضا، هذا لك. ومن أين جاء هذا الفضل؟ هذا الفضل جاء تحت قاعدة الجزاء من جنس العمل. عندما تأتي بهذا الذكر وأنت تتأمل في ألفاظه: «رضيت، رضيت بالله، رضيت بالدين، رضيت بالإسلام، رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم»، عندما رضيت أنت، فالله يرضى عنك، فالجزاء من جنس العمل. وهذه القاعدة متفق عليها، كما قال العلماء: يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «إن الثواب والعقاب إنما يكونان من جنس العمل». ثم قال: «فإن هذا من العدل التي قامت عليه السماء والأرض»، هذا هو العدل، أن الله يعاملك بالمثل. كهذا الحديث، عندما أنت رضيت عن ربك، فالله يرضى عنك. ومثل ما عبر عنه ابن القيم رحمه الله تعالى: «أنه من عامل الله بصفة، عامله الله من جنس هذه الصفة في الدنيا والآخرة»، يعاملك الله بالمثل. فأدل على ذلك كثيرا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه». متى تأتي محبة الله لك؟ إذا كنت أنت محبا لله. وهكذا في هذه الفضيلة، متى يرضى الله عنك؟ إذا كنت راضيا عن الله عز وجل وعن رسوله وعن دينه. فإذا من أعظم الأجور التي ينالها العبد في هذا الباب، ما يكون من إرضاء الله عز وجل لك وعنك. وأيضا من الفضائل المعدة لمن أتى بهذا الذكر، ما يكون من دخول الجنة، كما مضى معنا في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد الخدري: «من قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وجبت له الجنة». فالله عز وجل يجعلك من أهل الجنة بفضل هذا الذكر، لعظيم شأنه ولرفعة قدره. ويؤيد هذا المعنى كذلكم ما رواه الإمام الطبراني رحمه الله تعالى في معجمه، والحديث أورده العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة، والذي يقول فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا أصبح: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، قال نبينا: فأنا الزعيم، لآخذن بيده حتى أدخله الجنة». أنا الزعيم لأدخل بيد من بيد هذا الذي أتى بهذه الكلمات، وكانت ذكره وكانت ورده: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا». وفي ذلك فضل عظيم إخواني في الله لهذا الذكر، مع سهولته ومع يسره على اللسان، لكن الكثير من الناس في غفلة عنه. فتأمل يا عبد الله في هذه الخصلة العظيمة، أن الله عز وجل أعد لأصحابها ما يكون من دخول الجنة. كذلك من فضائل هذا الذكر، كما مضى معنا، ما يكون من مغفرة الذنب، كما مر معنا في الإتيان بهذا الذكر متى؟ عند الأذان. فإن من قال حين يسمع المؤذن: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دين، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا»، غفر له ذنبه. تغفر ذنوبك إذا كنت يا عبد الله من المواظبين على هذا الذكر. ومغفرة الذنوب كما قال العلماء تحمل على جميع الصغائر، وما كان من سائر المعايب خل الكبائر. الكبائر تحتاج إلى قدر زائد، تحتاج إلى توبة. لكن ما عدا الكبائر كلها يغفرها الله لك بسبب هذه الأذكار وهذه الكلمات. كم من إخواني في الله يصبح ويمسي على معايب، على زلات اللسان، على زلات النظر، على زلات العبارات، على سوء المعاملات؟ كثير نصبح ونمسي ونحن نحترق بهذه الذنوب التي تتراكب وتتراكم علينا. لكن بإتيانك بهذا الذكر يا عبد الله في يومك وفي ليلتك وفي كل أوقاتك يغفر، وخاصة عند الأذان يغفر الله لك يا عبد الله ما كان من ذنبك. غفر له ذنبه. وبقي هناك كذلك فضل رابع يضاف على ما مضى، وهو ما جاء من حديث العباس في صحيح مسلم، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». أين الفضيلة؟ ما جاء في أول الحديث: «ذاق طعم الإيمان». الإيمان له حلاوة وله لذة. وقد مضى معنا في خطبة سابقة إخواني في الله الإشارة إلى أن هذا الإيمان الذي نحن نعيش فيه ونستظل تحت ظله يتفاوتون، وأن من أعظم مقامات الإيمان أنك تجد إلى مرحلة أنك تتلذذ بإيمانك، تتلذذ كما قال نبينا: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان». وها هنا نبينا يقول: «ذاق طعم الإيمان»، وليس كل واحد يتذوق الإيمان، وليس كل واحد منا يتلذذ بحلاوة الإيمان، وإنما هذا للخلص من عباد الله. ومن صفات هؤلاء الخلص الذي يأتي بهذا الذكر، قال عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دين، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». من أتى بهذا الذكر حينها يتلذذ. مع إشارة لو تأملت في هذا الحديث، ليس فيه أن النبي قال: «ذاق طعم الإيمان من قال»، لا، ما قال: «من قال»، وإنما قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي»، من رضي. إذن هنا المقصود بطعم الإيمان، أي أن من حقق مقام الرضا، ليس فقط في اللسان. لأن الكثير منا من يأتي بهذا الذكر، لكن هل هو راضي حقا وصدقا عن الله؟ هل هو مكتفي بشريعة الإسلام؟ هل هو مقتنع تمام القناعة برسول الأنام عليه الصلاة والسلام؟ الجواب لا، لأن الناس يتفاوتون في هذا المقام. ولعظيم التفاوت فينا لم نستشعر بعظيم هذه الحلاوة وهذا التلذذ الذي أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم. إذن، ذوق الإيمان إنما يكون في حق من حقق، ليس في حق من قال، لأن الكل يقولها، الكل يقولها في صباحه ومسائه عشرات المرات، وما يصل إلى هذا المقام، لأن هذا المقام لا يرتكز على قول اللسان فقط، بل على التحقيق في أقوالك وفي أفعالك وفي اعتقاداتك. ولهذا قال نبينا هاهنا: «ذاق طعم الإيمان من رضي»، من رضي بالله رب الحديث. وهذا إخواني في الله سيجرنا إلى مسألة أخرى نرجئ الحديث عنها بإذن الله في درس قادم، في معنى ما المقصود بأن الإنسان يرضى بالله رب، وكيف أن المسلم يرضى بالإسلام دين، وكيف بأهل الإسلام يقنعوا بنبينا عليه الصلاة والسلام بأنه رسول الله؟ هذا ما سنذكره إن شاء الله في درس قادم، حتى نعلم كيف أنك تحقق هذه الأجور وهذه الفضائل التي أعدها الله عز وجل لأصحاب هذا الذكر وهذا الورد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.