تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 14

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 14

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ عند السعدي

يذكر السعدي احتمالين في تفسير الآية: الأول أنها تشير إلى صلح الحديبية حيث صُدّ النبي وأصحابه عن مكة في شهر حرام وقُضي بدخولهم العام المقبل، والثاني أنها قاعدة عامة في مقابلة الاعتداء في الأشهر الحرم بأن من اعتدى فيه يُقتص منه بمثل اعتدائه دون حرج على المعتدى عليه.

تفسير قوله تعالى: ﴿والحرمات قصاص﴾ ومعنى الشهر الحرام بالشهر الحرام

يشرح المقطع أن الآية تشمل جميع الحرمات الشرعية من زمان ومكان وحال، وأن من اعتدى عليها استحق القصاص بمثل اعتدائه. ويبين أن المراد بـ ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ جواز قتال المعتدين في الشهر الحرام لدفع شرهم، ولا حرج على المسلمين في ذلك.

مسألة الظفر وأخذ الحق من مال الغير

يفصل المقطع في جواز أخذ الإنسان حقه من مال غيره بنفسه، فيفرق بين السبب الظاهر كترك الضيافة أو النفقة الواجبة فيجوز الأخذ، والسبب الخفي كجحد الدين أو الخيانة في الوديعة فلا يجوز الأخذ جمعاً بين الأدلة، وتعرف هذه المسألة عند الفقهاء بمسألة الظفر.

حق الضيافة في حال تقصير المضيف

يرى العلامة السعدي أن حق الضيافة ظاهر، فإذا نزل ضيف على شخص وقصر في ضيافته، جاز للضيف أخذ حقه كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال السعدي رحمه الله بتفسير قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾. قال رحمه الله: يقول تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾، يحتمل أن يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية عن الدخول لمكة، وقاضوهم على دخولها من قابل، يعني من السنة المقبلة، وكان الصد والقضاء في شهر الحرام وهو ذو القعدة، فيكون هذا بهذا، فيكون فيه قطيب لقلوب الصحابة بتمام نسكهم وكماله. ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إن قاتلتموهم في الشهر الحرام فقد قاتلوكم فيه، وهم المعتدون، فليس عليكم في ذلك حرج. وعلى هذا فيكون قوله: ﴿والحرمات قصاص﴾ من باب عطف العام على الخاص، أي: كل شيء يحترم من الشهر الحرام، أو بلد حرام، أو إحرام، أو ما هو أعم من ذلك، جميع ما أمر الشرع باحترامه، فمن تجرأ عليها فإنه يقتص منه. فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل، ومن هتك البلد الحرام أخذ منه الحد، ولم يكن له حرمة، ومن قتل مكافئا له قتل به، ومن جرحه أو قطع عضوا منه قص منه، ومن أخذ مال غيره المهترم أخذ منه بدله. وظاهر أن المراد به بقوله جل وعلا: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾ المعنى الثاني، وهو أنه إذا اعتدى أهل الكفر على أهل الإسلام في شهر الحرام فإنهم مقاتلون لدفع شرهم وأذاهم، لأنهم معتدون في ذلك، وليس على أهل الإسلام حرج بقتالهم في الشهر الحرام. قال: ولكن هل لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء، الراجح من ذلك أنه إن كان سبب الحق ظاهرا، كالضيف إذا لم يقره غيره، يعني لم يقم بضيافته، والزوجة، والضرير إذا امتنع من تجب عليه النفقة من الإنفاق عليه، فإنه يجوز أخذه من ماله. وإن كان السبب خفيا، كمن جحد دين غيره، أو خانه في وديعة، أو سرق منه، ونحو ذلك، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له، جمعا بين الأدلة. وهذه المسألة تسمى عند أهل العلم بمسألة الظفر: إذا كان الإنسان يطالب غيره بمال ولم يعطيه إياه، ثم ظفر بحق له، كان يعطى مثلا مالا، يقال له: أعطه فلان، وهو يطالبه بمال، هل له أن يأخذ هذا المال أو يأخذ منه حقه؟ هذه المسألة التي تسمى بالظفر. وذلك ما ذكر العلامة السعدي رحمه الله أن الراجح: إن كان سبب الحق ظاهرا، كالضيف، الضيف إذا نزل على شخص ولم يقم من ضيافته وقصر بحقه، فله أن يأخذ منه حق الضيافة، كما أذن النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.