تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 15

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 15

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الإنفاق في سبيل الله وأنواعه وأحكامه

يشرح العلامة السعدي آية الإنفاق في سبيل الله مبيناً أنها تشمل كل طرق الخير وأعظمها الجهاد بالمال المفروض كالجهاد بالبدن. ويفرق بين النفقة الواجبة كإنفاق الرجل على أهله والنفقة المستحبة كصدقة التطوع موضحاً سبب النزول فيمن أرادوا حبس أموالهم.

العلاقة بين الإنفاق والجهاد ومفهوم الإلقاء باليد إلى التهلكة

يفسر المقطع أن الجهاد بالسلاح أو الحجة لا يقوم إلا بالإنفاق الذي يعد روحه، وأن تركه يبطل الجهاد ويسلط الأعداء مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. ويبين السعدي أن الإلقاء إلى التهلكة ينحصر في ترك الواجب المفضي للهلاك أو فعل السبب الموصل للتلف مقرراً قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

مخاطر الإقامة على المعاصي والقنوط من التوبة

يحذر المقطع من البقاء على معاصي الله والقنوط من التوبة معتبراً ذلك هلاكاً للروح والدين. كما يشير إلى أن ترك الفرائض المفروضة يؤدي إلى الهلاك الروحي والديني.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، قال رحمه الله: يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير، من صدقة على مسكين، أو قريب، أو إنفاق على من تجب مؤنته. وأعظم ذلك، وأول ما دخل في ذلك، الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فإن النفقة فيه جهاد، جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهين الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه. فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح لا يقوم إلا بها. وهذا فيه حق على النفقة، والنفقة عامة، وهي إعطاء المال مخرجة لأجل الغير، وتكون هذه النفقة منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. هناك نفقة واجبة، ونفقة مستحبة، فالنفقة الواجبة مثل النفقة على الأولاد، والنفقة على الزوجة، والنفقة على الوالدين، وغيره. والنفقة المستحبة: الصدقة، والإنفاق في سبيل الله، والجهاد، وغيرها من هذه النفقات التي هي تطوع. وهنا ذكر ربنا جل وعلا: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، هذا أمر، لكن تفسير هذه الآية يجب أن يعلم أن هذا الأمر أراد به الحق ربنا سبحانه وتعالى: صرف النفقة لأجل أمور الآخرة، لا لأجل أمور الدنيا، لأن هذه الآية نزلت كما جاء عن البراء وغيره، نزلت في بعض الأنصار الذين قالوا: «لماذا لا نصلح أموالنا، أو نصلح بأموالنا هذه مزارعنا وأراضينا، نحرثها وكذا؟» وكأنهم يريدون أن يتركوا النفقة في سبيل الله، فقال الله عز وجل: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾. وهذه التهلكة هو ترك الإنفاق في سبيل الله، والاشتغال بأمور الدنيا، ووضع الأموال في أمور الدنيا، وإن كان هذا مباحاً إذا كان من الأمور المباحة، لكن الانهماك فيه، الانهماك فيه وترك الإنفاق في سبيل الله فإنه يؤدي للتهلكة، أن يجعل العبد مائلاً إلى الدنيا، وكلما مال إلى الدنيا ابتعد عن دين الله عز وجل وعن شرعه. فلهذا حث الله عز وجل أهل الإسلام أن ينفقوا في سبيل الله، ويقووا شوكة الجهاد في سبيل الله، سواء كان بالسلاح والسنان، أو بالحجة والبيان، فإن كلاهما من الجهاد في سبيل الله. بل كما قال الإمام ابن تيمية: إن الجهاد بالحجة والبيان أعظم من الجهاد بالسلاح والسنان، لأنه دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ثم ذكر المؤلف رحمه الله هنا النفقات، لكن هنا المقصود بالنفقة هي النفقة في الجهاد، النفقات في الجهاد، لأن لها مصالح عظيمة، وكما قال المؤلف هنا: فإن الجهاد لا يقوم إلا على ساق النفقة، الجهاد يحتاج إلى أشياء، من السلاح مثلاً، السلاح يحتاج إلى شراء بالأموال، وكذلك أيضاً ما يركبه المجاهد، قديماً كان من الخيل وغيره، وحديثاً ما يكون من طائرات وآليات وغيرها، يحتاج الجهاد في سبيل الله إلى نفقة. كذلك حتى الجهاد بالحجة والبيان، عن جهاد أهل العلم وطلبته في تحصيل العلم، وكذلك في بثه، وفي المدافعة عن هذا العلم، وعن السنة، وعن دين الله جل وعلا، هذا أيضاً يحتاج إلى نفقة. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، والإلقاء إلى التهلكة مراد به ترك النفقة، والانهماك بالدنيا، وترك الجهاد في سبيل الله. قال رحمه الله: قال: الجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، النفقة له كالروح لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله إبطال للجهاد، وتسليط للأعداء، وشدة تكالبهم، فيكون قوله جل وعلا: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ كالتعليل لذلك. قال: والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد إذا كان تركه موجباً أو مقارباً لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، من إلقاء باليد إلى التهلكة. قال: يرجع إلى أمرين: إما ترك الأمر، أو فعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة. والعلامة السعدي رحمه الله قد امتاز بمثل هذا الأمر، وهو أنه يحصر، ويوضح الأمور المهمة، أو الأمور الكلية التي تجمع تفسير هذه الآيات، وتجمع أيضاً ما دلت عليه الآية. فقال: يدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك: ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك: تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة، أو سفر مخوف، أو محل مسبعة، أي فيها سبع، أو حيات، أو يصعد شجرة، أو بناءً خطراً، على تغرير الإنسان نفسه ودخوله في مثل هذه الأشياء، هذا يعد من التهلكة، لأنه يعلم أن هذا المكان فيه ضرر عليه، كان يعرف أنه فيه سبع، فلا ينبغي له أن ينزل، بل يذهب إلى طريق أخرى، أو مكان فيه حيات، لا ينبغي له أن يذهب ويسلك ذلك المكان حتى لا تؤذيه هذه الحيات أو هذا السبع، فيذهب إلى مكان آخر. والمراد أنه لا يفعل شيئاً يضر به، لا ضرر ولا ضرر، لا ضرر ولا ضرر، فإذا تحقق عنده الضرر وفعله فهو أوقع نفسه في الهلكة. قالوا: يصعد شجرة أو بناءً خطراً، أو يدخل تحت شيء فيه خطر، ونحو ذلك، فهذا ونحوه ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن ذلك: الإقامة على معاصي الله، واليأس من التوبة، هذا أيضاً من الهلكة العظيمة التي تهلك روح العبد ونفسه. قالوا: منها ترك ما أمر الله به من الفرائض التي تركها هلاك بالروح والدين. طيب، بإذن الله تعالى نكتفي بهذا، ونختم في درس اليوم، وتفريغ نانسي قنقر.