وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 7

وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 7

الدرس في وقفات مع حديث رضيت بالله ربا 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقتضيات كلمة بالإسلام دينا والعمل بأحكامه

يتحدث هذا الفصل عن المقتضى الثالث لكلمة "بالإسلام دينا" وهو العمل بأحكامه، ويشرح معنى الدين والإسلام وضرورة الالتزام بأحكام الدين الإسلامي. يُفصّل معنى الدين مأخوذًا من الديدن أي العادة الملازمة للمسلم.

أهمية الاستسلام الكامل لأوامر الله

يؤكد هذا الفصل على أهمية الاستسلام الكامل لأوامر الله وشرائعه، ويشير إلى أن كثيرًا من المنتسبين إلى الإسلام قد أهملوا هذا الجانب. كما يبين أن الاستسلام الكامل هو أساس ثبوت قدم الإسلام في حياة المسلم.

تطبيق الرضا بالإسلام دينًا عمليًا

الرضا بالإسلام دينًا ليس مجرد دعوى، بل هو تطبيق عملي لأحكام الإسلام في الأقوال والأفعال. الإسلام الحقيقي يظهر في حياة المسلم بتنفيذ أركانه وفي معاملته مع الناس، والتكاليف الشرعية لا تسقط عن أحد أبدًا.

تحقيق الرضا بالإيمان وجزاؤه

من حقق الرضا بالله والإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم، يسهل عليه الإجابة في قبره. أسأل الله الثبات عند السؤال والحساب.

التفريغ النصي الكامل

نحضره تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلن يضل، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لا زلنا إخواني في الله في هذا المجلس، وهو المجلس الأخير بإذن الله، في شرح معنى حديث «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا». وقد ذكرنا إخواني في الله ما يتعلق بمعنى «وبالإسلام دينا»، فمن مقتضيات هذه الكلمة ما يكون من ضرورة التمسك بالدين وعدم التساهل فيه حتى نلقى رب العالمين. والأمر الثاني ما يكون من الفرح به، وما يتخلل ذلك من التعظيم والإجلال، وعدم التسخط، وعدم الاستهانة بأحكامه. وها نحن الآن نتكلم عن المقتضى الثالث من مقتضيات «بالإسلام دينا»، ألا وهو العمل بأحكامه. العمل بأحكامه، إن هذا الدين الإسلامي إخواني في الله يقوم على أوامر ونواهي، على طاعات وعبادات، على حرمات ومحرمات، على شرائع ومسالك وأحكام، هذه ينبغي أن يلتزمها كل مسلم ومسلمة. وإن كلمة الدين الإسلامي هي في حقيقة التسمية تدل على هذا المعنى، ورضيت لكم الإسلام، والدين كلاهما يدل على ضرورة العمل، إذ أن الدين - ما معنى الدين؟ يقول العلماء: أن الدين مأخوذ من الديدن، قال فلان: هذا ديدنه، معنى ديدنه أي هذه عادته، هذه عادته. وليس معنى ذلك أن الدين عادة - حاشا - ولكن الدين كالعادة، أنه ملازم لشيء ما ينفك عنه في حياة المسلم، ما ينفك عنه، فهو معه في كل شؤونه. ولهذا أجمعت الملل والنحل على أن ما هناك أمة متدينة كأمة الإسلام، ما هناك أمة تدانيها في باب التدين لله، فتجد أن الأمة الإسلامية في مطعمها تدين، في مشربها تدين، في نومها تدين، في مدخلها ومخرجها، وفي كل علاقاتها تقوم على الدين؛ لأن هذا هو أصل الدين. الدين هو أن يكون شيء ديدنك، وهو شيء مستأصل معك ما ينفك. أضف إلى ذلك كلمة الإسلام، الإسلام هذه الكلمة، والتي هي اسم هذا الدين الذي نحن ننتمي إليه، ما معنى الإسلام؟ الإسلام من معانيه الاستسلام، وقد دلت الأدلة على ذلكم، كما في قول ربنا عز وجل: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، قال المفسرون: «وأنيبوا بقلوبكم، وأسلموا له بجوارحكم»، أسلموا أي استسلموا. فهذا الدين يقوم على الاستسلام، على السمع والطاعة، على التنفيذ لأوامره بلا رد، بلا رفض، بلا اعتراض، بلا إباء ولا استكبار، وإنما تُقبل تعاليم هذا الدين بما جاء فيه من تعاليم. وهكذا في قول ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أسلمت أي انقدت من الإنقية استسلام لله. هذا هو حقيقة الدين، حقيقة الدين أن الشرع يريد من المسلم أن يكون مستسلمًا له، مستسلمًا لأوامره وشرائعه وأحكامه، وهذه الأحكام هي هذا الدين كله، لا نفرق بين صغير وكبير، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، هذا هو الأمر الرباني، أمر الله جل وعلا جميع أهل الإيمان بأن يدخلوا في السلم - السلم هنا هو الإسلام - أدخلوا في السلم أي أدخلوا في الإسلام كافة، أي من كل جوانبه، لا تترك شيئًا من الدين إلا وأنت تدخل فيه، أن تعمل بمقتضاه، وأنت تنفذ أوامره. وهنا عبارة عظيمة من الإمام أبي العز الحنفي رحمه الله، أو من إمام الطحاوي رحمه الله تعالى في «طحاويته» أو في «عقيدته»، حيث قال: «وَلَا تَثْبُتْ وَلَا تَثْبُتْ قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالْإِسْتِسْلَامِ»، قاعدة تُحفظ. «قَدَمُ الْإِسْلَامِ إِلَّا عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ وَالْإِسْتِسْلَامِ»، إذا أردت أن تعرف يا عبد الله مدى تعمقك في دين الإسلام، فانظر إلى هذا الجانب من جوانب التدين لله، وهو جانب الاستسلام لأوامر الله جل وعلا. ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، تريد أنك تثبت على هذا الدين حتى تلقى الله، انظر لحالك يا عبد الله في مسألة استسلامك لأوامر الله ولنواهيه. فالشاهد إخواني في الله علينا أن نعلم أن من أعظم مقتضيات «ورضيت بالإسلام» أنك تظهر العمل بالدين، تظهر العمل بالدين. ومن هنا نعطف على من الناس من خرموا هذا المقتضى، طائفة من أهل الشهوات، وطائفة من أهل الشبهات، من أهل الشهوات من نجد أناسًا من المنتسبين لهذه الملة، منتمي للدين الإسلامي، لكن انظر لحاله، هل ارتضى الإسلام أن يكون دينًا له؟ هل تجد أن للإسلام واقعًا ملموسًا، واقع عمل محسوس في يومه وليلته، في أعماله وشؤونه، في علاقاته، في عباداته؟ الجواب: لا. وهذا كثير عند من هاجر وسافر من بلاد الإسلام والتحق ببلاد الكفار في شرق الدنيا أو في غربها، ثم انخرطوا في هذه المجتمعات الكافرة حتى انسلخوا عن دينهم، حتى تصل أنك ما تفرق بين المسلم والكافر في بلاد الكفار. بل ربما تجد أن فلانًا من الناس، وفلانًا آخر، هذا مسلم وهذا نصراني - على سبيل المثال - وهم أصحاب وأصدقاء، يذهبون سويًا إلى المصنع أو إلى غيره سويًا، يحذون القذة بالقذة إلى أن ينتهي الدوام، ثم يذهبون سويًا - طبعًا لا يذكرون الله - لا صلاة ولا شيء، ثم يذهبون إلى المطاعم فيطلبون سويًا شرب الخمور وأكل الخنازير، ثم يسهرون الليالي لمعاشرة الحرام، الكلام في الحرام، تمر الليالي والأيام وهو على هذا الحال، لا يعرف رمضان، ولا يعرف زكاة، ولا يعرف حج، تجد هذا وهذا سويًا يسيرون مع بعض. ثم إذا أردت أن تسأل: يا فلان ما دينك؟ قال: أنا نصراني. ويا آخر ما دينك؟ يقول: أنا مسلم. وإيش بالإسلام معك؟ أخرج لك البطاقة، واسمي فلان بن فلان، الديانة مسلم، فقط هذا الذي يميزه عن صاحبه النصراني البطاقة. وقد جاء في بعض الأحاديث الضعيفة الذي فيه يقول: «يأتي الناس زمان يأتي الناس زمان لا يعرفون من القرآن إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه»، وهو حديث ضعيف، نعم، لكن المعنى صحيح. يأتي هذا على الناس، وقد رأينا هذا الزمان كهذه الأزمان الغابرة، تجد أن كثيرًا من الناس ما يعرفون شيئًا من الدين، لا أقول: تمر عليه الجمع، بل تمر عليه السنوات وعبثًا يا عبد الله، كم شئت من السنوات وهو لا يركع لله - يركع ما يضع جبهته على الأرض - ومع ذلك يأكل بما يأكل الكفار، يأكل الخنازير ويشرب الخمور، ومع ذلك يرى أنه لا زال من أهل الإسلام، ولا زال في حياضه، يقول: وردت بالإسلام دينًا، لا يا عبد الله، أين الرضا بالإسلام دين؟ أين الرضا بالإسلام دين؟ يا عبد الله يكون واقعًا عمليًا، واقعًا في حياتك. المسألة والإسلام عبارة عن أوامر ونواهي تظهر في حياتك بفعل أوامر، بترك نواهي، كما قال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، ما معنى الحديث؟ الإسلام ليس الدعوى، وإنما هو بفعل، بترك المحرمات، أو أن يسلم من شره مسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فدل ذلك على أن للإسلام أثر، وهذا يظهر في الواقع بتنفيذ الأوامر، كأركان الإسلام، بإقامة الصلاة، بإيتاء الزكاة، بصوم رمضان، بحج بيت الله، بما يكون بعلاقتك مع الناس من برك بوالديك، من صلة أرحامك، وهكذا من حسن الجوار، بما يكون من معاشرة أهل الإسلام، من لا يرحم صغيرنا، ويعرف كبيرنا، قس على ذلكم الدين دين واسع أحكام. أما أنك تريد أن تختار طريقة أخرى تمشي على هواك يا عبد الله، هذا من أهل الشهوات، يبدعون بأنه ارتضى الإسلام دينًا، ولا ترى الإسلام حظًا في حياته، فالإسلام الخواف ما يكون بالاستسلام والانقياد. الأمر الثاني طائفة أخرى أصحاب الشبهات، ممن يضحكون على أنفسهم أو يضحكون على أتباعهم بأنهم لا يلزمون بشعائر الإسلام، لا يلزم بشعائر الإسلام، بل الأمر عنده سيان يفعل أو لا يفعل، تحت ذريعة أن التكاليف سقطت عليه، سقطت عنه. كما تكون في دروس قريبة ذكرنا مسألة العبادة، ما العبادة؟ وأشرنا إلى هذه الطائفة، إلى أنهم يدعون إلى أن التكاليف تسقط عنهم، والتكاليف ما تسقط عن أحد يا عبد الله أبدًا، التكاليف معك كما قال ربنا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، بإجماع المفسرين: اليقين الموت، تعبد ربك عز وجل وأنت منذ أن تبلغ إلى أن توارى - يوارى جثمانك - إذا كنت مريضًا ولو كنت في أحلك المواقف، صل قائمًا، فإن لم تستطع فصل جالسًا، فإن لم تستطع فعلى جنب، لم تفكك عن العبادة، لم تفكك عن العبادة. فالشاهد إخواني في الله علينا أن نعلم أن من أعظم مقتضيات «ورضيت بالإسلام دين» أن تجعل هذا الدين واقعًا عمليًا، وذلك بتنفيذ أوامره، وأنك تطبق أحكامه في أقوالك وأفعالك، وفي كل حينك وأحوالك، فكان هذا تصديق الرضا، كان تصديق الرضا الذي أنت ماذا قد آليت نفسك على أنك تجعل هذا هو المرتضى عندك. فالشاهد إخواني في الله وبهذا أخذنا موجزًا مختصرًا مهما حول هذه الجمل الثلاث، وهي من أعظم الجمل التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة. وقد أشرنا في بعض الدروس إلى أهمية هذه الكلمات الثلاث، ويكفي في الدلالة على أهميتها أنها تصل إلى قبرك، فإن الأسئلة ستطرح عن هذه المسائل الثلاث: من ربك؟ ما دينك؟ هي هي «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولا»، فمن حقق هذه الجمل الثلاث بما يتعلق بمقتضياتها كما مر معنا على أقوال العلماء، فاعلم يا عبد الله أن الإجابة في حقك وأنت في قبرك سهلة ميسورة. فأسأل الله عز وجل أن يثبتنا وإياكم عند السؤال، وعند التمام، وأن يوفقنا عند الحساب، عليه نتوكل وإليه نلجأ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.