الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بدأت مفاوضات صلح الحديبية بعد عودة عروة بن مسعود، حيث زار رجل من كنانة النبي وأقر بحق المسلمين في الحج، ثم جاء مكرز بن حفص وسهيل بن عمرو للتفاوض. كتب علي بن أبي طالب العقد بأمر النبي، واعترض سهيل على البسملة ولقب رسول الله، فتنازل النبي وكتب «باسمك اللهم» و«محمد بن عبد الله» حرصاً على الصلح.
أتم النبي كتابة صلح الحديبية بشرط إخلاء البيت للطواف، واشترط سهيل بن عمرو رد من يأتي من قريش مسلماً، وفي أثناء ذلك جاء أبو جندل بن سهيل مسلماً مقيداً فطلب أبوه رده. أبى النبي رده قبل إتمام الصلح، لكن سهيل أصر فقبل النبي الشرط حقناً للدماء، وتأسف المسلمون وأبو جندل لذلك.
اعترض عمر بن الخطاب على شروط الصلح مع قريش، فرد عليه النبي وأبو بكر بأن الأمر من الله وأنه لا يعصي ربه، فاستسلم عمر ونذر أعمالاً تكفيراً. ولما أمر النبي الصحابة بالنحر والحلق لم يستجيبوا أولاً، حتى بادر هو بنفسه فنحر وحلق، فاقتدى به الصحابة وامتثلوا لأمره.
يختتم المتحدث المقطع بالإشارة إلى أن ما ذُكر يُعد من الحوادث الواردة في السياق، ويعلن عن استكمال التفصيل في درس قادم. يكتفي بما ذُكر مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى قرأنا بعض حديث صلح الحديبية، ووقفنا عندما انتهى إليه كلام عروة بن مسعود الثقفي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم رجع إلى قريش وقال: «إنها قد عرضت عليكم خطة رشد فاقبلوها». ثم قال: فقال رجل من بني كنانة: «دعوني آتيه». قال أيضا لقريش: «دعوني آتيه»، أي آتي النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الحديبية. فقالوا: «ائته». فلما أجرف على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «هذا فلان»، وعرفه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن». البدن: جمع بدنة، وهي الإبل التي تجعل للهدي. قال: «وهم من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له». أن يجعلوا هذه البدن أمامه، وقد أشعرت وقد قلدت. قال: «فبغت له، واستقبله الناس يلبون، أنهم يريدون أن يحجوا إلى بيت الله الحرام». قال: فلما رأى ذلك، أي هذا الرجل من بني كنانة، قال: «سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت». فلما رجع إلى أصحابه قال: «رأيت البدن قد قلدت». قلدت: جعلت فيها قلادة في رقبتها. وأشعرت: أشعرت، معنى قشط جلدها عند السنام حتى تعرف أنها بدنة وأنها هدي. قال: «فما أرى أن يصدوا عن البيت». فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، أي من قريش، فقال: «دعوني آتيه». فقالوا: «ائته». فلما أشرف عليهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر». فجعل يكلم النبي عليه الصلاة والسلام. فبينما هو يكلمه جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد سهل لكم من أمركم». أخذه عليه الصلاة والسلام باب التفاؤل. سهيل بن عمرو لما جاء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد سهل أمركم». قال معمر: قال الزهري في حديث: فجاء سهيل بن عمرو فقال: «هاتي أكتب بيننا وبينكم كتابا». أرسل سهيل بن عمرو لأجل أن يصالح النبي عليه الصلاة والسلام. فقال سهيل: «هاتي أكتب بيننا وبينكم كتابا». فدعا النبي عليه الصلاة والسلام الكاتب، وهو علي رضي الله عنه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بسم الله الرحمن الرحيم». قال سهيل بن عمرو: «أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو». أنا ما كانوا يقولون: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وإنما يقولون: «بسمك اللهم». فقال: «أما الرحمن فما أدري ما هو، ولكن اكتب: بسمك اللهم، كما كنت تكتب». فقال المسلمون: «والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اكتب: باسمك اللهم». قال لعلي: «اكتب: باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». يعني كان يكتب الصلح، وكان علي يكتب كلمات النبي عليه الصلاة والسلام. فأول لما قال: «بسم الله الرحمن الرحيم»، اعترض عليه. ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله». فقال سهيل: «والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله». قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». معنى: النبي عليه الصلاة والسلام كان يتنازل معهم لأجل الصلح. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». وفي رواية جاء أنه قال لعلي: «اكتب: محمد بن عبد الله، وامحُ رسول الله». فقال: «والله لا أمحوها». قال علي: «والله لا أمحوها». معنى: من باب أنه لا... ما يريد أن يمحو «رسول الله». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أرني إياها». فأراه إياها، فمحاها النبي عليه الصلاة والسلام بيده، ثم كتب: «محمد بن عبد الله». أي: علي رضي الله عنه. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لسهيل: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به». معنى: سأصالحكم بهذا، لكن بشر أن نطوف بالبيت. فقال سهيل: «والله لا تتحدث العرب أن أخذنا ضغطة». معنى: أخذنا بالقوة. معنى: كأنهم يريدون هذا. معنى: ستذهب سمعتنا عند العرب، وأنك جئت بالقوة ودخلت. فقال: «لا تتحدث العرب أن أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل». معنى: العام المقبل تعال. أما هذه السنة: لا، لكن تأتي في العام المقبل. قال: فكتب. فقال سهيل: «وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا ردته إلينا». معنى: من الشروط التي ذكرها سهيل. قال: «لا يأتيك منا رجل»، أي من قريش، لا يأتيك حتى ولو كان على دينك، اردده إلينا. قال المسلمون: «سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟». فبينما هم كذلك، أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده. في رواية: يرفس في قيوده. معناه: قيده أبوه، قيده بالسلاسل، وأبوه سهيل بن عمرو. وأبو جندل قد أسلم، وهو ابن سهيل، فوجد فرصة فهرب. والظاهر أنه ما كان يعرف أن أباه كان عند النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء ورمى بنفسه عند المسلمين. فقال سهيل: فقال سهيل: «هذا أول ما أقاضيه عليك يا محمد، أن... هذا أول شيء». قال: «وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين». فقال سهيل: «هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا لم نقضِ الكتاب بعد، لم نقضِ الصلح بعد، لم ننتهِ بعد». فقال: «فوالله إذا، لم أصالحك على شيء». فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا... عن: إذا ما ردت لي هذا ابني، ما سأصالحك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأجزه لي». معنى: هذا استثنيه. معنى: أجزه لي حتى آخذه، وبعد ذلك من جاء أرده لك. فقال: «ما أنا بمجيزه لك». قال: «بلى، فافعل». قال: «ما أنا بفاعل». كرر عليه النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن يجيزه، وعنى ما سيرده إلى الكفار. فقال مكرز، وقد كان موجودا، بل قد أجزناه لك. لكن مكرز ليس له دخل في هذا. فقال: فقال أبو جندل: «أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ أنا قد كبلوني وقيدوني بالسلاسل، فكيف أرد إلى المشركين وأفتن في ديني؟». قال: وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. أنا عذبوه عذابا شديدا لما أسلم، لكنه صبر. فقال عمر رضي الله عنه: النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه إياه لأجل الصلح. من النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الصلح، مثل ما قال: «والله لا يعطوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا وافقتهم عليها». فقال: «يا نبي الله، أو أعطاهم إياه؟». فقال عمر: فأتيت النبي الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: «يا نبي الله، ألست نبي الله حقا؟» قال: «بلى». قلت: «ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟» قال: «بلى». أي: النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمر: بلى. قلت: «فلم نعطي الدنية في ديننا؟» لماذا نداهن؟ لماذا نداهن في ديننا ونتنازل هذا التنازل؟ قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري». معنى: هذا ما أفعل هذا إلا من الله، هذا أمر من الله ليس مني، وأنا ما سأعصي الله عز وجل أبدا. وكما سيأتي معنا في الفوائد: أن هذا من الأمور العظيمة التي نزلت على الصحابة، أن يروا شيئا ما كانوا يتوقعونه، كيف يتنازلون للكفار، لكن الله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. قال: قال عمر: فقلت للنبي عليه الصلاة والسلام: «أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟» أنا أقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت قد قلت لنا أننا سنأتي البيت، وأن نتطوف بهذا البيت. قال: «بلى». فأخبرتك أننا نأتيه العام. أنا: هل قلت لك أننا سنأتيه في هذا العام؟ لا. قال: قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به». معنى: ستأتي وتطوف بهذا البيت، مثل ما وعدتك. قال: أمر. فأتيت أبا بكر، فقلت: «يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقا؟» فقال أبو بكر: «بلى». قلت: «ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟» قال: «بلى». قلت: «فلم نعطي الدنية في ديننا؟» إذن. قال: «أيها الرجل». أنا: أبو بكر يقول لعمر: «أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وليس يعصي ربه، هذا أمر الله». نفس الجواب الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم، أجابه أبو بكر. قال: «وليس يعصي ربه، وهو ناصره». أي: الله عز وجل سينصر رسوله. ثم قال كلمة عظيمة، أي: الصديق رضي الله عنه، وهذا يدل على ثباته العظيم. فقال الصديق لعمر: «فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق». قال أبو بكر لعمر: «فاستمسك بغرزه»، أي: استمسك بما هو عليه، لا تبعد عنه، ولا تزل عنه. «فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق». قال: قلت: «أليس كان يحدثنا أن سنأتي البيت ونطوف به؟» قال: «بلى». فأخبرك أنك تأتيه العام. قلت: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به». قال الزهري: قال عمر: «فعملت لذلك أعمالا». أنا: عملت لهذا اليوم الذي فعلت، أو قلت هذا الكلام. ندم عمر على ما قاله في ذلك اليوم. ثم قال: «فعملت أعمالا حتى يغفر الله لي في ذلك اليوم الذي قلته». قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا». قال: «فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات». كأنهم انهاروا من هذا الكلام، ما صدقوا أنهم يتنازلون للكفار هذا التنازل، فلذلك أصابهم مثل الغم. وأخذ أبو جندل وهو يقول لهم: «يا معشر المسلمين، أرد إلى الكفار فأفتن في ديني». فأثر عليهم هذا. فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا كأنهم تعبوا ويأسوا. فقالت لهم... دخلت المسلمة... دخل النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: «يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلق». فخرج. لأنهم أحصروا، والله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غماء. فهذا أيضا من الحوادث التي حصلت في هذا. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.