الدرس في أسئلة في الطهارة 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُقسم النجاسات إلى مخففة ومتوسطة وثقيلة مع وجوب إزالتها عن الثوب والبدن ومكان الصلاة، ويُسقط الوجوب عند العجز لمرض أو سجن أو عدم وجود ماء فيجوز الصلاة مع النجاسة. يستدل بقول النبي ﷺ في تقدير الصلاة عند تعذر معرفة الوقت.
من حبس في ظلمة لا يعرف فيها أوقات الصلاة يصلي بالتقدير ولا إعادة عليه لأن المضطر معذور شرعاً، ويرجح قول الحنابلة بعدم الإعادة وبطلان القياس على التيمم للحدث لأن التيمم شرع للحدث فقط لا للنجاسة.
من صلى في ثوب نجس لعجزه عن غيره فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه لأن الله لم يكلف المصلّي بإعادة الفرض مرتين، والنجاسات التي يعفى عنها أو يعجز عن إزالتها لا تبطل الصلاة اتفاقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: فذكر الشيخ رحمه الله، الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، في كتابه «إرشاد أولي البصائر والألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب»، فذكر النجاسات وأنواعها، وأن هناك نجاسة مخففة، ونجاسة متوسطة، ونجاسة ثقيلة، وذكر أمثلة على ذلك. ثم ذكر بعد ذلك مسائل تتعلق بالنجاسات، وأن النجاسة لابد من إزالتها من الثوب والبدن، وأيضا البقعة التي يصلي فيها، وجعلها كثير من العلماء شرطا لصحة الصلاة، والصحيح أنها ليست شرطا وإنما هو واجب. طيب، قال: «وقولنا: كل نجاسة يجب إزالتها» احتراز من أمرين. أنا هنا لما قال: «فكل نجاسة يجب إزالتها»، يجب إزالتها، لابد معناه أن هذه النجاسة تجب إزالتها. يقول: هذا احتراز من أمرين. أحدهما: إذا اضطر الإنسان إلى بقائها بأن عجز عن الماء الذي يزيلها وغيره. يعني إذا كان فيه نجاسة لم يستطع أن يزيلها، إما لعدم الماء الذي يزيل هذه النجاسة، أو لأنه مثلا مريض لا يستطيع أن يزيل هذه النجاسة بنفسه وليس عنده أحد يزيلها. طيب، فهذه إذا عجز عن إزالة هذه النجاسة فهو يضطر إلى الصلاة. مثلا مثل هذه التي تحصل كثيرا: شخص المريض أو كبير السن الذي في الفراش، ويحتاج إلى تغيير حفاظات. مثل هذا أحيانا تحصل له مشقة، وصعب مثلا أن يغير له الحفاظات في كل صلاة. صعب أن تغير كل الحفاظات هذه في كل صلاة، لعدم مثلا وجود من يغيرها، عدم وجوده، أو كذلك للمشقة الشديدة في حمله، وفي أيضا تصفيته، وفي كذا. فقال العلماء: إذا عجز عن هذه، أو صارت مشقة شديدة في إزالتها، فلا بأس أن تصلي هذه المرأة وهذا الرجل والحفاظة موجودة فيه. الحفاظة موجودة فيه لماذا؟ لعدم استطاعته على إزالة النجاسة، لعدم استطاعته على إزالة هذه النجاسة. أو كذلك مثلا بعض المرضى يكون فيه مثلا كما قلنا حفاظة وكذا، لكن ما عنده أحد يخرج هذه الحفاظة وينظفه وكذا، وتفوت عليه الصلاة. فإيش يفعل؟ يصلي. يصلي إن استطاع تيمم، تيمم. فإذا عجز عن تطهير هذه النجاسة وإزالتها فإنه يكون مضطرا. قال: «إذا اضطر الإنسان إلى بقائها بأن عجز عن الماء الذي يزيله أو غيره، أو كانت تضطره إزالتها» يعني تضطر إزالتها إلا يستطيع أن يزيلها، أو لم يجد إلا ثوبا نجسا يصلي به، يعني ما وجد ثوبا إلا ثوبا نجسا. قالوا: حبس ببقعة نجسة لا يستطيع الخروج منها. أحيانا بعض الناس يسجن في مكان ضيق جدا، أن بعض السجون يفعلها أناس لا يخافون الله، وأكثرهم تقليد الكفار، ويظنون أن هذا عذاب وعقوبة، فيأتي يضعون الرجل في مكان لا يستطيع أن يتحرك إلا يمنة ويسرة، بل قد لا يستطيع أن يجلس، قد لا يستطيع أن يجلس. وأحيانا بعضهم يجعله يجلس لكن لا يستطيع أن يخرج من ذلك المكان، فيضع حاجته في ذلك المكان. معنى ما يستطيع أن يخرج في مكان. فمثل هذا إذا حبس في مكان نجس، وفيه نجاسة لا يستطيع أصلا أن يزيلها، ما عنده خرق، ما عنده ماء، فإنه يصلي. إذا عرف وقت الصلاة صلى. إذا كان في ظلمة لا يعرف وقت الصلاة، كيف يفعل؟ كيف يفعل إذا كان في ظلمة لا يعرف وقت الصلاة؟ يقدر له، يقدر للصلاة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في نزول الدجال: «يلبث يوما كسنة، ويوما كشهر، ويوما كجمعة». فقالوا: يا رسول الله، كيف الصلوات في اليوم الذي يكون كسنة؟ كيف نفعل؟ قال: «فقدروا لها». وهكذا هنا أخذ العلماء من هذا أن من حصل له مثل هذا، لم يعرف الأوقات في مكان ظلمة، معناه سجن أو خبس في مكان ظلمة، أو أغلق عليه الباب، قد يكون بقصد أو بغير قصد، ما يدري وقت الظهر ولا وقت العصر ولا وقت المغرب. فهنا يقدر هذه الأوقات، يصلي على التقدير. وهكذا هذا إذا خبس في مكان صلى، ولم يستطع أن يعرف الأوقات، صلى بالتقدير. قال: فهذا مضطر، والمضطر معذور اتفاقا، وعليه أن يصلي في هذه الحال، ولا يعيد فيها كلها على القول الصحيح الذي تدل عليه الأصول الشرعية. لأن هناك من العلماء من يقول أنه يعيد، يصلي والنجاسة فيه، لكن بعد ذلك يعيد. وهذا المشهور مذهب الشافعي، وهذا غير صحيح، هذا غير صحيح. وكما قال الإمام ابن عبد البر: أن الله عز وجل لم يتعبدنا مرتين. فإن قالوا: أن صلاته التي صلاها صحيحة، فلماذا يجعلونه يعيد الصلاة؟ وإن قالوا: أن صلاته التي صلاها غير صحيحة، فلماذا يجعلونه يصلي؟ أن إذا كانت صلاة غير صحيحة، لماذا يطلب منه أنه يصلي؟ طيب، الآن تقول: أنه صل في الوقت، صل حتى وفيك النجاسة. طيب، إذا كان تريده أن يعيدها، لماذا جعلته يصلي؟ فهذا خطأ. فمسألة القضاء أو إعادة الصلوات التي صليت، هذا ليس صحيحا، ولم يأتِ مثله في الشرع. ولهذا قال الشيخ هنا: «ولا يعيد فيها كلها على القول الصحيح الذي تدل عليه الأصول الشرعية». أنه لا يصلي مرتين أبدا، إن صلاها ويرى العلماء أن صلاة صحيحة، فلا يعاد عليه، إنما تكون الإعادة للصلاة غير الصحيحة. فإذا قلنا أن صلاة غير صحيحة، فلماذا نأمره بالصلاة؟ قال رحمه الله: «قال: وأما المشهور من المذهب فيها، أي مذهب الحنابلة، فإنه أيضا لا يعيد إذا حبس ببقعة نجسة، ولا إذا صلى وعلى بدنه نجاسة يعجز أو يتضرر بإزالتها». وهذه المسائل الشيخ رحمه الله جمعها في مكان قد لا تستطيع أن تحصل عليها في كتب الفقه إلا بالبحث الشديد، لكن الشيخ جمعها رحمه الله، وبين الصحيح منها. قال رحمه الله: «قال: ولا إذا صلى وعلى بدنه نجاسة يعجز أو يتضرر بإزالتها». هذا يقولون أنه لا يعيد، بخلاف مذهب الشافعي، أو المشهور مذهب الشافعي أنه يعيد. لكن يتيمم عنها، أن هذا شيء آخر. قالوا: يتيمم عنها إذا كانت على البدن، قياسا على التيمم للحدث. وهذا أيضا من فرادات مذهب الحنابلة، وهو أيضا لم يأتِ فيه دليل. يقولون أنه يتيمم لأجل النجاسة، معنى: إذا كان صلى وفيه نجاسة يتيمم لأجل النجاسة. وهذا لم يأتِ عليه في الحديث الصحيحة. قالوا: «أما نجاسة الثوب والبقعة فلا يتيمم لهما قولا واحدا». وهم الآن قاسوا إزالة النجس على الحدث. التيمم إنما شرع في أجل الحدث، فإن لم تجد ماء فتيمموا صعيدا طيبا، بعد الحدث. لكن لم يشرع أن الإنسان يتيمم وهو لم يحدث، وإنما لأجل النجاسة. فهذا القياس غير صحيح. ولهذا هنا ذكر المؤلف رحمه الله: «قال: والصحيح: وأما نجاسة الثوب والبقعة فلا يتيمم لهما قولا واحدا. والصحيح أيضا: ولا نجاسة البدن، لأن القياس على الحدث غير صحيح، القياس على الحدث غير صحيح. ولو كان صحيحا لوجب أن يعم الذي على البدن والثوب والبقعة». يعني يقول: لو كان هذا القياس صحيحا لوجب أن يعم، سواء كان في الثوب أو في البدن أو في البقعة. فلماذا يقولون في الثوب والبدن، وأما البقعة ما يتيمم لها؟ فهذا التفريق بين المتماثلات ولا دليل عليه. قال: «والشارع إنما شرع التيمم للأحداث فقط». وأما إذا صلى في ثوب نجس فعليه الإعادة على المذهب. إذا صلى في ثوب نجس، معنى ما وجده ثوبا آخر فصلى فيه، فقال: «فعليه الإعادة على المذهب». وليس لهذا القول حجة أصلا. وكما قلنا ما ذكرناه عن ابن عبد البر رحمه الله، وهو قول وحجة قوية: أن الله عز وجل لم يتعبدنا بعبادتين، ولا أن نصلي مرتين. العبادة الواحدة يجعلنا نتعبد به مرتين، أو الصلاة نصلي مرتين، صلاة واحدة. فإن كانت كما قال صحيحة، فلماذا يعيدها؟ وإن كانت غير صحيحة، فلماذا يوجبون عليه الصلاة؟ طيب، قال: «وأما إذا صل في ثوب...» قال: «والصواب كما تقدم أنه يصلي ولا يعيد». وهذا الذي تقتضيه الدلالة. قال: «فإن الله لم يجب على أحد أن يصلي الفرض مرتين». ما أمر الله عز وجل المسلم أن يصلي الفرض مرتين، إلا إذا خلّ بما يقدر عليه من واجباتها الشرعية، أن إذا خلّ بوضوء، خلّ بكذا، فهذا أمر آخر. أما أنه مثلا تكون فيه نجاسة، أو صلى في ثوب النجس ما عنده غيره، فنأمره بالصلاة في الوقت، ثم نقول له: أعد صلاتك، فهذا ليس صحيحا، ولا تقتضيه الأدلة الشرعية. إما أن يصلي الصلاة وهي صحيحة، وإما أن صلاته غير صحيحة، يقال: لا تصلي. لكن هم لماذا لا يقولون: لا تصلي؟ لأنهم يعلمون من الأدلة أن العبد لابد أن يصلي الصلاة ولا يتركها في حال من الأحوال، في حال من الأحوال. ولهذا لما النبي عليه الصلاة والسلام قال لأبي ذر: «كيف أنت يا أبا ذر إذا كنت في أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟» قال: فما تأمرني يا رسول الله؟ قال له: «صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فهي لك نافلة». أنا لا تترك الصلاة حتى يخرج الوقت. صل الصلاة لوقتها، ثم صل معهم فهي لك نافلة. أنا لا تترك الصلاة وتجعل الوقت يخرج عليك. لا، صل، صل، صل الصلاة لوقتها، ولو تصلي في بيتك. فالصلاة لا تتركها، ولا تجعلها يخرج عليك الوقت وأنت لم تصلي. سواء كان أنت في مكان فسيح، في بر، أو في بحر، أو في جو، لا تجعل الوقت يخرج عليك. إن استطعت أن تتوضأ فتوضأ وصل، إن لم تستطع أن تتوضأ، ما عندك ماء، أو أن الماء بعيد، ستخرج عليك الصلاة، تيمم وصل. هكذا، فلا تترك الصلاة في وقتها. لابد أن تصلى الصلاة في وقتها: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. قال: «الأمر الثاني: احتراز من النجاسات التي يعفى عنها، أو يعفى عن يسيرها». معنى: لما قال: «معنى الأمر الثاني في قوله: كل نجاسة يجب إزالتها»، يجب إزالتها، معنى: إذا كان الواجب إزالتها، احترز الآن من أمرين. احترز من النجاسة التي يعجز عن إزالتها، وأيضا احترز عن النجاسات التي يعفى عنها، وعن يسيرها. هناك نجاسات يعفى عنها، أو يعفى عن يسيرها، مثل الدم عند أكثر العلماء أنه يعفى عن يسيره. كذلك بعض النجاسات التي خففت، التي خففت في طهارتها. وكذلك القيء عند جمهور العلماء أيضا يعفى عن يسيره. وأما الأشياء أو النجاسات التي يعفى عنها هذا للعجز، كما تقدم، يعفى عنها للعجز عن إزالتها. قال: «فإذا صلى مع وجودها حيث يعفى عنها فإن صلاته صحيحة اتفاقا». وهذا معنى العفو عنها، والله أعلم. فإذا عجز عنها، عن إزالتها، كما تقدم، ولم يستطع إزالتها، كما قلنا أنه مثلا سجن في مكان فلم يستطع أن يزيل النجاسة عنه، فصلاته صحيحة اتفاقا. طيب، فبهذا انتهى رحمه الله من الكلام على مبحث النجاسات وكيفية تطهيرها. ثم سيأتي أيضا مبحث آخر في النجاسات: هل هي محدودة أو معدودة؟ وصفة ذلك. سيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك في درس لاحق. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.