الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 701، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول الفرق بين مذهبي الشافعي القديم في العراق والجديد في مصر، مع بيان سبب التحول بعد الاطلاع الواسع وانقسام تلاميذه. كما يبرز منهجه في القياس على الأدلة الشرعية وموقف أحمد بن حنبل من ملازمته.
يعرض سند حديث ابن عباس في تفسير اللينة بالنخلة وقطع نخل بني النضير، موازناً بين رواية عفان الموصولة ورواية هارون المرسلة. يُرجح الوصل لثقة عفان وإمامته، وتأييد الإمام أبي حاتم وموافقة الصحيحين.
يسرد أحداث غزوة بني النضير بدءاً من طلب النبي دية القتلى ومحاولة اغتياله، فالحصار وقطع النخيل ونزول الآيات المجيزة. ثم يذكر إجلاءهم إلى خيبر بشرط أخذ ما تحمل الإبل فقط، وتخريبهم بيوتهم بأيديهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الترمذي رحمه الله، وهو محمد بن عيسى بن سورة: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني. والحسن بن محمد الزعفراني فقيه وعالم من علماء السنة، وكان صاحب الشافعي. قال: لما جاء الزعفراني، أو جاء الشافعي إلى بغداد، وجلس حوله طلبة العلم، فقال: «أحتاج إلى من يقرأ»، فاختار الحسن بن محمد الزعفراني يقرأ عليه كتبه. قال: فقرأت عليه الرسالة، كتاب الرسالة. فقال الشافعي: «من أي العرب أنت؟» قلت: يا أبا عبد الله، أنا لست بعربي، إنما سكنت، وإنما أسكن في الزعفران قرية، قالوا لها: الزعفراني. فقال: «أنت سيدها إذا». وكان الحسن بن محمد الزعفراني نبطيًا من النبط، وليس من أهل العرب. النبط الذين كانوا يسكنون العراق والشام، لكنه كان فصيحًا، عنده فصاحة في اللغة، لهذا عجب الشافعي رحمه الله من فصاحته، ولهذا أيضًا اختاره في قراءة كتبه. فكان أكثر من يقرأ على الشافعي هو الحسن بن محمد الزعفراني، وهو ممن نقل عن الشافعي رحمه الله المذهب القديم. المذهب القديم في بغداد في العراق، والشافعي رحمه الله له مذهبان: مذهب بالعراق، ومذهب بمصر. والمراد أنه تراجع عن مسائل كان قد قالها في العراق، تراجع عنها وقال بخلافها. قال بعض أهل العلم: إن الشافعي رحمه الله كان على قواعد مالك وأصوله، ثم لما قرأ في الكتب واطلع أكثر، غير مذهبه. فلهذا خالف مذهبه في مصر مسائل كثيرة، خالف ما كان عليه بالعراق، وخالف فيها مالكًا. والغالب من علماء الشافعية يأخذون القول الجديد، لكن أحيانًا يصححون القول القديم، وهذا بحسب الأدلة التي عنده. فقلنا: إن الشافعي له مذهب قديم، وهو مذهب أهل العراق، وينقل هذا المذهب هؤلاء: الحسن بن محمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وجماعة من أهل العراق. وأما المذهب الجديد الذي هو في مصر، فينقله المزني، والبويطي، وابن عبد الحكم، والربيع بن سليمان، وغيرهم من هؤلاء الذين كانوا معه في مصر. وكذلك أيضًا من طلبته في العراق: الكوميدي. لما جاء الشافعي إلى مكة، أخذ عن الشافعي. أولًا أنكر على أحمد أخذه عن الشافعي، ثم لما سمع الشافعي وكلامه أعجبه، فلازمه وذهب معه إلى العراق. ولما تحول إلى مصر ذهب معه في بداية الأمر، ثم رجع إلى مكة. وقد أنكر إسحاق بن إبراهيم، وأيضًا أبو بكر الحميدي، على أحمد جلوسه عند الشافعي وتركه لسفيان بن عيينة. لما جاء مكة الشافعي، جلس عنده أحمد بن حنبل، فقال له إسحاق: كذلك مثله. وقال له الحميدي: «أتترك سفيان بن عيينة وتجلس عند هذا الفتى؟» فقال أحمد بن حنبل رحمه الله: «إن فاتني حديث ابن عيينة بعلو أدركته بنزول، أدركته بنزول أعرف عندي أصحاب سفيان بن عيينة: إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن المديني، والحميدي، وابن عيينة، وابن معين، كلهم قد لازموا ابن عيينة. أنا لو لم أدركه بعلو أدركته بنزول، أنا ما يفرق عندي. وأما إذا فاتني عقل هذا الفتى - يريد الشافعي - فأين أجده؟ لو فاتني الشافعي أين أجد هذا العلم؟ ما سأجده عند أحد». والشافعي رحمه الله كان يستدل بالآيات والأحاديث، وهو يؤصل بالآيات والأحاديث، يؤصل علمًا عظيمًا، وهو علم أصول الفقه، يعني يجمع المسائل ويقيس عليها بالكتاب والسنة. بخلاف الحنفية، كان الحنفية يقيسون، لكن يقيسون على آراء، يقيسون مثلًا على كلام إبراهيم النخعي، على كلام فلان، ما يقيسون على الأدلة. فجاء الشافعي وقاس على الأدلة، فلهذا أعجب أهل الحديث هذا الأمر، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي أو غيره: «كان الحنفية يتفاخرون بمعرفتهم للمسائل حتى جاء الشافعي فأظهر المسائل بأدلة الكتاب والسنة، أظهر هذه المسائل بأدلة الكتاب والسنة، ولم يكن هناك أحد يعرف هذا العلم قبل الشافعي رحمه الله». فلذلك حتى لما سمعه إسحاق بن إبراهيم وسمعه الحميدي، فأما الحميدي فلزم الشافعي ولم يفارقه حتى ذهب إلى مصر، فذهب معه ثم رجع بعد ذلك إلى مكة. وأما إسحاق بن إبراهيم فكان يجلس أحيانًا عند الشافعي ولم يكن ملازمًا له، لكنه عرف علم الشافعي. فلما توفي الشافعي تزوج إسحاق امرأة الشافعي لأجل كتبه، تزوج إسحاق امرأة الشافعي لأجل الكتب، لأجل كتب الشافعي. معناه كان زواجه ليس همه الزواج وإنما همه كتب الشافعي رحمه الله. قال الحسن بن محمد الزعفراني: أخبرنا عفان، وهو ابن مسلم، أبو عثمان الصفار، كان ثقة في الحديث. قال: أخبرنا حفص بن غياث. حفص بن غياث القاضي، قاضي الكوفة، وكان ثقة، لم يتغير كثيرًا عندما ولي القضاء. قال: أخبرنا حبيب بن أبي عمرة، وهو الكوفي ثقة، عن سعيد بن جبير، وهو إمام من أئمة المسلمين، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله عز وجل: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [الحشر: 5]. قال: اللينة النخلة. أن ابن عباس يقول: اللينة النخلة. وقال بعض أهل اللغة: إن اللينة هي النخلة التي هي أنواع من أنواع النخل غير العجوة، هكذا قاله ابن منظور في لسان العرب. لكن أكثر أهل العلم على أن اللينة هي النخلة، وهكذا فسره ابن عباس: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ ﴾ أي من نخلة، لأن القطع كان في النخل، فلهذا خافوا أن يكون هذا إثمًا. ﴿ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الحشر: 5]. قال: استنزلوهم من حصونهم. قال: وأمروا بقطع النخل، فحك في صدورهم. حك في صدور الصحابة رضي الله عنهم: كيف نقطع هذا النخل والناس يستفيدون منه؟ فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ الآية. قال: هذا حديث حسن غريب. وروا بعضهم هذا الحديث عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير مرسلًا، ولم يذكر ابن عباس، ولم يذكر فيه عن ابن عباس. قال: وحدثنا بذلك عبد الله بن عبد الرحمن، وهو الدارمي، أبو محمد، عن هارون بن معاوية، عن حفص بن غياث، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. ولا شك أن عفان هو أوثق بكثير من هارون بن معاوية، فالوصل هو الصحيح، وقد رجحه أيضًا الإمام أبو حاتم رحمه الله، فالحديث صحيح موصول إلى ابن عباس، وقد توبع أيضًا عفان في ذلك. والحديث موجود أيضًا في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، رواه الليث وموسى بن عقبة وغيرهم عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام حرق وقطع نخل بني النضير، حتى أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. قال أبو عيسى: سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث، وهذا فخر له أن شيخه البخاري محمد بن إسماعيل البخاري يسمع منه الحديث. قال أبو عبد الرحمن: الحديث المتصل أرجح، لأن عفان بن مسلم الذي وصله أرجح من هارون بن معاوية الذي أرسله. قال أبو حاتم في عفان بن مسلم: ثقة إمام متقن. وقال في هارون بن معاوية: الصدوق، كما في تهذيب التهذيب. فهذا الحديث في حادثة بني النضير، لما تآمروا، أو لما أرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما ذكر ابن إسحاق، وجاء أيضًا بأسانيد صحيحة، أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يستعين ببني النضير في دين، أو في دية، كانوا قتلوا ناسًا من العرب، من المسلمين، من بني غطفان، ظن بعض الصحابة أنهم ليسوا من المسلمين فقتلوهم، وأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [النساء: 94]. فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم فتبينوا. فقتلوا رجلين من بني... من هؤلاء الذين ذكرناهم، ذكرنا من بني... من النضير، لا، لا، الذين قتلوا منهم اثنان، أمن بني غطفان، من غطفان. فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤديهم، أن يعطيهم دية، وكان هذا قبل الأحزاب، أنا لازالت الفتوحات لم تفتح على النبي صلى الله عليه وسلم، فراد، فراد، يستعين ببني النضير. فذهب مع بعض أصحابه إلى بني النضير، وكلمهم في ذلك، أي كلمهم أن يعينوه في هذه الدية. فقالوا: نتكلم ثم نرد لك خبر، يا أبا القاسم. فانتظرهم النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض بيوتهم، قيل أنه في بيتي، أو بعض حصونهم، في حصن حيي بن أخطب، والد صفية بنت حيي، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. فلما كانوا يتشاورون، فقال حيي بن أخطب، أو أخوه ياسر: «ألا يذهب أحد منا ويصعد في سطح البيت، فيصط عليه حجرة، فنرتاح منه؟ إن لم يكن نبيًا فنرتاح منه». إذا كان كاذبًا، وهم يعلمون أنه ليس بكاذب، لكن يموهون بذلك. فقام رجل وقال: أنا أفعل. فأوحى الله عز وجل إلى نبيه ما دبره هؤلاء، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك المكان حتى بلغ إلى بيته، وأرسل إلى المنذر بن عمرو من بني ساعدة، لأنهم كانوا خلفاءه، وأرسل إليهم بأنهم يخرجون من المدينة. فذهب المنذر بن ساعدة وغيره إلى بني النضير، وأخبروهم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: «إن لم يرضوا فنخرجهم بالقوة». فلم يرضوا، وتحصنوا في حصونهم، كانت حصونًا كبيرة، فتحصنوا في حصونهم. فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقطع نخلهم وحرقه، حتى يدخلوا، معناه حتى يدخلوا الجيش، جيش المسلمين. فأرادوا أن يقطعوا الشجر لكثرته، وخاصة البويرة التي كانت في بني النضير، تسمى البويرة، كانت كثيرة النخل، أن نخلها كان كثير، يقال أنها أكثر منطقة في المدينة فيها النخل، والظاهر إلى الآن تسمى البويرة. فلهذا قطع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من النخل وحرقه. حرق، كما قال ابن عمر: حرق النبي عليه الصلاة والسلام نخل بني النضير وقطعه. فأنزل الله عز وجل: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. هذا أمر من الله أنكم كلما قطعتم من الأشجار أو حرقتم، فإنكم تؤجرون على ذلك، وما تركتم أيضًا تؤجرون على ذلك، لأن هذا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا لما حصل هذا سألوا النبي عليه الصلاة والسلام: هل عليهم شيء؟ لأنه حك في صدورهم شيء. فقال: فأنزل الله عز وجل ردًا عليهم هذه الآية، أي أن هذا من أمر الله، فما دام من أمر الله فليس عليكم شيء. فبعد ذلك رضوا بأن ينزلوا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لكم ما حملت ظهوركم»، خذوا ما حملت ظهوركم. لكن من حقدهم، من حقدهم على أهل الإسلام، أنهم خربوا بيوتهم، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2]. انظر إلى حقد هؤلاء اليهود، ما يريدون أحدًا يستفيد من حقهم، فكانوا يخربون البيوت بأيديهم حتى لا يستفيد أهل الإسلام من بيوتهم بعد أن يخرجوا. وهذه قضية، قضية معناها واسعة، جاءت في السنة وفي السير، لكن هذا خلاصتها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير وأخرجهم، وذهبوا إلى خيبر، ذهبوا إلى خيبر. وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لكم ما حملت ظهوركم»، أي ما حملت إبلهم، فلا يأخذون أكثر من ذلك. فهذا شيء يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر