الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن البر اسم جامع للخيرات، وأن غاية البر في الإنفاق تتحقق بالإنفاق مما يحب الإنسان وهو أعلى درجاته. يدل ذلك على سماحة النفس وتقديم محبة الله على محبة المال كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم.
يروي المقطع قصة أبي طلحة رضي الله عنه الذي تصدق بأحب ماله إليه (بستان بيرحاء) بعد نزول آية البر. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجعلها في الأقربين، مبيناً أن الصحابة استوت عندهم الدنيا فبذلوا خيارها تقرباً إلى الله.
يؤكد المقطع أن إنفاق أحب المال إلى النفس هو غاية البر وكماله، ولا يُدرك إلا بالتدرج والسمو بالنفس عن حب الدنيا. من بلغ هذه المنزلة وفقه الله لأعمال وأخلاق لا تنال بغيرها دليلاً على تقديم محبة الله.
تؤكد الفقرة أن النفقة من المال الطيب هي أكمل صور الإنفاق، وأن الله عليم بكل نفقة وسيجازي المنفق بحسب عمله. تنبه إلى أهمية إخلاص النية في الصدقة، مبينة أن الجزاء يكون في الدنيا بالخلف العاجل وفي الآخرة بالنعيم الأجل.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]. قال: يعني لن تنالوا وتدركوا البر، الذي هو اسم جامع للخيرات، وهو الطريق الموصل إلى الجنة. وكما قال المؤلف: إن البر اسم جامع للخيرات، وبعضها تكون غايته هذه الخيرات ونهايتها تكون بالكيفية، وبعضها تكون بالكمية، أي بالعدد. فمثلًا: الجهاد في سبيل الله يكون بالكيفية، بالإيمان بالله عز وجل وقوة سلاح كذا، وقد يكون فئة قليلة تغلب فئة كثيرة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]. وأيضًا بعضها أو بعض البر غايته أن يتحقق في كميته، مثل الإنفاق، فإن الإنفاق يكون بالكمية: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، يعني أن هناك نفقات فيها هي من البر، لكن نهاية البر في النفقة أن ينفق الشخص مما يحب. ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾، أي: لن تنالوا غايته ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. ينفق الرجل من أنفس أمواله مما يحبها، فهذا أعظم البر، وهذا نهاية البر، وهو كما قلنا بالكمية، أي أنه له أعداد، وله أيضًا عدة نفقات، وله أيضًا درجات. فإذا أنفق مما يحب فهذا أعلى درجة في هذا الإنفاق: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. قال: «من أطيب أموالكم أزكاها»، فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس من أكبر الأدلة على سماحة النفس واتصافها بمكارم الأخلاق ورحمتها ورقتها، ومن أدل الدلائل على محبة الله وتقديم محبته على محبة الأموال التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم لما افتنوا أنفسهم وجعلوا أنفسهم لله فاستوت عندهم الأموال وغيرهم. ولهذا لما نزلت هذه الآية كان أبو طلحة زوج أم سليم معه بيرحاء، وكانت هذه البيرحاء بستانًا قرب المسجد، قرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعذب منه الماء، أن يشرب منه ماء عذبًا، وهذه البيرحاء من أفضل بساتين المدينة، وكان أبو طلحة يحبها، وأعظم ما كان محبته لذلك البستان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يشرب منه، فلذلك قال: يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله ولرسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بخٍ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، فاجعلها في الأقربين»، قال: فاجعلها صدقة للأقربين، فجعلها أبو طلحة لأبناء عمه: أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وغيرهم من أبناء عمه. فهذا يدل على تفاني الصحابة رضي الله عنهم بأنفس أموالهم. عمر رضي الله عنه تصدق وأوقف أفضل أمواله التي تحصلها في خيبر، كانت له أرض في خيبر أوقفها لله عز وجل، وغيرها مما حصل من الصحابة رضي الله عنهم، لأنهم استوت عندهم الدنيا وأموالها وعدمها، فلما خرجت الدنيا من قلوبهم تجد أن قلوبهم توجهت إلى الله، وكذلك بحثوا عن كل ما يقربهم إلى الله جل وعلا. فقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وهنا «حتى» كأنها شرطية، يعني: ما ستبلغ غاية البر، ما ستبلغ غاية البر ونهايته حتى تنفقوا مما تحبون. ويدلك هذا على أن الإنفاق مما يحب الإنسان لا يحصل هكذا، ولا يحصل بالسهل، وإنما هناك درجات وأمور قبل ذلك لا بد أن يطبقها، ولا بد أن يسلكها حتى يأتي إلى ذلك، أو إلى تلك الدرجة العظيمة: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. فلذلك قال بعض المفسرين: لم يقل الله عز وجل: ﴿إِنْ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ إِنْ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، أو ﴿إِذَا أَنْفَقْتُمْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قال: ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، دل على أن هذه غاية البر لا يدركها الشخص إلا بالإنفاق مما يحبه، ولا يحصل له الإنفاق مما يحب حتى يتدرج في هذه النفقة، وكذلك في هذا البر حتى يصل إلى غايته. فليس بالهين أن يصل العبد إلى غايته. قد يقول قائل: هذا سهل، لكن تطبيقه ليس بسهل، أن الإنسان ينفق أعظم ما عنده وأحب شيء عنده ينفقه. هذا ما يحصل إلا ممن بلغ الكمال في التفاني لله عز وجل والإقبال على الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «وهذا من أكبر الأدلة على سماحة النفس واتصافها بمكارم الأخلاق ورحمتها ورقتها». هذا أصبح قمة في الرحمة والرقة، أنه أنفق مما يحب؛ لأن النفس تكره ذلك. «ومن أدل الدلائل على محبة الله وتقديم محبته على محبة الأموال التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها». فمن آثر محبة الله على محبة نفسه فقد بلغت ذروة العليا من الكمال. وكذلك من أنفق الطيبات وأحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه، ووفقه أعمالًا وأخلاقًا لا تحصل بدون هذه الحالة. وهذا هو معنى ما ذكرنا: أن هذه المنزلة لا يبلغها شخص إلا بدرجات ومنازل وبأشياء يطبقها أولًا حتى يصل إلى هذه الدرجة. فلذلك قال: «ووفقه أعمالًا وأخلاقًا لا تحصل بدون هذه الحالة». وأيضًا فمن قام بهذه النفقة على هذا الوجه كان قيامه ببقية الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة من طريق الأولى والأحرى. وهذا كله يصب في قول الله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، أي: لن تنالوا كمال البر وغايته حتى تكون نفوسكم تطبقون هذا وتجبلوا على هذا، على أنها تنفق مما تحب. قال رحمه الله: «ومع أن النفقة من الطيبات هي أكمل الحالات، فمهما أنفق العبد من نفقة قليلة أو كثيرة، من طيب أو غيره، فإن الله به عليم، وسيجزي كل منفق بحسب عمله». وأيضًا هذا فيه تنبيه على أن الإنسان يحاول أن يخلص لله عز وجل في نفقته، وفي صدقته، وفي أعماله. قال: «سيجزيه في الدنيا بالخلف العاجل، وفي الآخرة بالنعيم الأجل». فهذا ما تذكر هذه الآية. والله تعالى أعلم.