تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 43

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 43

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بدعية قول "صدق الله العظيم" بعد قراءة القرآن

يوضح المقطع أن قول "صدق الله العظيم" بعد تلاوة القرآن ليس له أصل في السنة النبوية ولا في آثار السلف، بل هو بدعة معاصرة ابتدعها بعض القراء في الإذاعات، وقد نص علماء كالألباني على بدعيتها. كما بين أن آية "قل صدق الله" تدل على تصديق الله في كل ما أخبر به واتباع ملة إبراهيم، لا على صيغة تقال بعد القراءة.

أنواع الخبر وحكم تصديق الجن وتحريف أهل الكتاب

يشرح المقطع تقسيم الخبر إلى ثلاثة أنواع: خبر صدق محض وهو خبر الله ورسوله، وخبر كذب محض وهو خبر الشياطين من الجن والإنس، وخبر مختلط وهو خبر الناس. ويحذر من تصديق الجن في اتهام الأبرياء بالسحر، مستدلاً بقول النبي ﷺ «صدقك وهو كذوب»، ويبين أن قول «صدق الله» رد على كذب أهل الكتاب وتحريفهم، داعياً إلى اتباع ملة إبراهيم الحنيفية.

وجوب اتباع ملة إبراهيم الحنيفية ودين الأنبياء

يرد المقطع على زعم اليهود بأن الأنبياء اتبعوا التوراة، مبيناً أن إبراهيم سبق التوراة وكان حنيفاً موحداً، وأن الواجب اتباع ملة إبراهيم القائمة على التوحيد الخالص والبراءة من الشرك. ويؤكد أن دين إبراهيم وجميع الأنبياء يقوم على عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت كما أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، قال رحمه الله: "قل صدق الله في كل ما قاله، ومن أصدق من الله قيلاً وحديثاً". وهنا قوله: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ﴾ لا تدل على أن الإنسان إذا قرأ القرآن قال: "صدق الله العظيم"، وليس هناك ما يدل على هذا، على أن الإنسان إذا قرأ القرآن قال: "صدق الله العظيم". بل هذه الآية تدل على أن صدق الله قبل القرآن: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾. وقال أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين لما رأى الحسن أو الحسين عاثراً وهو يخطب، فنزل وأخذه وقال: «صدق الله: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾». فقدم صدق الله ولم يجعلها آخر الآية، فدل على أنه لا دليل على من يجعلها آخر الآية أو آخر ما يقرأ. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما قرأ عليه ابن مسعود في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن مسعود: «اقرأ عليّ». قال: أقرأ عليك يا رسول الله وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت عليه من سورة النساء، افتتحت سورة النساء حتى بلغت قول الله عز وجل: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾، قال: «حسبك». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حسبك». قال: فرأيت عيناه تدرّفان. فهذا الحديث بيّن، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك». في رواية: «حسبي»، لكن الرواية في الصحيحين: «حسبك» أن يكفيك. فلم يقل له: "صدق الله العظيم"، وليس هناك في الآثار ما يدل على هذا. وإنما ابتكرها المعاصرون، أنا هذه بدعة معاصرة، حتى في المذاهب الأخرى، ولا مذاهب القراء ليس فيه في شيء من مذاهب القراء أنك تقول: "صدق الله العظيم". وإنما ظاهر أن أول من ابتدعها -والله أعلم- أهل مصر الذين كانوا يقرؤون في الإذاعات، فكانوا إذا قرأوا قال: "صدق الله العظيم"، وأخذها الناس كأنها وحي أنزل. فلذا صرح بعض العلماء كالشيخ الألباني وغيره أنها بدعة، أنها بدعة في الدين. فقال: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾. قل صدق الله في كل ما قاله. وربنا جل وعلا قوله: "صدق"، والخبر كما ذكر الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية، ونقله عنه أيضاً ابن أبي العز في شرح الطحاوية دون أن يذكر اسمه، قال رحمه الله: "الخبر على ثلاثة أنواع: خبر صدق محض، ليس فيه شيء من الكذب أبداً؛ وخبر كذب محض، ليس فيه شيء من الصدق إلا أحياناً معنى يدخله الصدق، وإلا الأصل فيه أنه الكذب؛ وخبر يحتمل الصدق والكذب. فأما الخبر الذي لا كذب فيه، أو لا يحتمل الكذب، فخبر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يحتمل الكذب أبداً. والخبر الذي لا يحتمل الصدق هو خبر الشيطان، وخبر الشيطان: شياطين الإنس أو شياطين الجن، فالأصل في خبرهم الكذب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب». فالكذب لازم له، وأكثر فعله وقوله كذب. ولهذا من الخطأ أن يصدق الجن، أنا حول بعض الذين يقرأون على مثلاً من يرونه مريضاً مثلاً أو كذا، فتجد أنه ينطق بعض الجن ويقول: فلان الذي سحر، فيقومون ويصدقونه ويبنون عليه أحكاماً، وهذا خطأ. فالجن لا يصدق أبداً لأن خبره كذب، الأصل في خبره أنه كذب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب»، فالكذب لازم له. فلذا لا يجوز أن يصدق الشياطين فيتّهم أناس أبرياء، يتهم أناس أبرياء بسبب أن هذا الجن قال: إنه فلان. فهذا خطأ، وكم من عوائل تقطعت بسبب هذا. فلذا فخبر الشيطان الأصل فيه الكذب، فهو لا يحتمل الصدق. وخبر يحتمل الصدق والكذب هو خبر الناس. خبر الناس يحتمل الصدق والكذب، لكن منهم من تجد خبره كله صدق لأنه يراقب الله فيصدق في أفعاله وأقواله، ومنهم من قد يكون يكاد أن يكون خبره كله كذب، ومنهم من يكون فيه الصدق والكذب، هذا بحسب الواقع، وإلا الأصل أن خبر الناس يحتمل الصدق والكذب". قال رحمه الله: "وقد بيّن في هذه الآيات من الأدلة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبراهين دعوته، وبطلان ما على المنحرفين من أهل الكتاب". ولهذا قال: "صدق الله". معناها: كلام الله عز وجل هو الصدق، أما كلام اليهود فهم كذبة، لأنهم أرادوا أن يبطلوا رسالة عيسى عليه السلام ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فأتوا بهذا الكذب، وأن النسخ باطل، وكذب هذا الكذب الذي جاءوا به، فأبطل الله عز وجل قولهم، وبيّن أن قوله هو الصدق وهو الحق. ثم قال: ﴿ وَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾. فإبراهيم ليس يهودياً ولا نصرانياً، بل كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين. قالوا: قد بيّن في هذه الآيات من الأدلة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وعلى وسلم، وبراهين دعوته، وبطلان ما عليه المنحرفون من أهل الكتاب الذين كذبوا رسوله وردوا دعوته، فقد صدق الله في ذلك، وأقنع عباده على ذلك ببراهين وحجج تتصدع لها الجبال وتقعص لها الرجال، فتعين عند ذلك على الناس كلهم اتباع ملة إبراهيم من توحيد الله وحده لا شريك له. فالله عز وجل بيّن كذب اليهود وقولهم: أن الأنبياء قبل التوراة كلهم على ما هو في التوراة، حتى إبراهيم، قالوا: حتى إبراهيم أيضاً كان يمشي على ما في التوراة. ولهذا الله عز وجل لما رد عليهم قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا ﴾، يعني: كيف يكون إبراهيم يمشي على التوراة وهو قبل التوراة؟ وهذا لعقولهم السخيفة. وأرادوا أن يبينوا أن التوراة هي قول الله، وهي أيضاً قول الأنبياء جميعاً، وأن الأنبياء كلهم يمشون على التوراة، سواء كان قبل أو بعد. وبهذا أرادوا أن يبطلوا رسالة عيسى عليه السلام ورسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يخالفون التوراة، فجعلوا التوراة هي الدين الذي أنزله الله عز وجل وغيره باطل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾. قال: فقال رحمه الله: "معنى بعدما ذكر أن الله عز وجل أقنع عباده على ذلك ببراهين وحجج، وتصدع لها الجبال وتقعص لها الرجال، فتعين عند ذلك على الناس كلهم اتباع ملة إبراهيم من توحيد الله وحده لا شريك له". ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. إنا يريد الله عز وجل أن يبين أن اليهود أهل باطل، وأن النصارى أيضاً مثلهم، وإنما الواجب على أهل الإسلام أن يتبعوا ملة إبراهيم. ولهذا أمر الله عز وجل نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله جل وعلا: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. وهنا أيضاً أمر أمته أن يتبعوا ملة إبراهيم: ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. فملة إبراهيم هو توحيد الله عز وجل، وهو الذي مشى عليه الرسل جميعاً. وأما ما يذكره اليهود فهم كذبة، ليس أنهم مشوا الأنبياء على كل ما في التوراة. قال: "وتصديق كل رسول أرسله الله، وكل كتاب أنزله، والإعراض عن الأديان الباطلة المنحرفة، فإن إبراهيم كان معرضاً عن كل ما يخالف التوحيد، متبرئاً من الشرك وأهله". فهذا هو دين إبراهيم ودين الأنبياء جميعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾. هذا ما يذكر الله تعالى، أعلم.