الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 72، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع آيات سورة آل عمران (133-136) مبينًا صفات المتقين من الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان في العبادة والعمل. ويختم بذكر جزاء المتقين وهو المغفرة والجنة.
يبيّن المقطع أن حياة القلب هي أعظم النعم وجنة معجلة في الدنيا، بينما موته يؤدي إلى الضلال إلا بتوفيق الله. كما يستعرض جزاء الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح وهو المغفرة والجنة ذات النعيم المقيم.
يفسر المقطع آيات جزاء المتقين في الجنة مؤكداً أنهم لا يبغون عنها حولاً، ويستدل بآية سورة الحديد على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان عند أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة. ويبين أن التقوى تشمل أعمال القلوب والجوارح المالية والبدنية.
يوضح المقطع أن الله يقدم المال على النفس في باب الجهاد، ويشبه العبادات البدنية كالصلاة والصيام بالعبادات المالية كالزكاة. ثم يختم المتحدث الجلسة بالشكر.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، وقبل أن نبدأ في درس، ممكن اليوم تكون محاضرة الشهر، وأيضًا سيفتح الأخ الفاضل أبو إبراهيم عوض من سعيد بن عروة، وهو أحد دروسين الفاضل من الشحر، وأيضًا عنده دروس في اللغة، استفيد في اللغة، سيفتح دروسًا في العملاء والصرف إن شاء الله تعالى. ستحدد هذه الدروس، وغالبًا سيكون العصر والمغرب. هذا الإعلان أيضًا: سيفتح درس في كتاب القواعد والرسول للجامعة السعدي، الشيخ أبي يوسف، حضر الله الوقت بين المغرب والعشاء على ثلاثة أيام. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]. قال: أولئك الموصوفون بتلك الصفات جزاؤهم مغفرة من ربهم، أي تزيل عنهم كل محذور، مع أن ربنا جل وعلا قد ذكر في بداية الآيات: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]. مسارع إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، ثم ذكر كيف تكون هذه المسارعة، وما هي صفات المسارعة التي يسارع بها العبد إلى ربه جل وعلا، فذكر الأعمال العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يستعد بها ويعتد ويتهيأ لجنة الله عز وجل بها. فأولًا: هم أهل التقوى الذين اتقت قلوبهم عذاب الله، ففعلت ما أمر واجتنبت ما نهى، ومنها ما كان أعلى، ففعلت الواجبات وامتثلت بالواجبات والمستحبات، وتركت المحظورات والمكروهات، فهذا أعلى التقوى. ثم ذكر أيضًا صفات عظيمة من صفات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، أي الذين يحسنون إلى الناس بشتى الإحسانات، وأعظم الإحسان أن يكون للوالدين. وهذا الإحسان للمخلوقين، أما الإحسان الذي يتعبد به العبد لربه جل وعلا فهو الإحسان في الطاعة والعبادة والعمل، أن الله يحب العبد إذا عمل عملًا أن يتقنه، أن يتقنه، أن يحسنه. فتحسين العمل، وهذا الحديث صحيح، صححه الألباني، وهو في الترمذي. والعمل يحتاج إلى إتقان، فإتقان العمل يدل على صحة النية، وإتقان العمل يدل على صحة النية، والإهمال في العمل يدل على ضعف النية. فلذلك فإن الله يحب إذا عمل العبد عملًا أن يتقنه، وهذا من الإحسان. ثم ذكر أيضًا من صفاتهم في الترك وفي الرجوع إلى الله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135]، أي قلوبهم حية لا تموت ولا تمرض، لأن القلب الحي دائمًا يذكر الله عز وجل، ولو حصل من جوارحه الخطأ، فيرجع إلى الله ويتوب إليه. وأما القلب الميت فهو لا يتحرك، وكذلك القلب المريض قد يتحرك بعد فترة، أو قد يكون حركته غير صحيحة لأنه قلب مريض. وأما الميت، كما يقال: وما لجرح بميت إيلام، ومن يهن الله فما له من مكرم. إذا هانه الله عز وجل بموت قلبه وطبعه، فلا يستطيع أحد أن يوقظ هذا القلب إلا أن يشاء الله جل وعلا، ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]. فحياة القلب أعظم الحياة، وهي جنة معجلة في الدنيا، وكلما حيا القلب واستيقظ كانت حياته أعظم وأفضل في الدنيا والآخرة. وقال جل وعلا بعدما ذكر هذه الصفات: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. وربنا جل وعلا في كتابه سبحانه وتعالى دائمًا يذكر الأعمال ويذكر جزاءها، وما رتبه الله عز وجل على الثواب، وهذه طريقة عظيمة ينبغي للداعية أن يسلكها. فإذا جاء بالمرغب أو جاء بشيء من الفضائل، يحتاج إلى أن يعرف الناس الجزاء، يحتاج إلى أن يعرف الناس الجزاء: إن كان في الفضائل فيأتي بجزائها عند الله جل وعلا، وإن كان في ما يكون من أعمال فاسدة، طاعة، وأيضًا من الأعمال التي حذر منها الشرع أو حرمها أو غير ذلك، فيذكر أيضًا الجزاء الذي رتبه الله عز وجل على هذه الأعمال التي تخالف شرع الله جل وعلا. فقال جل وعلا: أولئك، أي الموصوفون بتلك الصفات، جزاؤهم مغفرة من ربهم، تزيل عنهم كل محذور، وجنات تجري من تحتها الأنهار، فيها من النعيم المقيم والبهجة والسرور والبهاء والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات. إن هذا المؤلف رحمه الله أراد أن يصف هذه الجنة العظيمة التي ذكرها الله عز وجل. ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي النعيم المقيم الذي يجده في تلك الدار، جزاء وعطاء من الله جل وعلا، جزاء من ربك عطاءً حسابًا، ليس فقط حسابًا وإنما عطاءً أيضًا، لأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، فعمل الإنسان ليس هو يوازي ما يعطيه الله عز وجل في جنات، لكن الله عز وجل كريم يكرم العبد ما لا يعمل، ويعطيه أكثر مما عمل من الجزاء. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36]. فقال: فيها من النعيم، أي: قول: ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي فيها من النعيم المقيم والبهجة والسرور والبهاء والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات. قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، لا يحولون عنها ولا يبغون بها بدلًا، ولا يغير ما هم فيه من النعيم، عنها يفرحون أشد الفرح. والإنسان إذا أعطي من النعيم فرح به، لكن يريد غيره، لكن الله عز وجل يعطي العبد حتى تقنع نفسه، ولا يتمنى أن يكون له بدل، بخلاف ما يكون في الدنيا، فالإنسان مهما فعل من القصور والدور فهو يريد أعظم وأفضل منها، لكن في جنات الله عز وجل يعطيه الله عز وجل من العطاء حتى تقنع نفسه، ويرى أنه أعطي شيئًا كثيرًا. فلذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، لا يرجون عنها حولًا، فمعنى لا يطلبون البدل والتحويل من هذه الجنات، لا يبغون عنها حولًا، لا يبغون عن هذه الجنات العظيمة التي أعطاهم الله عز وجل، لا، لا يريدون تحولًا لأنهم اقتنعوا بها، أي ما اقتنع، فلذلك قال: لا يحولون عنها ولا يبغون بها بدلًا، ولا يغير ما هم فيه من النعيم، لأن فيها نعيمًا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، عمل لله قليلًا فأجروا كثيرًا، فعند الصباح يحمد القوم السَّرَى، وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملًا مغفورًا، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، ومن زرع حصد، ومن تكاسل وتباطأ فلا يلومن إلا نفسه. فالله عز وجل يعطي العامل أجره كاملًا موفَّرًا فوق جزاء. قالوا: هذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافًا للمرجئة. ووجه الدلالة: أن إنما يتم بذكر الآية في سورة الحديد نظير هذه الآيات، وهي قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: 21]، فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قالوا: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، والتقوى هي جميع الأعمال من أعمال القلوب والجوارح. ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية، فدل على أن هؤلاء المتقين هم الموصوفون، أنهم الموصوفون بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون. فأراد المؤلف رحمه الله أن يدلل على أن هذه الآيات تدل على مذهب أهل السنة، وهو أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، تدخل في مسمى الإيمان بالله، تدخل فيه الأعمال. ولهذا تجد أنه ربنا جل وعلا لما ذكر في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، وهنا قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. من هم المتقون؟ الذين وصفوا بهذه الصفات العظيمة: من الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان في معاملاتهم، وكذلك أيضًا إذا فعلوا شيئًا رجعوا إلى الله وتابوا إليه، فقلوبهم حية وقلوبهم أيضًا مستيقظة لله جل وعلا. فهذه الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، فالإيمان هو قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح والأركان. لا يكون إيمان إلا بهذه الأشياء الثلاثة، فهي تدخل في مسمى الإيمان. فمسمى الإيمان يشمل هذه الأمور الثلاثة: اعتقاد القلب، وكذلك قول اللسان، وكذلك عمل الجوارح والأركان. اعتقاد القلب: قوله وعمله، فقوله: الإخلاص وما يكون من النيات، وعمله: كالرضا، وكذلك الغضب، وأيضًا الحب والبغض، وغيرها من أعمال القلوب. وأما العمل أو قول اللسان: قوله: ذكر الله عز وجل والشهادتين، وكذلك العمل بالجوارح: أي الصلاة وغيرها من الأعمال البدنية المحضة، أو الأعمال المالية، أو الأعمال البدنية المالية. إن الأعمال البدنية المالية مثل أي عمل بدني مالي: الحج، مثل الحج، الجهاد في سبيل الله، الجهاد أحيانًا يكون بالمال وبالنفس، وهو غالبًا أن يدفع الإنسان من ماله لأجل أيضًا أن يذهب معه خيله ومعه سلاحه، فأيضًا كذلك قد تدخل في البدن والمال. فلذلك الله عز وجل دائمًا يقدم المال على النفس في مسألة الجهاد، وأيضًا كذلك. وأما البدن فهو مثل الصلاة والصيام، والمال مثل الزكاة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى، شكرًا لكم، شكرًا لكم.