تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 61

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 61

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 61، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الإنفاق رياء الناس وحكم الصدقة العلنية والسرية

يشرح العلامة السعدي أن الإنفاق رياء الناس دون إيمان بالله واليوم الآخر من صفات المنافقين، مبيناً الفرق بين الرياء والسمعة في الصدقة. ويذكر أن الإعلان بالصدقة قد يكون مشروعاً إذا ترتبت عليه مصلحة كاقتداء الناس، لكن الإخفاء أفضل وأبعد عن الرياء عند عدم وجود مصلحة.

خطر الرياء في الإنفاق والطاعات وعلاقته بالنفاق

يفسر المقطع آية الإنفاق رياء الناس بأنه من خطوات الشيطان وطريق المنافقين، ويحذر من أن فعل الطاعات أمام الناس والكسل في الخلوة مؤشر للنفاق. ويذكر خوف الصحابة رضي الله عنهم على أنفسهم من النفاق رغم إيمانهم، لقرب هذا الباب وخطورته.

إخلاص النية والوقاية من الرياء والنفاق

يحذر المقطع من الاغترار بالأعمال الظاهرة دون إخلاص الباطن، مستشهداً بحديث حذيفة عن من أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أكبهم الله في النار. ويبين أن الشيطان هو السبب الرئيس في دخول الرياء والشرك، مؤكداً الواجب في إخلاص النية لله وحده في كل عمل.

مشقة الإخلاص وخطر النية ودور المجاهدة في تصحيحها

يؤكد السلف كسفيان الثوري والإمام أحمد أن النية من أصعب الأمور على العبد لتقلبها ودخول الأغراض والوساوس الشيطانية فيها. لذا كانت مجاهدة النفس على تصحيح النية وإخلاصها من أعظم أنواع المجاهدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. يقول العلامة السعدي رحمه الله: ثم أخبر عن النفقة الصادرة عن رياء وسمعة وعدم إيمان به، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، أي: ليروهم ويمدحوهم ويعظموهم، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لأن الإنفاق المراد به هنا الصدقة، فالصدقة قد تكون رياء وسمعة. الرياء: هو أن يتصدق ليرائي، ليقال: إنه متصدق، وأنه يدفع في سبيل الله، وكذا السمعة: هو أن يسمع الناس، يقول مثلاً: تصدقت على فلان بكذا وكذا، تصدقت على الجهة الفلانية بكذا وكذا، كل ذلك يريد أن يرائي وأن يسمع الناس أنه فعل. وحياناً تكون الصدقة علانية، لكلها أهمية، وخاصة إذا خلت من الرياء، ولأجل مثلاً منفعة أو مصلحة مرجوة من الإعلان، مثل ما حصل في حديث جرير بن عبد الله البجلي، لما جاء قوم من مضر وكانت ثيابهم مشققة وعليهم أنمار، فرث لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فحث الناس على الصدقة، فلم يتصدق أحد، ثم إن رجلاً من المسلمين جاء بصرة كادت يده أن تعجز عنها، بل عجزت، صرة كبيرة فيها مال، فيها دنانير أو دراهم، الدنانير: معنى الذهب، والدراهم: الفضة، حتى وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتهلل وجه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها». فدل على أن أحياناً الإعلان بالصدقة يكون له مصلحة، وإذا لم تكن هناك مصلحة في الإعلان فلا شك أن الإخفاء أولى، وإن لم يكن رياء، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، أي: إذا أخفيتها وعطيتها الفقراء فهو أفضل، لأن مثل هذه الأفعال غالباً ما يدخلها الرياء. فلذا ذكر الله عز وجل بعض المنافقين الذين ينفقون أموالهم رياء الناس، ما ينفقون هذه الأموال إلا ليراءوا أو يسمعوا، فعلنا كذا، وعطينا فلان كذا، تصدقنا بكذا. قال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾، أي: ليروهم ويمدحوهم على أنهم من المتصدقين، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: ليس إنفاقهم صادراً عن إخلاص وإيمان بالله ورجاء ثوابه، فهذا من خطوات الشيطان وأعماله التي يدعوهم إليها ليكونوا من أصحاب السعير، وصدرت منهم بسبب مقارنته لهم وإغواءهم إليها، فلذا قالوا: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾، أي: بئس ما يستفيد من أعماله. فإذا أنفق أنفق رياء الناس ليرائي وليسمع، وكذلك إذا فعل شيئاً من الطاعات فعله أمام الناس، هذا كان حال المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلذا فهذا المسلك مسلك خطير. وأيضاً قد يخاف منه كثيراً عند كثير من السالكين، يجد نفسه عنده طاعة وعنده محبة للطاعة لكن عند الناس وعند أصحابه، فإذا خلا لنفسه يجد أنه متكاسل متباطئ، بل قد يكون العكس يحب المعاصي، فإذا خلا فإنه ينتهك حرمات الله، فهذا نوع من النفاق وهو عمل المنافقين. لكن كما قلنا: إذا لم يتعمده الإنسان وهو مؤمن بالله جل وعلا، فإنه لا يكون من المنافقين، إلا أن هذا الفعل يضره، يضره في دينه، سيأتي عليه الوقت الذي يكون فيه هذا الشخص من المنافقين. ولما كان الأمر ملتبساً، ولما كان الأمر قريباً، كان الصحابة يخافون على أنفسهم النفاق، حتى قال حنظلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «نافق حنظلة يا رسول الله»، حتى ظن أن هذا من النفاق، أنه يقول: نكون عندك فتذكرنا الجنة والنار فكأننا نراها رأي عين، فإذا ذهبنا إلى بيوتنا عافسنا الزوجات ولاعبنا الأولاد فنسينا، فهذا عده من النفاق، وهذا لحياة قلبه ويقظة قلبه. وكذلك كان الصحابة رضي الله عنهم، عمر رضي الله عنه يقول لحذيفة: «أسماني لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، عمر الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، يقول لحذيفة: «أسماني لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنافقين؟»، فقال: «لا، ولن أزكي أحداً بعدك، ولن أزكي أحداً بعدك». وكذلك كما قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كلهم يخاف على نفسه النفاق، كلهم يخاف على نفسه النفاق، ليس منهم أحد يقول: إن إيماني كإيمان جبريل، فلأن الأمر قريب، فلذا كان الصحابة لفرطهم لدين الله عز وجل يخافون أن يقعوا فيه، ولأنه وقع فيه أناس كانوا قادة عند الناس وأمراء وسادات، وقعوا في هذا النفاق. فلذا في البخاري أن حذيفة جاء إلى حلقة عبد الله بن مسعود، وقال في مسجد الكوفة، وقال لهم: «إن أناساً أدركوا» أو قال لهم: «لا تغتروا» أو كذا، «فإن أناساً أدركوا رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم فكبهم الله على وجوههم في النار»، أو قال: «خير منكم، إن أناساً أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم خير منكم فأكبهم الله عز وجل على وجوههم في النار». فأراد أن يبين أن الإنسان لا يغتر بعمله، ولا يغتر بما هو فيه، بل يجتهد في الإخلاص، ويجتهد في النية لله جل وعلا، حتى يبعد نفسه عن النفاق، يبعد نفسه عن الرياء، ولأن السبب الرئيسي في إبعاد الناس عن النيات والإخلاص ودخولهم في الرياء والشركيات هو الشيطان، هو الشيطان، فلذا جعله الله عز وجل سبباً عظيماً، فلذا قال: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. أي: إذا أردت أن تجعل صاحبك وأيضاً مرافقك هو الشيطان، فإنك ساء ما فعلت، أي: بئس المقارن والصاحب الذي يريد إهلاك من قارنه ويسعى فيه أشد السعي. فكما أن من بخل بما أتاه الله، وكتم ما من الله به عليه، عاصم آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله، فإنه آثم عاصم لربه، مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره على وجه الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح والثواب. فلذا حث تعالى عليه بقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. فلذا فالواجب هو إخلاص النيات وعبادة الله جل وعلا وحده، وعدم الإشراك به، فيجتهد المرء على إصلاح نيته في كل عمل، في كل عمل يحتاج إلى نية، يحتاج إلى إصلاحها، لأن الشيطان يدخل عليك الرياء، يدخل عليك المطامع، تجد أنه ما من عمل إلا وتجد فيه شيئاً، كما قال بعض السلف: «تفكرت في أعمالي وعبادتي لله، فرأيت أني ما أعمل عملاً إلا ولي فيه غرض»، ولو كان هذا الغرض يسيراً، حتى لو كان مثلاً هذا الغرض أنك تصلي لأجل أنك تريد فلاناً، تدخل المسجد وتجلس أنك تريد فلاناً، هذا غرض، وإن كان أحياناً هذا الغرض لا يخدش النية، لا يخدش في النية، لكن الأفضل أنك تبتعد عن الأغراض، تبتعد عن الأغراض، لأن الأغراض إذا كثرت أحياناً تغير النية، الأغراض إذا كثرت تغير النية، فلذا فتحتاج إلى معالجة. فكما سمعتم من الأمس أن السلف يقولون: «ما كان شيء أشد علينا من النية»، كما كان سفيان الثوري يقول: «فإنها تتقلب عليك»، وكان سفيان، أو كان الإمام أحمد أيضاً يقول: «ما أجد شيئاً أشد علي من النية»، أو لا، إما كبار، لكن عرفوا هذا الدين، وعرفوا أن الإخلاص عزيز، وأن النية تحتاج إلى معالجة، أن النية تحتاج إلى معالجة، لأنها تدخل فيها الأغراض، تدخل فيها النيات الأخرى، تدخل فيها أشياء، يدخلها الشيطان، يدخلها الشيطان، حريص الشيطان على أن يغير نية العبد، وأن أيضاً كذلك يفسدها. فلذا من المجاهدة العظيمة أن يجاهد العبد نفسه في نيته. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر