تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 71

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 71

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قواعد الطب في القرآن: حفظ الصحة والوقاية

يستعرض المقطع ثلاث قواعد طبية مستنبطة من القرآن تتمثل في حفظ الصحة، استفراغ المؤذيات، والحمية عنها، مع التركيز على الاعتدال في الأكل والشرب والصوم كوقاية وعلاج. ويؤكد أن الوقاية خير من العلاج مستنداً إلى آيات وأحاديث وآراء ابن القيم.

حفظ الصحة في الفقه الإسلامي وأحكام الطهارة

يبرز المقطع اهتمام الإسلام بصحة الإنسان من خلال النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين وتحريم المسكرات والمحرمات لضررها. كما يوضح وجوب إسالة الماء على أعضاء الوضوء وعدم الاكتفاء بالمسح، ويجوز التيمم من أول الوقت عند عدم الماء إلا مع تيقن توفره قريباً.

أحكام التيمم عند عدم وجود الماء

يجوز التيمم والصلاة به إذا لم يجد الإنسان الماء أو لم يدرِ بوجوده قريباً، ولا يلزمه الانتظار لو قيل له سيأتي الماء لأن الله لم يشترط الانتظار في الآية. وتختتم آية التيمم بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ بياناً لرحمته بتيسير الطهارة بالتراب ورفع الحرج عن العباد.

كرامات المؤمنين وغفران الذنوب

يمنح الله المؤمنين كرامات ويغفر لمن لا يشرك به ذنوبه، مبيناً أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر بينما الكبائر تحتاج إلى توبة وفق جمهور العلماء. ويشير المقطع إلى شروط المغفرة وفضل التوبة في حياة المؤمن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مبعا نازلنا في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾. بعدما انتهى من بعض أحكام التيمم، ذكر هنا فائدة، قال رحمه الله: «فائدة: اعلم أن قواعد الطب تدور على ثلاث قواعد: حفظ الصحة، وعن المؤذيات والاستفراغ منها، والحمية عنها». فقد نبه تعالى عليها في كتابه العزيز. فأما حفظ الصحة والحمية عن المؤذي، فقد أمر بالأكل والشرب وعدم الإسراف في ذلك، وأباح للمسافر والمريض الفطر حفظا لصحتهما، باستعمال ما يصلح البدن على وجه العدل، وحماية للمريض عما يضره. وأما استفراغ المؤذي، فقد أباح تعالى للمحرم المتأذي برأسه أن يحلقه لإزالة الأبخرة المحتقنة فيه، ففيه تنبيه على استفراغ ما هو أولى منها من البول والغائط والقيء والمني والدم وغير ذلك. نبه على ذلك ابن القيم رحمه الله عليه. وهذا كما ذكر المؤلف عن ابن القيم أنها من قواعد الطب: حفظ الصحة. وهذا بيّن في كتاب الله جل وعلا، فأمر الله عز وجل بالأكل والشرب من غير إسراف، ولا مخيلة. من غير إسراف، مراد أنه إسراف في الطعام والشراب بالأكل، وكذلك الإسراف في تبذير الأكل: ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾. فالإسراف هنا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلوا واشربوا من غير إسراف ولا مخيلة»، وقال الله عز وجل: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾. فهنا الإسراف كما قلنا هو الإسراف في الأكل، وهو أن يأكل حتى تصيبه التخمة من كثرة الأكل. والتخمة معناها: أن تمتلئ بطنه كثيرا حتى لا يستطيع أن يتحرك، فيسمى تخمة. وهذه أكثر الأمراض تكون منها، أكثر أمراض الناس من التخمة، من الشبع. ولهذا بعضهم من يصحح قول الحديث قال فيه: معنى في الحديث «شر ما ملأ ابن آدم بطنه»، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه. فلا يسرف على نفسه في الطعام حتى يضخم، ثم يشرب، فلهذا يأتي بعد ذلك الكسل، سواء كان الكسل في الجسد أو الكسل أيضا حتى في عدم القيام بما أوجب عليه. قال: «ولهذا الصوم صحة، الصوم صحة للبدن ونشاط للجسد». وجاء في الحديث: «صوموا تصحوا»، وإن كان الحديث ضعيفا لكن معناه صحيح. فالصوم صحة للبدن، ولهذا الآن الأطباء يستخدمون الصوم في علاجات كثيرة، يستخدمون الصوم في علاجات كثيرة، وبعضهم يسميه الرجيم. فحفظ الصحة له أهمية، وكذلك الوقاية خير من العلاج، الوقاية خير من العلاج، وهذا من حفظ الصحة أيضا. وقد جاءت الأدلة المتكاثرة بالوقاية قبل المرض، الوقاية قبل أن يأتي المرض. ولهذا فالبلايا من أمورها المرض، أو من أنواعها المرض، فلهذا جاء في الشرع أن البلاء يدفع قبل أن ينزل، ويدفع أيضا قبل أو بعد نزوله. يدفع قبل أن ينزل بالأذكار والتعاويذ وغير ذلك، وأيضا يرفع أو يرفع أيضا بعد نزوله بأشياء، بالرقى وغيره. فلهذا فالصحة موجودة في شرعنا، وكذلك الوقاية من الأمراض الجسدية وكذلك الأمراض القلبية. وأما الاستفراغ فالاستفراغ من الأمراض أيضا موجود، بل أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصلاة والرجل حاقن، «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين» على البول والغائط. الإنسان إذا دافعه البول لا يجوز له أن يبقى في الصلاة، وهذا من أعظم حفظا للصحة، لأن بقاءه وعدم ذهابه إلى العجل ليستفرغ هذه المادة يعتبر مرضا، يعتبر مرضا، فهذا يعتبر حمية، وأيضا استفراغ للمرض، واستفراغ أو استفراغ لهذه المادة، ومنها هذا البول والغائط والقيء والمني وغير ذلك، وإخراجهما. فلهذا فالإسلام حرص على صحة بني آدم، حتى أنه أوجب أن يخرج من الصلاة، ليس أنه مستحب بل واجب عليه إذا كان يدافع. بل لأن هناك من العلماء كأحمد وغيره أبطلوا صلاة المدافع إذا بقي، أبطلوا صلاة إذا كان يدافع، فلا صلاة له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين». فحضرة الطعام جاء ما يخصه، جاء ما يصرفه عن البطلان، أحاديث كثيرة، وأما المدافع فلم يأت ما يصرفه عن بطلان الصلاة. وكذلك الأمر الثالث: الحمية، وهي الوقاية كما قلنا. فهذه القواعد التي يدور عليها الطب في حفظ الصحة، حفظها من المؤذيات. وهذه الآية أيضا فيها تحريم المسكر لأنه مؤذي للصحة. ولهذا هذه الأطعمة والأشربة المحرمة في الشرع كلها هي مضرة للإنسان، إما ضررها خالص، وإما ضررها راجح. معنى مثلا الخمر: ضررها راجح، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾، فضررها راجح. وهناك أشياء ضررها خالص، مثل انتهاك المحرمات بالزنا والقتل، فهذه أيضا ضررها خالص، ضررها خالص ليس فيه منفعة، وليس فيه أيضا مصلحة. وإن كان يظن الشخص أن فيه مصلحة أحيانا في دفع مثلا، أو في جلب له مصلحة بقتل هذا الشخص لأنه آذاه، أو لأنه لم يعطيه ما يريد من مصلحة له، فهذا مصلحة وهمية ليس فيها فائدة. فلهذا فارتكاب مثل هذه الأشياء تكون مفسدته خالصة، مفسدته خالصة. قالوا في الآية: وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم. تعميم مسح الوجه واليدين، معنى إيش بالتيمم؟ ليس المراد بالغسل، لأن المسح بالغسل إذا مسح وجهه أو يديه أو رجليه فوضوءه غير صحيح، وضوءه غير صحيح. أنا إذا أخذت ماء، أبلل يده ثم مسح وجهه، فهذا الوضوء غير صحيح، لابد من إسالة الماء على العضو، لابد من إسالة الماء على العضو. بعض الناس مثلا إذا كان الماء قليل، فتجده يمس يده في الماء ويضعها في وجهه، ويمس يده ويضعها في يديه، هذا ليس وضوءا صحيحا، هذا ليس وضوءا صحيحا، لابد أن يسيل الماء على العضو، يسيل على الوجه، على اليدين، وهكذا. طيب، قال: «وأنه يجوز التيمم ولو لم يطق الوقت، ولم يضيق الوقت». أنا يجوز التيمم ولو من أول الوقت، أنا لا يجلس الإنسان إلى آخر الوقت يقول: لعلي أجد ماء. لا، مادام أنه حضر وقت الصلاة فإنه يتيمم إذا لم يجد الماء. أنا لا يجلس إلا إذا كان عنده يقين أن الماء موجود في مكان معين، أو أن الماء سيجلب له، فهنا ممكن أنه يتأخر. أما إذا كان لا يدري، أو حتى لو كان ظن راجح أن الماء سيأتي، فله أن يصلي بالتيمم، أن يصلي بالتيمم. مثلا لو أن إنسان جاء إلى مكان وهو مسافر، فنزل إلى المكان ووجد الماء انتهى، دخل الحمام مثلا وجد الماء انتهى، عند المواضع ليس هناك ماء، فقال له مثلا صاحب المسجد: سيأتي الماء، ستأتي البوزة وكذا، هذا لا يلزم أنه يجلس وينتظر هذه البوزة أو هذه الوانيت، بل له أن يتيمم ويصلي. فلهذا فيجوز التيمم ولو لم يضيق الوقت، لأن الله عز وجل قال: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾، ولم يذكر الانتظار، ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الانتظار. لكن كما تقدم معنا أنه يطلب الماء إذا كان الماء موجودا، يطلب الماء إذا كان الماء موجودا. وأما إذا كان الماء ليس موجودا، ولا يدري هل عنده أو قريب منه ماء أو ليس هناك ماء، فهنا أيضا يصلي. ولو كان الماء قريبا منه، لما مشى وجد الماء، فإذا كان لا يدري بوجوده فصلاة صحيحة، صلاة صحيحة، يعني صلاة يتيمم ويصلي. لكن إن كان يعرف أن الماء موجود قريب، فهنا لا يصلي حتى يأتي إلى مكان الماء. قال: «وأنه لا يخاطب بطلاب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب». والله أعلم، أن إذا وجد أو يعرف أن هناك ماء يطلبه، أما إذا لم يعرف فلا يجب عليه طلب الماء. قال: ثم ختم الآية بقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾، أي كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين، يتيس بتيسير ما أمرهم به وتسهيله غاية التسهيل، بحيث لا يشق على العبد امتثاله فيحرج بذلك. ومن عفوه ومغفرته ورحمته هذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء عند تعذر استعماله، كما قال في الآية الأخرى لما ذكر التيمم، قال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾، وقال سبحانه وتعالى بعدما قال: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. فهنا الله عز وجل نفى الحرج عن الناس لأجل أن لا يتحرج لعدم وجود الماء، فأجاز لهم التيمم. ولهذا لما نزلت آية التيمم قال أسيد بن حضير - لأنها نزلت بسبب ضياع عقد عائشة -: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر»، قال: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر». معنى جعل هذا بركة للأمة لأنه رخصة، فيصلي الإنسان في أي مكان حتى ولو لم يجد الماء. قال: «ومن عفوه ومغفرته الرحمة لهذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء عند تعذر استعماله». ومن عفوه ومغفرته أن فتح للمذنبين باب التوبة، لأن الله هنا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾، فمن وقع في الخطأ وقصر في هذا الباب فعنده باب التوبة. قال: «أن فتح للمذنبين باب التوبة والإنابة، ودعاهم إليه، ووعدهم بمغفرة ذنوبهم». ومن عفوه ومغفرته أن المؤمن لو أتاه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة. وما جاء ذلك في حديث أبي ذر في صحيح مسلم، وحديث أنس في السنن. فالمؤمن الله عز وجل أعطاه من الكرامات، وخاصة هذه الأمة، فمن لم يشرك بالله عز وجل شيئا غفر الله عز وجل ذنوبه. وأقيل أن هذه الذنوب هي الصغائر، وأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما هو قال جمهور العلماء. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر