الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُحرم الشفاعة أو المجادلة عن الخائنين بعد رفع القضية إلى الحاكم، ويُستدل بقصة المرأة المخزومية وصفوان بن أمية. الشفاعة جائزة فقط قبل وصول الأمر للقضاء.
يُبين المقطع أن الشفاعة في الحدود جائزة قبل رفع الأمر للقاضي وتمنع بعده، مع النهي عن المحاماة عن المجرمين مستدلاً بآيات النهي عن خصومة الخائنين. كما يوضح قاعدة أهل السنة في حب الحاكم لإيمانه وبغضه لظلمه، والنهي عن الخروج عليه ما أقام الصلاة.
يبين أن بغض الحاكم لظلمه لا يبرر الخروج عليه أو التحريض على الفتنة، لأن الخروج يؤدي إلى سفك الدماء وتمكين الأعداء. يستشهد بأقوال الإمام أحمد والحسن البصري وواقع اليمن بعد 2011 لتأكيد ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾، قال رحمه الله: الاختيان والخيانة بمعنى الجناية والظلم والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية، فلا يجوز أن يكون الإنسان محاميًا له، أو كما تقدم معاذًا، أو كذلك شافعًا له بعد أن وصل الحكم إلى الحاكم والقاضي. ولهذا جاء في الصحيحين: لما سرقت المرأة المخزومية، هَمَّ بنو مخزوم بشأن هذه المرأة، فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقالوا: ما نرى إلا أسامة، حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن حبه. فكلموا أسامة أن يكلم النبي عليه الصلاة والسلام فيها، فكلمه أسامة، كلم النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المرأة أنه يشفع فيها وأنه يتجاوز عنها، فقال: «يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟» أتشفع في حد من حدود الله؟ قال: فكررها حتى قلت، أو حتى تمنيت أني ما قلت. فعظم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الاستشفاع. وأيضًا قد جاء النهي، أخرجه الترمذي وغيره، النهي عن الاستشفاع بعد أن تصل إلى الحاكم. ولما سرق بردًا لصفوان بن أمية، أو رداء لصفوان بن أمية في المسجد، فعثر على السارق، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقطع يده، فقال صفوان: يا رسول الله، قد وهبته له، أنا قد تجاوزت وسامحته. فقال: «ألا كان قبل ذلك؟» أنا أنت طالبت في حقك، ولم تقل: أنا سامحته، حتى لا يذهب إليه. فالإنسان إذا أراد أن يسامح، يسامح من أول الأمر، قبل أن تصل القضية إلى المحكمة، أن تصل القضية للقاضي. فهناك قبل ذلك لا بأس من الشفاعات، لا بأس مثلاً: إنسان يدفل شفاعة في قضية قتل، أو في قضية سرقة، أو في شيء من هذه القضايا، لكن قبل أن تبلغ القاضي. وأما إذا بلغت القاضي، فلا يجوز له أن يشفع فيها، يذهب ويتشفع فيها. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد صفوان رداءه، بحث عنه حتى عثر على السارق، فلما أراد أن يقيم الحد عليه، فأراد أن يعفو عنه، فقال: «ألا كان ذلك قبل أن يأتي إلي؟» فلذلك الشفاعات تكون قبل أن تصل القضية إلى القاضي، أما إذا وصلت، فلا يجوز الشفاعة، لا يجوز الشفاعة، ولا المحامة عن رجل مجرم يعلم أنه مجرم، يحامي عنه ويأتي في أشياء يتمسك بها حتى يخرجه من القضية، كما يقولون. وهذا ظلم عظيم وذنب عظيم كذلك، لأنه يدافع عن الظالمين ويجادل عنهم، ويكون خصيمًا لهم، ﴿ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾. استغفر الله، إن الله كان غفورًا رحيمًا. ثم قال: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ﴾، أي: أهل الخيانة وأهل الجناية والظلم، لا تجادل عنهم ولا تخاصم عنهم، إلا إذا كان في حق، إذا كان هناك حق أو حصل عليهم حيف وظلم، لا بأس أنك تدافع عنهم فيما صار من الظلم عليهم، كما قد ذكرنا ذلك بالأمس. قال: وهذا يشمل النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾، أي: كثير الخيانة والإثم. وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض، وهذا كالتعليل للنهي المتقدم، أي: لا تحب الظالمين، ولا تحب الكافرين، ولا تحب المجرمين. وإذا كان الرجل مسلمًا وهو ظالم، فإن أحببته أحببته لإسلامه، وإلا فتكرهه لأنه ظالم، وتبغضه لأنه خائن. وهكذا كما قرر كثير من أهل العلم من أهل السنة: أنك تحبه لإيمانه وتكرهه لمعصيته. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحاكم الذي يأتي معصية الله: «فلا تنزعن يدًا من طاعة، واكره عمله، واكره عمله». وكذلك في حديث في صحيح مسلم، في حديث عوف بن مالك، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم» - أي: تدعون لهم ويدعون لكم - «وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم، وتبغضونهم ويبغضونكم». فقال: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». فإذا أبغضه الإنسان لظلمه، فهذا أمر شرعي، لكن لا يجعله ذلك يخرج عليه ويهيج عليه الشارع. وكذا، فهذه مسائل لا بد أن يفرق بينها، لأن كثيرًا من الخوارج وأتباعهم، كالإخوان المسلمين وغيرهم ممن انتهج هذا المنهج، لم يستطيعوا أن يجمعوا بين الأمرين. فبغض الحاكم ليس معناه أنك تخرج عنه وتخرج عليه وتنزع الطاعة من عنقك. ليس هذا البغض، تبغضه لأنه يأتي معصية الله ويظلم ويجور، فهذا تبغضه لأجل هذا الأمر، لكن ليس معناه أنك تخرج عليه وتهيج الناس للخروج وتأتي بالفتن والقلاقل بين المسلمين، فتذهب بعد ذلك دماء المسلمين. ولهذا لما أرادوا الخروج على المأمون وغيره، قال الإمام أحمد: «الدماء، الدماء»، كان يكرر رحمة الله عليه: «الدماء، الدماء»، أي: حرمة الدماء. لا يفكر الإنسان في شيء ويترك وهو أعظم منه. الآن منذ زمن، كما قال الإمام أحمد: «ماذا استفاد الناس من الخروج على الحكام؟» ماذا استفاد الناس من الخروج على الحكام؟ إلى اليوم، ما خرج أناس على حاكم إلا وابتلوا بعده بما هو أشر منه وأظلم منه. ولهذا كان الحسن البصري، ذلك الفقيه، كان يقول رحمه الله: «لا تخرجوا على أئمتكم، فوالذي نفسي بيده، فوالذي نفسي بيده، لا يسلطن الله عليكم إخوان القردة والخنازير». فأنا بخروجكم هذا سيتسلط عليكم اليهود والنصارى. وفعلا هم يستغلون مثل هذا، مثل هذه الخروجات، مثل هذه الانقلابات. بعض الناس يقول: إيش نصبر؟ إلى متى نصبر؟ يصبر كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لا بد أن تصبر، لأن خروجك ما يأتي بخير، يأتي بشر. فأولًا: أول ما تذهب الدماء، تذهب دماء المسلمين، يقتل بعضهم بعضًا. ومن ثم أيضًا يتدخل هؤلاء الأعداء في أمر المسلمين، تدخل هؤلاء الأعداء في أمر المسلمين. انظر إلى بلادنا الآن، لما حصل ما حصل من الخروج في 2011 أو غيرها، أولًا: سلط الله عز وجل علينا هؤلاء القوم الهمج، وهم الحوثيون، سلطهم الله عز وجل على أهل اليمن. ومن ثم أيضًا لما ضعفت البلاد، وضع وصارت الحرب، تسلط الأعداء، جاءت أمريكا وجاءت بريطانيا وجاءت كذا، فقالوا: أنتم في البند السابع أو التاسع أو السابع، فصاروا يتسلطون في أمر المسلمين، يحكمون. انظر الآن لما نزلت السعر وكذا، سرعان ما جاء سفير أمريكا أو مبعوث أمريكا، تجد أنهم هم الذين يتصرفون في بلاد الإسلام، إذا وجدت مثل هذه الفرص. وهذا بسبب الخروجات التي يخرج بها على الأئمة. فهناك فرق بين أن يكون الحاكم ظالمًا، يبغض بسبب ظلمه، لكن ليس معناه أنه يخرج عليه ويحدث الانقلاب، كما يقولون. والأدلة في ذلك واضحة وهي كثيرة جدًا. ومن أراد أن يقرأ مثل هذه الأدلة، فعليه بكتاب الإمارة من صحيح مسلم، ابن الحجاج رحمة الله عليه. قال رحمه الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾، أي: كثير الخيانة والإثم. وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض، وهذا كالتعليل للنهي المتقدم. هذا قد أخذنا، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر