تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 128

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 128

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 128، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مخافة الناس مقدمة على مخافة الله وتأثيرها على ضعف الإيمان

يفسر العلامة السعدي آية ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ موضحاً أن الخائنين يهابون الناس ولا يهابون الله، فيحرصون على تجنب الفضيحة أمام الخلق بينما يجاهرون بالمعاصي أمام الله. تقديم مخافة الناس على مخافة الله دليل على ضعف اليقين وقد يؤدي إلى الارتداد عند الابتلاء كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.

الحياء من الله ومراقبة السرائر وخطر المجاهرة بالمعصية في الخلوات

يبيّن المقطع أن الحياء الحقيقي يكون من الله لا من الناس، وأن من يستخف بالمعاصي في الخلوات مع إظهار الطاعة في العلانية هم ممن توعدهم النبي ﷺ بأن أعمالهم تُحبط. يستشهد بحديث ثوبان وآية ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ محذراً من عدم مراقبة الله في السرائر.

تقسيم الناس حسب خوفهم من الله والناس وفضل مراقبة الله في السر والعلانية

يذكر الله عباده بإحاطته بأعمالهم وإمهالهم للتوبة، ويقسم الناس إلى من يخاف الله والناس، ومن يخاف الناس فقط، ومن يخاف الله في السر والعلن. يبين أن تعجيل العقوبة في الدنيا قد يكون رحمة ولطفًا من الله للعبد ليغفر له، وأن الواجب مراقبة الله في جميع الأحوال.

أهمية المروءة وحسن المعاملة في ضوء السنة النبوية

يشير المقطع إلى أن الالتزام بالعادات الحسنة وحفظ المروءة من علامات الخير، وأن معاملة الناس بما يحب المرء أن يعامل به سبب للنجاة من النار ودخول الجنة. يستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى قوله جل وعلا: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾. ثم كما ذكر العلامة السعدي رحمه الله، ثم ذكر عن هؤلاء الخائنين أنهم كما قال جل وعلا: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾. فأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة، أم من يكون عليهم وكيلًا؟ قال رحمه الله: وهذا من ضعف الإيمان ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم، إنا جعل الله عز وجل أهون الناظرين. وهذا حال كثير من الناس، مثل ما ذكرنا في السيرة عن أبي طالب أنه أسلم مخافة... أو أقصد لم يسلم مخافة كلام الناس. وهكذا أيضًا كثير من الناس لا يفعل الحرام لأجل الناس، لأجل الناس، وهذا إذا قصده فهو يعتبر من الأمور المشينة، فهو لم يعظم الله جل وعلا ويخاف من كلام الناس أكثر من خوفه من الله. ولهذا ذكر الله عز وجل أيضًا أن بعض الناس إيمانه ضعيف، فإذا أوذي في الله وتكلم عليه الناس فإنه سرعان ما ينقلب، انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة. ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾، فعلى فتنة الناس كعذاب الله، فهو يخشى أن يقول عليه الناس كذا وكذا، لكن لا يخشى أن يعذبه الله جل وعلا، وهذا نقصان اليقين، بل أحيانًا قد يكون لعدمه ما عنده يقين في قلبه بموعود الله جل وعلا. قال: أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم، وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم. ولا شك أن من كان عنده حياء من الناس يكون أيضًا عنده حياء من الله، فهذا الحياء يصرفه عن الحرام. وأما أنه عند الناس ينصرف عن هذا الذنب، وإذا خلا فإنه يجاهر الله ويظاهره بهذا العصيان، فهذا أيضًا أمر مقيت. لكن قد تحصل الهفوة بعد الهفوة والذنب بعد ذنب، لكن ليس باستمرار، ويرجع ويتوب إلى الله جل وعلا، فهذا قلبه لا زال حيًا، لا زال حيًا، يلوم نفسه على التفريط ويندم نفسه على العصيان. وأما من كان دأبه الذنوب، سواء كانت الذنوب في الخلوات أو أنه لا يبالي في الخلوة أو في العلن، فكل ذلك عنده سواء، وكل هؤلاء ممن ذمهم الله عز وجل. ومن هذا النوع يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، فهم عندهم أهم شيء أن الناس لا يعيبونهم، أن الناس لا يعيبونهم، فلهذا يستخفون بذنوبهم ويستمرون في ذنوب الخلوات، والعياذ بالله. تعلمون أن حديث ثوبان فيه الوعيد الشديد لمن فعل ذلك. فما جاء في حديث ثوبان عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة ومعهم أعمال بيضاء كجبال تهامة، فيجعلها الله هباءً منثورًا». فقال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا، ألا نكون منهم؟ قال: «هم قوم من بني جلدتكم، يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ويقومون من الليل كما تقومون، إلا أنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». إنهم لا يعظمون الله عز وجل في الخلوات، ولا أيضًا كذلك يخشون ربهم جل وعلا. ف هنا الله عز وجل ذكر هذا الصنف: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ﴾. قال: وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم. هذه المعية عامة بالعلم، وغاية الخصوص في حال تبيتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني ورمي البريء في الجناية، والسعي في ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ليفعل ما بيتوه، فقد جمعوا بين عدة جنايات ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات المطلع على سرائرهم وضمائرهم. ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾، على أنهم أساءوا إلى رب العالمين سبحانه وتعالى فلم يعظموه، وجعلوه أهون الناظرين إليهم، ولم يراقبوه جل وعلا. لكن الله عز وجل ذكرهم بأنه محيط بأعمالهم، أي قد حاط بذلك علمًا، ومع هذا لم يعاجلهم بالعقوبة، بل استأنى بهم وعرض عليهم التوبة، وحذرهم من الإصرار على ذنبهم الموجب للعقوبة البليغة. فالآن حالات الناس في هذا الصدر: إما أنك تجد الرجل عنده خوف من الناس وخوف من الله، يخاف الفضيحة عند الناس ويخاف أيضًا من الله جل وعلا في الخلوات، فهذا وهذا يحمله الحياء، وعلى ذلك، وهذا من أفضل الناس. وإما أن يكون يخاف الناس ولا يخاف الله جل وعلا، فهذا أيضًا من هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل هنا. والقسم الثالث: أنه يخاف الله في خلواته وجلواته، لكن قد يجاهر وقد يفعل أشياء لا يخشى عيب الناس لها، وهذا على قسمين: إن كانت هذه الأشياء التي يفعلها هي طاعة لله وأمور مباحة، فهذا لا شيء عليه. وأما إن كان الذي يفعله معصية لله، وأيضًا إساءة في المعاملة مع الناس، أي أنه عنده سوء أخلاق، فهذا لا شك أن الله عز وجل يعاتب على ذلك، يعاتب على ذلك. وقد يكون المراد أيضًا أنه قد يحصل منه شيء من المعاصي مع الناس، لكنه في خفاء يتوب إلى الله ويرجع وينوب إلى الله، فهذا فيه خير عظيم، ومثل هذا يوفق إلى التوبة، وغالبًا يغفر الله عز وجل له ذنبه. وإن عجل له شيء من العقوبة، فهذا من لطف الله عز وجل به، وأيضًا محبته له، وأنه أراد الله به خيرًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا». وقال لذلك الرجل الذي حصل منه شيء من الذنب مع امرأة، قال له عليه الصلاة والسلام عندما ارتطم وجهه بالجدار: «أنت عبد أراد الله بك خيرًا، أنت عبد أراد الله بك خيرًا، يعجل لك العقوبة لأجل أن يغفر الله لك». سبحانه وتعالى. فهكذا هم أقسام الناس، والواجب على العبد أنه يخشى الله عز وجل في السر والعلن. وإن كان مثلًا من أمور الطاعات ويخاف عيب الناس فيها، فهذا من الخطأ. وأما إن كان من الأشياء التي تكون مما يُعرف به شرف العادات وقيمها، فعدم فعلها عند الناس من الخير، ومن أيضًا كذلك دين الرجل أنه لا يخرم مروءته عند الناس، ويكون على الخير، وعلى أيضًا احترام الناس له، ويعامل الناس بالقدر الذي يحب أن يعامل به، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». فهذا ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم.