الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 129، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آية النهي عن مجادلة الخائنين مؤكداً عدم جواز الدفاع عن الظالمين، وينبه إلى خلط بعض الفرق بين أدلة النهي عن نصرة الظالم وأدلة الصبر على جور الولاة مبيناً منهج أهل السنة في عدم إثارة الفتنة.
يبيّن المقطع أن منهج أهل السنة هو الصبر على ظلم الأئمة ما داموا يقيمون الصلاة والصلاة خلفهم اقتداءً بالصحابة، وينكر على من يرفض الصلاة خلف أئمة الجور معتبراً ذلك من فعل الخوارج.
يروي المقطع موقف الإمام أحمد من كتاب الحسين بن علي الكرابيسي محذراً من الدفاع عن المبتدعة معتبراً إياه ظالماً، ويبين الفرق بين السكوت عن ظلم الحكام لمصلحة الأمة وبين الدفاع عنهم مستدلاً بآيات قرآنية.
يوضح الحديث كيف ستشهد أعضاء الإنسان عليه يوم القيامة فيندم على دفاعه عنها، وتؤكد الآية أن الله سيوفيهم جزاءهم الحق ولا مجادل لهم لأن الله يعلم السر وأخفى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾، قال رحمه الله: "أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا"، أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالكم بعض ما يحذرون. إن هبكم أي جدل، أن دفاعكم نفعهم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة عند الخلق، فماذا يغني عنهم وينفعهم إذا جادلتم عنهم ودافعتم عنهم؟ وهذا رد على من يدافع عن المجرمين، يدافع عن الظالمين. لا يجوز للإنسان أن يدافع الظالم، أي فيما ظلم، وهذا هو الواجب: أن الإنسان لا يدافع عن الظالمين، كما قال جل وعلا: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾. فلهذا لا يجادل الإنسان عن الظالم. وهذا الباب يخلط فيه كثير من الناس، خاصة من الخوارج المعتزلة، والآن عندنا أيضا في هذا العصر السرورية والقطبية والإخوان المسلمون وغيرهم، فإنهم يخلطون في هذا، فيأخذون الأدلة التي فيها دفع الظالم، وعدم جواز الدفاع عنه، وينسون أدلة الصبر على جور الحكام. وأيضا يحملون السكوت عنه يعتبر مدافعة، أن يجعلون السكوت عنه يعتبر مدافعة، أو إنكار الخروج يعتبرونه أيضا مدافعة عن الحكام. صحيح لا شك أن هناك من يثني على بعض الظلمة ثناء عطرا، وهذا لا ينبغي، وهذا لا ينبغي أن يثني ذلك الثناء العظيم عليهم، لكن له أن يشكرهم مثلا في بعض المسائل التي يقومون بها، فلا بأس أن يشكرهم على ذلك. وأما الثناء العام فهذا ليس بصحيح. وأيضا ليس من منهج أهل السنة أنه يذكر ظلمه ويهيج الناس عليه، فإن هذا أيضا ليس من منهج أهل السنة. وهذه مسائل يجب أن يعرفها أهل الإسلام، ولا يجوز الخلاف بين هذه المسائل، وما جاءت هذه المفاهيم إلا لعدم فهمهم الكتاب والسنة. فهناك فرق بين أن يسكت الإنسان والعالم عن بعض الظلم ولا يذكر الناس به، ولا يهيج الناس على ذلك الحاكم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالصدق ولم يأمرنا بالمدافعة، لم يأمرنا بالمدافعة. بل لما ذكر أئمة الذين هم على غير طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: « سيكونوا أئمة يهتدون بغير هدي ويستنون بغير سنة، تعرف منهم وتنكر ». قالوا: سيقوم فيهم أناس قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. يقوم فيهم، أي يقوم عليهم، يقوم عليهم أناس قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. فهذا يدل على أن الإنسان قد يسكت على ظلم إذا كانت هناك فتنة أكبر من ذلك. ولهذا كما ذكر الإمام ابن القيم أن العلماء أجمعوا على أنه لا ينكر المنكر إذا كان سيأتي بما هو أنكر منه. فإن كان هناك منكر ولا يستطيع أن ينكره، أو يستطيع لكن بما هو سيجلب عليه فتنة أعظم منه، فهنا ينكر بقلبه، وهذا أضعف الإيمان. ولهذا قال في الحديث: « من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان ». المراد: فمن جاهدهم بيده، أي من استطاع أن يخرجهم من ذلك المكان فواجب عليه، وأما بلسانه فأن ينصحهم، وأما بقلبه فأن ينكر بقلبه. فهذا تفسير هذا الحديث الذي فسره بعض المعتزلة على غير تفسيره، حتى يواكب ويوافق على الحديث الآخر، فسره العلماء هكذا. فلهذا جاءت أدلة كثيرة على الصبر على جور الأئمة ما دام أنهم يقيمون الصلاة، وجاء في حديث عوف: « ما صلوا »، فلهذا فالواجب وهو منهج أهل السنة قد بينه الإمام أحمد وغيره، أنه الواجب الصبر على جور الأئمة. وقد كان السلف إذا رأوا رجلا يخرج على الأئمة، سواء كان بفعله أو بقوله، فإنهم يحذرون منه. كيف بفعله؟ بفعله أي أنه لا يصلي الجمعة معهم، لا يصلي الجمعة معهم، لا يجيز الصلاة معهم. وحصل هذا للحسن بن صالح بن حي، وفقيه من فقهاء الإسلام، وعالم وزاهد، لكنه كان يرى هذا الرأي، كان لا يصلي الجمعة مع أئمة بني العباس لظلمهم كما يقول، فأنكر عليه الأئمة، أنكر عليه سفيان الثوري وغيره، حتى أن سفيان اشتد عليه وشد عليه في الكلام، حتى جاءه صالح بن أبي صالح أخوه، قال: يا أبا عبد الله، ما لك على أخي؟ قال: حتى يترك ما يقول وحتى يترك ما يفعل. معنى ذلك: ما سأترك الكلام عليه حتى يترك ما يقول، لأن هذا رجل فقيه والناس يتبعونه في ما يقول وما يفعل. كيف يترك الصلاة خلف أئمة الظلمة؟ فهذا ليس من فعل أهل الإسلام، بل هو من فعل الخوارج. فابن مسعود كان يصلي مع أئمة الظلمة، كذلك كان أنس والصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون معهم. كذلك أنس صلى مع الوليد بن عقبة ومع غيره، وصلى حتى مع الحجاج. ليس ابن مسعود، أقصد أنس بن مالك صلى مع الحجاج، وابن عمر أيضا صلى مع الحجاج وغيرهم من الصحابة، مع أنه معروف بظلمه. وهذه طريقة أهل الإسلام، أخذها الأئمة بعد ذلك من الصحابة، فأنكروا على من لا يصلي مع أئمة الجور. فلهذا كما قلنا أنكروا على الحسن بن صالح، وتجد في ترجمته كان يرى السيف على الأئمة، أن يرى الخروج على أئمة الظلمة وعدم الصلاة خلفهم. فلهذا فمثل هذه المسائل الواجب فيها اتباع السلف، ومن خالفهم فهو على خطأ. اليوم أراد أن يثبت بعض القطبية أن هذه المسألة فيها خلاف، يقولون: خالف فيها ابن الزبير، وخالف فيها سعيد بن جبير، وخالف فيها الحسن بن صالح، وخالف فيها أيضا غيرهم كالحسين بن علي الكرابيسي. لما دافع عن الحسن بن صالح، ألف الحسين بن علي الكرابيسي كتابا يدافع فيها عن الحسن بن صالح لأنه شيخ، وكان يقول: أنتم تنكرون على الحسن بن صالح، فلماذا لا تنكرون على الأعمش وعلى قتادة وعلى فلان وفلان؟ فلما رأى الإمام أحمد هذا الكتاب قال: هذا جمع فيه البدع ما لم يجمعوه، حذروا من هذا الكتاب. فقال هذا للحسين بن علي الكرابيسي: حذروا منه. وكان الإمام أحمد يحذر من هذا الشخص بسبب مثل هذه المدافعات عن المبتدعة وعن الظلمة. فالدفاع عن المبتدعة هو ظلم، الدفاع عن المبتدعة هو ظلم. وأما عدم الكلام في الأئمة، أئمة المسلمين، فإن كان القياس أنه لابد من الكلام، لكن الشرع قد نهى عنه، الشرع قد نهى عنه لمصلحة أعظم، لمصلحة أعظم من الكلام. صحيح أن الإنسان يتكلم على الظلمة لأجل التحذير، لكن الآن هنا إذا كان حكاما سيجلب ما هو أعظم من فتنة المسلمين والقتال لهم بعضهم البعض، فلو فتح هذا الباب كما فتحه الخوارج والمعتزلة لصار بلاء على المسلمين إلى اليوم، أكثر البلاء بهذه الأشياء وهذه الخروجات وغيرها، فتسلط الكفار وأعداء الله عز وجل على المسلمين بسبب هذا. فلهذا هؤلاء لم يفقهوا هذا الباب، فجاءوا بمثل هذه الطوام، ولم يفرقوا بين الدفاع عن الظالم وبين السكوت عن ظلمه لمصلحة، السكوت عن ظلمه لمصلحة أهل الإسلام. ولهذا كان الإمام أحمد لما قالوا له: أرادوا أن يخرجوا على المأمون، فقال: إنها الدماء، إنها الدماء، أي تسيل دماء المسلمين بعد ذلك. قال رحمه الله: "هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع عنهم جدالكم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة عند الخلق، فماذا يغني عنهم وينفعهم عند الله؟" عن الذي يدافع عن هؤلاء المجرمين وعن هؤلاء الظالمين، قد يدافع عنهم ما يكون ظاهرا عند الناس، يدافع عنهم حتى يخفي شيئا من عارهم ومن فضيحتهم، لكن ما يستطيع أن يخفي عن الله جدلا. وعلى ذلك فلهذا قال: ﴿ فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴾. أنتم الآن جادلتم عنهم عن هؤلاء الظلمة، سواء كان من الكافرين أو المنافقين، لأن بعضهم يقول أنها نزلت في اليهود، في المنافقين الذين يدافعون عن اليهود، ومنهم قال أنها نزلت في بعض أهل الإسلام من يدافع عن المنافقين. فإذا كان هذا الذي يدافع عن ظلمهم، ويدفع ما عندهم من الظلم، ويجادل عن ذلك، يدفعه في الدنيا، لكن لا يستطيع أن يدفعه في الآخرة، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة، أم من يكون عليهم وكيلا؟ قالوا: من يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، ما يستطيع أحد أن يجادل عنهم. تشهد عليهم ألسنتهم، وتشهد عليهم جلودهم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾، فيجعل الله عز وجل أعضاءه تشهد عليه. ثم جاء في الحديث: لما تشهد عليه أعضاؤه، فيقول: سحقا لكن، كنت عنكم أدافع، أنا أقول: أنا ما أريد العذاب لكم، وأنتم الآن فضحتموني. ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾. فمن يجادل عنهم؟ من يعلم السر وأخفى، ومن أقام عليهم من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار. طيب، نكتفي بهذا، وإن شاء الله تعالى نكمل في درس قادم.