الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
ينتقل المؤلف إلى الركن الثاني من أركان الإيمان مستعرضاً أدلة وجود الملائكة من القرآن الكريم، مشيراً إلى كثرة ذكرهم في السور القرآنية. ويستشهد بآيات البر وآية تسبيح الملائكة واستغفارهم كأدلة قطعية على وجودهم وعبادتهم.
يبيّن المقطع طبيعة عبادة الملائكة لله بالتسبيح والتنزيه وعدم الاستكبار، مع تخصيص الاستغفار للمؤمنين ولطلاب العلم. ويشير إلى مكانة جبريل وميكائيل عليهما السلام وما ورد في القرآن عن فضلهم.
يستعرض المقطع أدلة الإيمان بالملائكة من القرآن والسنة مؤكداً أنه من صفات المؤمنين، وأن الكفر بهم ضلال بعيد. ويذكر حديث خلقهم من نور مع التنبيه إلى الإيمان بصفاتهم دون الخوض في كيفيتها الغيبية.
يقرر المتحدث أن إنكار وجود الملائكة كفر بالله لكون الإيمان بهم ركناً من أركان الإيمان الشامل لأسمائهم وأعمالهم وصفاتهم. ويختم الحديث بالاكتفاء بما ذُكر في هذا المحور.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والسبعون: ما الدليل على الإيمان بالملائكة من الكتاب والسنة؟ بعدما انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من عرض الأسئلة والأجوبة المتعلقة بأول ركن من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله، ثم بعده يأتي الإيمان بالملائكة. وعرفنا ماذا يشمل الإيمان بالله: الإيمان بوجود الله، والإيمان بألوهية الله، والإيمان بربوبية الله، والإيمان بالأسماء والصفات. وآخر ما أخذنا ما يتعلق بالإيمان بالأسماء والصفات. انتقل المؤلف في هذا السؤال إلى الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالملائكة، وبدأ بذكر الأدلة من الكتاب والسنة على هذا الركن من أركان الإيمان. فقال رحمه الله تعالى: "أدلة ذلك من الكتاب كثيرة، كثيرة جداً"، أي فيما يتعلق بذكر الملائكة. وهي أدلة متنوعة، وهي كثيرة كما ذكر رحمه الله تعالى، حتى إن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر أنه لا تكاد توجد سورة في القرآن لم يذكر فيها الملائكة، إما تصريحاً، وإما تلميحاً، وإما إشارة. هكذا ذكر رحمه الله تعالى رحمة واسعة. ومعلوم أن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، ولا دين ولا إيمان لمن لم يؤمن بالملائكة. فالإيمان بالملائكة من أعظم البر، كما قال الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ [البقرة: 177]. فذكر الملائكة بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فهذا من أعظم البر؛ لأن هذا الأمر يتعلق بأمر عظيم، ألا وهو أمر الإيمان. وهكذا من الأدلة التي ذكرها المؤلف قوله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ ﴾ [الشورى: 5]. فهذه الآية فيها ذكر الملائكة، وفيها عبادة الملائكة. فمن عبادة الملائكة لله عز وجل التسبيح: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾، ومعنى التسبيح: أي تنزيه الله عن كل نقص وعيب. وهكذا من أعمال الملائكة التي ينتفع بها المؤمنون - الملائكة مع أننا نؤمن بهم إلا أنهم يقومون بأعمال ينتفع بها المؤمنون، كما سيأتي معنا - ومن ذلك ما جاء في هذه الآية: أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض، وخصوصاً طلاب العلم، كما جاء بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وإن طالب العلم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء». سبحان الله! الملائكة في السماء تستغفر لطلاب العلم، وتحضر مجالسهم، وكذلك تستغفر لهم. فهذا أيضاً مما جاء من نفع الملائكة للمؤمنين. وقال: وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ [الأعراف: 206]. والمراد بهم الملائكة. الذين عند ربك هم الملائكة. فذكر شيئاً من صفاتهم: أنهم لا يستكبرون عن عبادة الله، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وأيضاً من أوصافهم أنهم ينزهون الله ويسبحونه كما مر، وأيضاً يسجدون لله سبحانه وتعالى. فهذا فيه أيضاً ذكر الملائكة. وقال: وقوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 98]. فهنا ذكر الملائكة على وجه العموم، ثم ذكر بعض الملائكة كجبريل وميكائيل. وهذا فيه أن من أعظم الملائكة المقربين عند الله عز وجل جبريل وميكائيل. أنه - واللغة يقولون: ذكر الخاص بعد العام يفيد العموم - فقول الله عز وجل: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ [القدر: 4]، أو الروح إليه، فالروح هو جبريل عليه السلام. فذكر بعض الملائكة فهو من ذكر الخاص بعد العام، فهو يفيد الاهتمام. ففيه ذكر الملائكة على وجه العموم، وفيه ذكر بعض الملائكة بأسمائهم على وجه الخصوص. وقال: وأيضاً هناك آيات كثيرة، وإنما أراد المؤلف الإشارة إلى ذكر بعض هذه الأمثلة. وإلا فأن الإيمان بالملائكة عليه الصلاة والسلام هو حال الرسول والمؤمنين. فمن صفات رسولنا، ومن صفات المؤمنين، الإيمان بالملائكة، كما قال الله عز وجل: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285]. نعم، فهذا هو حال الرسول والمؤمنين. وقد جعل ربنا سبحانه وتعالى من يكفر بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر من أضل الناس، فقد وقع في الضلال البعيد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136]. فقد ضل ضلالاً بعيداً. فهذا كله من أدلة الإيمان بالملائكة، وأهمية الإيمان بملائكة الله سبحانه وتعالى. قال المؤلف رحمه الله: "وتقدم الإيمان بهم من السنة في حديث جبريل وغيره". وهو الحديث المشهور، لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مراتب الدين، ومنها السؤال عن الإيمان، فقال له: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». فهو يشير إلى هذا الحديث. وقال: "وفي صحيح مسلم أن الله تعالى خلقهم من نور". نعم، والحديث في صحيح مسلم من حديث عائشة: «أن الله خلق آدم من صلصال من حمأ مسنون، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق الملائكة من نور». فالملائكة خلقت من نور. فنحن نؤمن بذلك، ولا نعلم كيفية خلقهم؛ لأنه من أمور الغيب، من أمور الغيب التي لم يطلعنا ربنا سبحانه وتعالى عليه. فنؤمن بأنهم خلق من خلق الله عز وجل، خلقهم من نور، ووصفهم بأوصاف عظيمة: منها أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومنها أنهم يسبحون بحمد ربهم، ومنها أوصاف كثيرة سيأتي ذكر بعضها في الأسئلة الآتية إن شاء الله تعالى. فهذه إشارة من المؤلف إلى بعض أدلة الإيمان بملائكة الله سبحانه وتعالى. ومن أنكر خلق هؤلاء الملائكة فقد كفر بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه ركن من أركان الإيمان: الإيمان بهم، وبما أخبرنا الله عز وجل عنهم من أسمائهم، ومن أعمالهم، ومن صفاتهم، ومن جميع ما يتعلق بهم. عليهم الصلاة والسلام. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.