الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 83، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح الفرق بين الصفات الذاتية الأزلية والفعلية المتعلقة بالمشيئة، ويطبق ذلك على صفة الكلام بأنها ذاتية من حيث الأصل وفعلية من حيث الآحاد. ويبين سبب تكرار هذه المسألة في باب الإيمان بالكتب لتأكيد أن القرآن والكتب المنزلة من كلام الله رداً على أهل البدع.
يبيّن أن صفة الكلام ذاتية من حيث الثبوت للذات الإلهية لأن الله لم يزل متكلماً، وفعلية من حيث آحاد الكلام وتعلقه بالمشيئة كنزول القرآن. ويستدل المؤلف على كونها من علم الله بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾.
يشرح أن صفة الكلام تجمع بين الذاتية الأزلية والفعلية بالمشيئة، ويستدل بآيات الكهف ولقمان على أن كلمات الله لا تفنى ولو جعلت البحار مداداً والأشجار أقلام. ويؤكد أن الله أول لا شيء قبله وآخر لا شيء بعده.
استشهد المتحدث بقول الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ لتأكيد المعنى المذكور في الآيات السابقة. وأوضح أن هذه الآية تفصل المسألة ثم اختتم الكلام بالحمد لله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والثمانون: هل صفة الكلام ذاتية أو فعلية؟ تقدم معنا الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، فمن يذكر لنا الفرق؟ هذا تقدم معنا كثيراً في الكلام على توحيد الأسماء والصفات، وهو النوع الثالث من أنواع توحيد الله عز وجل، فمن يذكر لنا فرقاً بين الصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى والصفات الفعلية له؟ من يقول: أنا؟ من يرفع يده حتى يجيب على هذا السؤال؟ ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟ نعم، أنت حذيفة ابن سعيد، ما شاء الله، هل أتيت مع أبيك الشهر؟ ولو كنت صغيراً، أبوك كان عندنا هنا في... يعني قبل تقريباً عشرين سنة، أنت كم تبلغ من السنة الآن؟ آه، يعني أراك في عالم الغيب كنت. نعم تفضل، إيش الفرق؟ ارفع صوتك، متصل بالله... خيه، متصل بالله، يعني تقصد صفات أزلية؟ نعم أحسنت، صفات أزلية، يعني تتعلق بذات الله عز وجل، فهي صفات أبدية أزلية، والصفات الفعلية... هذا مثال، لكن أي شيء ضابطها؟ ما هو تعريفها؟ أنت الآن تمثل، لا تعرف. في الصفات الذاتية قلت: هي التي تتعلق بذات الله، بمعنى هي الصفات الأبدية الأزلية التي يتصف بها ربنا سبحانه وتعالى كصفة الوجه واليدين ونحو ذلك، والصفات الأزلية والصفات الفعلية ما ضابطها؟ ما تعريفها؟ نعم الأمثلة صحيحة، لكن ما هو ضابطها؟ نعم أحسنت، هي التي تتعلق بمشيئة الله عز وجل، متى شاء فعلها سبحانه وتعالى، مثل صفة مثلاً النزول، أو كذلك صفة الضحك، أو غير ذلك من الصفات التي يفعلها ربنا سبحانه وتعالى متى شاء. طيب، الآن الكلام على صفة الكلام: هل هو صفة ذاتية أو صفة فعلية؟ وهذا قد مر معنا لو تذكرون، أن من أنواع الصفات ما هي صفات ذاتية وكذلك صفات فعلية، فتجمع الوصفين باعتبارين، فصفة الكلام باعتبار أصل الكلام وكونه صفة أزلية أبدية، فلم يزل ربنا سبحانه وتعالى متكلماً ولم يكن معطلاً عن الكلام ويتكلم، فهي صفة ذاتية بهذا الاعتبار. بهذا الاعتبار، إذا كانت صفة الكلام ماذا هي باعتبار أصل الكلام؟ باعتبار أصل الكلام وأن الله لم يزل متكلماً ولم يكن معطلاً عن الكلام، فهذه صفة ذاتية، وهي صفة فعلية باعتبار آحاد الكلام، باعتبار آحاد الكلام، أي يتكلم ربنا سبحانه وتعالى متى شاء وبما شاء. وما مناسبة ذكر هذا السؤال في الكلام على الإيمان بالكتب؟ نحن انتهينا من هذا في الكلام على الصفات في باب الإيمان بالله، وفي باب توحيد الأسماء والصفات انتهينا من هذا، فلماذا كرر المؤلف ذكر هذا السؤال؟ من يجيب؟ عندك يا صالح؟ آه نعم، لأن الكلام هنا على القرآن، وقلنا تقدم معنا أن القرآن بعض... أن القرآن بعض كلام الله، فالقرآن من كلام الله، فمن أهل... من أهل البدع من ينكر هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، فناسب هنا أن يؤكد على هذه المسألة، وهي مسألة أن... أن القرآن... أن القرآن كلام الله، أن القرآن كلام الله، فيريد بهذا أن القرآن من كلام الله، وأن القرآن بعض كلام الله، فإن الله تكلم به لما شاء سبحانه وتعالى، تكلم به لما شاء سبحانه وتعالى بعد أن لم يكن متكلماً به، وكذلك التوراة، وكذلك الإنجيل، وكذلك كل ما تقرأه من الأحاديث القدسية التي يرويها نبينا عليه الصلاة والسلام عن ربه، وكل هذه بعض كلام الله تكلم بها لما شاء سبحانه وتعالى، فمن هذه الحيثية فهي صفة فعلية، فهي صفة ماذا؟ فعلية، من صفات الله سبحانه وتعالى، لأنه تكلم بها بعد أن لم يكن متكلماً بها، تكلم به أي القرآن بعد أن لم يكن متكلماً به، هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى. فهذا هو خلاصة معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة: أن القرآن الكريم من صفات الله عز وجل الفعلية، من صفات الله عز وجل الفعلية، حيث تكلم به سبحانه وتعالى لما شاء، كما تكلم بالتوراة، وكما تكلم بالإنجيل، وكما تكلم بصحف إبراهيم، وهكذا الأحاديث القدسية، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب»، وغيرها من الأحاديث القدسية، فهذه تكلم بها ربنا سبحانه وتعالى متى شاء سبحانه وتعالى. ولذلك قال المؤلف ها هنا في جوابه على هذا السؤال: هل صفة الكلام ذاتية أو فعلية؟ قال: «أما باعتبار تعلق صفة الكلام بذات الله عز وجل واتصافه تعالى بها فمن صفات ذاته، أي أنها صفة ذاتية، إذا كانت هذه الصفة كما تقدم يراد بها أصل الكلام، يراد بها أصل الكلام، فإن الله عز وجل لم يزل متكلماً ولم يكن معطلاً سبحانه وتعالى عن الكلام». عز وجل قال: كعلمه تعالى، بل هو من علمه وأنزله بعلمه وهو أعلم بما ينزل. وقوله: كعلمه، أي كما أن العلم صفة... ما العلم؟ ذاتية أو فعلية؟ العلم صفة ذاتية أو فعلية؟ ها، لا، العلم صفة ذاتية، فرقوا بينهما بالضابط الذي ذكر: العلم صفة ذاتية وليست صفة فعلية. فيريد أن الكلام من حيث أصله وتعلقه بذات الله عز وجل، وأن الله عز وجل لم يزل متكلماً، فهذه صفة ذاتية مثل العلم. وكما أن العلم صفة ذاتية، أي أن الله عز وجل لم يكن في لحظة من اللحظات أو في وقت من الأوقات خالياً عن العلم، فهو يعلم سبحانه وتعالى ما كان وما لم يكن، لو كان كيف يكون، فعلمه سابق سبحانه وتعالى لأنه من صفاته الذاتية. ولذلك قال هنا: علمه تعالى، بل هو من علمه، أي كلام الله عز وجل من علم الله سبحانه وتعالى. واستدل على هذا بآيات من القرآن، كقوله سبحانه وتعالى، أو كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا أراد الله... نعم، كقول الله هنا ما ذكر دليلاً على ذلك، لكن يستدل على قوله: بل هو من علمه وأنزله بعلمه وهو أعلم بما ينزل، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾. فقلنا: يستدل لذلك بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾، أنه أنزل بعلم الله، أي أنزل وفيه علم الله، هذا القرآن أنزل وفيه علم الله. قال أهل اللغة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾: الباء هنا للمصاحبة، أي أن هذا القرآن مصاحب... أن هذا القرآن مصاحب لعلم الله عز وجل، فقوله: بعلم الله، أي فيه علم الله، فإذا أنزل بعلم الله يعني فيه علم الله، فالأخبار التي في القرآن من علم الله، والأحكام التي في كتاب الله كذلك من علم الله، وهكذا كل ما في القرآن فهو من علم الله سبحانه وتعالى. فدل ذلك على أن الكلام في أصله كصفة العلم لله عز وجل، فهو كذلك يأتي من صفات الله عز وجل الذاتية. هذا الذي أراده المؤلف بقوله: كعلمه تعالى، بل نعم هو من علمه وأنزله بعلمه وهو أعلم بما ينزل، كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنزِلُ ﴾. فإذا بهذا الاعتبار فهو صفة ذاتية. ثم قال: «وأما باعتبار تكلمه بمشيئته وإرادته فصفة فعل»، يعني باعتبار كما تقدم آحاد الكلام، وأن الله عز وجل يتكلم متى شاء، فهذه صفة فعلية بهذا الاعتبار، فهذه صفة فعلية بهذا الاعتبار. واستدل على ذلك قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي». هنا قوله: إذا أراد الله أن يوحي تكلم بالوحي، إذن هذا التكلم تكلم به ربنا سبحانه وتعالى في هذا الوقت، في هذا الوقت، فهو صفة فعلية لأنه فعله سبحانه وتعالى في وقت معين. قال: «ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله في صفة الكلام: إنها صفة ذات وفعل معاً». هذه من قواعد الصفات، أن منها ما هو صفة لله عز وجل باعتبارين: باعتبار أنها صفة ذاتية، وباعتبار أنها صفة فعلية، ومن تلك الصفات صفة الكلام، ومن هذه الصفات صفة الكلام. فذكر سلفنا الصالح إن هذه الصفة صفة ذات وصفة فعل معاً كما تقدم. قال: «فالله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال متصفاً بالكلام أزلا وأبداً»، وهذه صفة ماذا؟ ذاتية. فالله عز وجل متصف بهذا الكلام أزلا وأبداً، ولم يكن معطلاً عن الكلام في وقت من الأوقات، فبهذا الاعتبار فهي صفة ماذا؟ فهي صفة ذاتية. قال: «وتكلمه وتكليمه بمشيئته وإرادته، فيتكلم إذا شاء، متى شاء، وكيف شاء، بكلام يسمعه من يشاء، وكلامه... نعم بكلام يسمعه من يشاء»، فهذه صفة ماذا؟ هذه صفة فعلية. قال: «وكلامه صفته لا غاية له ولا انتهاء». معنى قوله: لا غاية له ولا انتهاء، أي أن كلام الله عز وجل أزلا وأبداً، أزلا وأبداً، فهي صفة باعتبارين، فهي صفة باعتبارين. ثم دلل على أن كلام الله صفته لا غاية له ولا انتهاء بقول الله عز وجل: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾، ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾. أي لو أن كل ما في الأرض، كل ما في الأرض من مياه... ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾، المراد بالبحر هنا كل مياه في الأرض فإنها تسمى بحراً، كل مياه في الأرض من مياه وبحار ومحيطات وأنهار، وزيد عليها سبع أضعافها، وزيد عليها سبع أضعافها، كلها أصبحت هذه مداداً، أصبحت هذه مداداً، فإنها تفنى وكلام الله يبقى سبحانه وتعالى، فإنها تفنى وكلام الله عز وجل يبقى. هذا معنى هذه الآية: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾، يعني لفني البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي، فكلامه سبحانه وتعالى لا يفنى، يبقى. نعم، ثم قال: ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾، أي ولو جئنا بمثل هذه البحار أضعافاً مضاعفة، فإن كلام الله عز وجل يبقى، وهذا دليل على أن كلام الله لا يفنى سبحانه وتعالى. واستدل أيضاً بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾. أي كذلك لو كانت كل أشجار الأرض، كم في الأرض من أشجار؟ كل أشجار الأرض، لأن قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ ﴾، فهنا "شجرة" نكرة، شجرة نكرة جاءت في سياق الشرط: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾، هذا هو الجواب: ﴿ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾، فمن هنا نكر في سياق الشرط فهي تفيد ماذا؟ تفيد العموم، فكل أشجار الأرض لو جعلت أقلاماً فإنها تفنى وكلام الله عز وجل لا يفنى، وكلام الله عز وجل لا يفنى، فكلامه صفته لا غاية له ولا انتهاء، لا غاية له سبحانه وتعالى ولا انتهاء، لأنه الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء سبحانه وتعالى. واستدل أيضاً من قول الله عز وجل: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾، فأيضاً في هذه الآية معنى الآيات المتقدمة. فهذا هو التفصيل في هذه المسألة، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، الحمد لله ورحمة الله.