أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 82

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 82

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 82، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

رد قول خلق القرآن وبيان عدم مخلوقيته

يوضح المقطع أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وأن كتابته وتلاوته وحفظه وسمعه وبصره لا يخرجه عن كونه كلام الرحمن لأن الكلام يُنسب لقائله مبتدئاً لا مبلغاً. ويفرق بين المخلوق من وسائل كال أقلام والأوراق والألسن والأصوات والصدور والأسماع وغير المخلوق وهو القرآن ذاته مستدلاً بآيات قرآنية.

صفة كلام الله وحكم القول بخلقه وفضل القراءة

يبيّن المقطع أن القرآن كلام الله غير مخلوق وهو بعض كلامه سبحانه لا كله ويستدل بآية الاستجارة وأثر ابن مسعود على أن النظر في المصحف عبادة فيُفضَّل القراءة من المصحف الورقي على الشاشات. كما يُقرر أن من قال بخلق القرآن فقد كفر كفراً أكبر لأن الكلام صفة لله والقرآن منه بدأ وإليه يعود.

لوازم القول بخلق القرآن وحكم قائله

يبيّن المقطع أن القول بخلق القرآن يستلزم لوازم باطلة كفرية كنفي الإلهية والربوبية عن الله ونفي الإعجاز عن القرآن والاستهانة به. وقد أجمع أهل العلم على تكفير من قال بخلق القرآن مع وجوب إقامة الحجة على الأفراد قبل الحكم عليهم.

خاتمة الإجابة والدعاء

يختتم المؤلف إجابته مؤكداً أن ما سبق هو خلاصة ما أراد بيانه ويكتفي بذلك مختتماً بالدعاء. ويختم بالتأكيد على تمام البيان واكتفاء بما ذكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في الجواب على السؤال الثالث والثمانين: ما حكم من قال بخلق القرآن؟ تابع المؤلف الجواب على هذا السؤال، فقال رحمه الله تعالى: فهو -أي القرآن- وإن خط بالبنان، وتلي باللسان، وحفظ بالجنان، وسمع بالآذان، وأبصرته العينان، لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن؛ لأن الكلام إنما ينسب لمن قاله مبتدئاً به، لا لمن قاله مبلغاً. فأنت مثلاً لو قلت: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وأتيت مثلاً بعبارة من عباراته، مثل قول شيخ الإسلام ابن تيمية: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». الآن أنا نقلت هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، قلت: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين». هل هذا القول ينسب إلي؟ فتقول: قال أبو معاذ: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين»، أو تقول: قال شيخ الإسلام؟ ينسب الكلام إلى شيخ الإسلام، عبارة مشهورة عنه. وهكذا عندما تتلو كتاب الله، أو تحفظ كتاب الله، أو تسمع كتاب الله، أو تبصر كتاب الله، فهو لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الله؛ لأن الكلام إنما ينسب لمن قاله ابتداءً، لا لمن قاله مبلغاً. فالمبلغ لا ينسب إليه. لو قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، هل تقول هذا كلامي أو كلام الرسول؟ هذا كلام الرسول. طيب، أنا قلت هذا الكلام مبلغاً لا مبتدئاً به، لا مبتدئاً به. ولذلك فإن السلف الصالح ذكروا ميزاناً دقيقاً في هذه المسألة، فقالوا: «الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري». القاري: الكلام كلام الباري، يعني كلام الله عز وجل، وأما من تلا القرآن بصوته فهذا الصوت صوت القاري. فرق بين الأمرين. فهذا معنى قوله: فهو وإن خط بالبنان، يعني كتب بالبنان بالأصابع التي تمسكان القلم، وهكذا تلي باللسان، يعني قرئ باللسان، وحفظ بالجنان، حفظ في القلب، وسمع بالآذان، سمعته بأذنيك، وأبصرته العينان، نظرت في المصحف ونظرت إلى هذه الآية. كل ذلك لا يخرجه عن كونه كلام الرحمن. ثم قال: فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة. كل هذه مخلوقة: الأنامل التي كتبت القرآن، والمداد الذي كتب به القرآن، والأقلام التي كتبت بها أو كتب بها القرآن، والأوراق التي خط فيه هذا القرآن، كل هذه مخلوق. والمكتوب بها غير مخلوق، المكتوب بها وهو كلام الله فهو غير مخلوق. والألسن والأصوات مخلوقة، والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق. المتلو بها هو ماذا؟ كلام الله. والصدور مخلوقة التي فيها القرآن، والمحفوظ الذي حوته هذه الصدور غير مخلوق، لماذا؟ لأنه كلام الله. والأسماع مخلوقة، السمع الذي تسمع به القرآن هذا مخلوق، قال: والمسموع وهو القرآن غير مخلوق. هذا كلام واضح بين لا يشتبه على من يعرف معاني اللغة العربية. ثم أبان أدلة هذا من القرآن، قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77-78]، يعني في كتاب، أي كتب مكتوب، فإذا هذا المكتوب فهو كلام الله عز وجل وهو القرآن، وهو القرآن، لكن الأوراق مخلوقة التي كتب فيها هذا القرآن. وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]، هذا دليل أن القرآن محفوظ في الصدور، أن القرآن محفوظ في الصدور، أي في القلوب، في القلوب. فكما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فإن هذا الجنان مخلوق، والذي فيه وهو القرآن غير مخلوق، غير مخلوق. وكذلك قال تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: 27]، اتلو أي اقرأ، فإذا ما يقرأ فهو كلام الله سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، فالأسماع مخلوق والمسموع غير مخلوق، في قوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فسماه ربنا سبحانه وتعالى كلامه. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «أديموا النظر في المصحف». هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح، واستدل العلماء بهذا الحديث على أن النظر في القرآن عبادة، النظر في القرآن عبادة. ولذلك أنكر بعض أهل العلم المعاصرين القراءة في الجوال وترك القراءة من المصحف؛ لأن ما في الجوال لا يسمى مصحفاً، لا يسمى مصحفاً. ولذلك الجوال ليس له حكم المصحف، فلك أن تدخله معك إلى أماكن الخلاء إذا لم يكن القرآن مفتوحاً في الشاشة، بخلاف المصحف، وإن كان المصحف مغلقاً غير مفتوح لا يجوز لك أن تدخله معك في الأماكن التي لا تليق به كأماكن قضاء الحاجة ونحوها. فدل ذلك على أن القرآن يختلف عن غيره من المواضع كالجوالات أو الشاشات أو نحو ذلك. فالأفضل لمن يستطيع أن يتناول مصحفاً في مسجد أو في بيته فالأولى أن يقرأ من المصحف؛ لأن النظر إليه عبادة، فيجمع القارئ بين عبادة التلاوة وبين عبادة النظر إلى المصحف. وهذا الأثر كما تقدم أثر صحيح، واستدل به العلماء على ذلك، وقد سمعت فتاوى لبعض أهل العلم يؤكدون هذا الأمر، وأن الأفضل القراءة من المصحف، وهذا فيه كما تقدم الاعتناء بكتاب الله؛ لأنك تجد بعض الناس يأتي إلى المسجد والمصاحف مليئة في الرفوف فيتعمد أن يقرأ من الجوال مع أنه بإمكانه أن يتناول مصحفاً ويقرأ منه، هذا خطأ، هذا خطأ. الأولى أن يقرأ من المصحف؛ لأن النظر إليه عبادة، لأن النظر إليه عبادة. قال: والنصوص في ذلك لا تحصى. وهنا فائدة: قول أهل السنة إن القرآن كلام الله، أن القرآن كلام الله بمعنى أن الله عز وجل تكلم به، فإذن القرآن هو بعض كلام الله، ليس كل كلام الله. لماذا؟ لأن كلام الله عز وجل كثير، كلام الله عز وجل كثير. فالعلاقة بين صفة الكلام وبين القرآن علاقة عموم وخصوص، فالقرآن هو بعض كلام الله، وأما كلام الله فهو كثير لا يحصى، كلام الله كثير لا يحصى. فمن كلامه سبحانه وتعالى ما تكلم به بهذا القرآن، ومن كلامه ما كلم به بعض رسله، ومن كلامه ما يتعلق بالأمر الكوني: ﴿إِنَّمَا أَمْرُنَا إِذَا أَرَدْنَا شَيْئًا أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]، وهكذا الأمر الشرعي، الأمر الشرعي وغير ذلك. فكلام الله كثير. فإذن العلاقة بين صفة الكلام وبين القرآن علاقة عموم وخصوص، فالقرآن بعض كلام الله جل وعلا، فكلامه سبحانه وتعالى كثير لا يحصى، لأنه كلام يتعلق بالأمر الكوني، وكلام يتعلق بالأمر الشرعي، وهكذا كلام يتعلق بكلام الله عز وجل لبعض خلقه كالأنبياء والمرسلين والملائكة ونحو ذلك. فإذن القرآن من كلام الله، من كلام الله سبحانه وتعالى، وليس هو كل كلام الله عز وجل. فلذلك أهل السنة يذكرون أن القرآن كلام الله، أي من كلام الله سبحانه وتعالى. ثم قال المؤلف رحمه الله: ومن قال القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفراً أكبر يخرجه من الإسلام بالكلية؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، منه بدأ وإليه يعود. وقد أخذنا معنى قوله: منه بدأ، أي منه أنزل سبحانه وتعالى، وكلمة أنزل قلنا دليل على أنه في العلو سبحانه وتعالى. وإليه يعود، أي يوم القيامة حين يرفع القرآن، وكذلك ينزع من الصدور، وهكذا بموت حفظته، فيرفع القرآن إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وكلامه صفته، أي الكلام صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. فمن قال إن كلام الله مخلوق فهذا يستلزم أن الذي يخلق هو القرآن؛ لأنه صفة من صفات الله، فكيف يكون مخلوقاً؟ أي ليس الله هو الخالق، وإنما هذا القرآن هو الخالق؛ لأن الله عز وجل يقول في القرآن: ﴿إِنَّمَا أَمْرُنَا إِذَا أَرَدْنَا شَيْئًا أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]، فكأنهم يقولون أن الخلق بكلمة كن، وكلمة كن مخلوقة، إذن القرآن هو الذي يخلق لأنه مخلوق؛ لأن الله عز وجل ذكر أنه يخلق بكلمة كن. ففي القول بخلق القرآن لوازم باطلة، لوازم باطلة كفرية، لوازم باطلة كفرية. ولذلك كفر أهل العلم من قال بخلق القرآن، وهذا بإجماع أهل العلم. فنذكرهم على سبيل المثال بعضاً من اللوازم الباطلة في القول بخلق القرآن: يستلزم القول بخلق القرآن نفي الإلهية عن الله سبحانه وتعالى، فالإله لا بد أن يكون متكلماً. ولذلك أنكر الله عز وجل على عباد العجل الذين عبدوا العجل، فقال سبحانه وتعالى منكراً عليهم ومستدلاً على بطلان عبادتهم: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: 148]، فدل ذلك على أن المعبود الذي لا يتكلم ما ينبغي أن يكون معبوداً، ما ينبغي أن يكون معبوداً. فإذا يستلزم من نفي الكلام عن الله، وأن القرآن ليس كلام الله وإنما هو مخلوق، يستلزم من ذلك ماذا؟ نفي الإلهية عن الله سبحانه وتعالى. فهذه من أعظم اللوازم الباطلة في القول بخلق القرآن. وكذلك من اللوازم الباطلة في القول بخلق القرآن نفي الربوبية كذلك عن الله سبحانه وتعالى، لأن الرب هو الخالق، والله جل وعلا يخلق بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]. والقول بخلق القرآن وأن الله جل وعلا لا يتكلم، فهذا يعني أن الله جل وعلا لم يخلق، لماذا؟ لأن كلمة كن مخلوقة، لأن كلمة كن مخلوقة فهي التي تخلق؛ لأنه قال: إذا أردنا أن نقول له كن، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فإذا كل هذه المخلوقات خلقت بكلمة كن التي هي مخلوقة عند هؤلاء القوم، فنفوا الخلق عن الله عز وجل وأثبتوها لهذه الكلمة، لهذه الكلمة. وكذلك يستلزم القول بخلق القرآن نفي الإعجاز عن القرآن، فليس القرآن إذا معجزة؛ لأنه مجرد شيء مخلوق، مجرد شيء مخلوق، ولذلك لا تكون فيه معجزة. وكذلك من لوازم القول بخلق القرآن الاستهانة والاستخفاف به، فإذا كان مخلوقاً كغيره من المخلوقات فأين منزلته وأين كذلك مكانته إذا لم يكن كلام الله عز وجل؟ فإذا هذا يستلزم منه الاستهانة والاستخفاف بهذا القرآن؛ لأنه مجرد مخلوق على قول هؤلاء، تعالى الله عن قولهم بهتاناً عظيماً. قال: ومن قال شيء من صفات الله... قال: وكلامه صفته. قلنا: الكلام صفة، وما تقدم معنى من صفات الله عز وجل؛ لأنه تكلم به، والكلام صفة من صفات الله، والقرآن بعض كلام الله فهو صفته. ومن قال شيء من صفات الله مخلوق فهو كافر مرتد، يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام، فإن رجع وإلا قتل كفراً، ليس له شيء من أحكام المسلمين، ليس له شيء من أحكام المسلمين. ولذلك لما ظهر هذا القول في عهد بعض الخلفاء أنكره العلماء، ومنهم الإمام أحمد، وحكم بكفر من قال بهذا القول، فأجمع العلماء على أن من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر، هذا على وجه العموم. ثم لا شك أنه لا يحكم بكفره إلا بعد إقامة الحجة عليه والاستفصال منه، لعل عنده أدنى شبهة فتزال منه هذه الشبهة. هذا بالنسبة للحكم على الأفراد. أما بالنسبة للحكم العام فيقول أهل السنة: من قال إن القرآن مخلوق أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر، فهو كافر. فيدل ذلك على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، أنزله الله عز وجل، منه بدأ وإليه يعود. هذا خلاصة ما أراد المؤلف من إجابته على هذا السؤال، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى.