التعليق على كتاب الداء والدواء 71

التعليق على كتاب الداء والدواء 71

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 71، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تقسيم الذنوب وخطر الشرك بالوسائط

يبيّن المقطع إجماع السلف على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وردّ قول الخوارج والمعتزلة، ويؤكد أن أعظم الكبائر هو الشرك بالله. كما يفنّد حجة المشركين في اتخاذ الوسائط والشفعاء لتقريبهم إلى الله مستدلاً بقصة قوم نوح وآيات القرآن.

أنواع الشرك والفرق بين الوسائط المشروعة والشركية

يبيّن المقطع خطورة الشرك وجعله مبيحًا للدماء والأموال، ويفرّق بين وسيلة التبليغ المشروعة عبر الأنبياء والعلماء، ووسيلة العبادة الشركية المتخذة شفعاء عند الله. كما يقسّم الشرك إلى نوعين: شرك في الربوبية والأسماء والصفات، وشرك في الألوهية والعبادة.

أقسام التعطيل وعلاقته بالشرك وفرق الضلال

يوضح المقطع تلازم الشرك والتعطيل، ويقسم التعطيل إلى ثلاثة أقسام: تعطيل المخلوق عن خالقك، وتعطيل الخالق عن كمال صفاته وأفعاله، وتعطيل حق التوحيد في العبادة. ويستعرض أمثلة على الفرق التي وقعت في ذلك كفرعون، والجهمية، والمعتزلة، وأهل وحدة الوجود، والملاحدة، والقرامطة، مبيناً بطلان أقوالهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمرحبًا بكم في الدرس الماضي ضمن «الداء والدواء» وهو «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، الكلام حول مسألة مهمة، ألا وهي ما يتعلق بالذنوب وتقسيمها إلى كبائر وصغائر. وذكر رحمه الله تعالى الخلاف في هذه المسألة، وأن قول الصحابة والتابعين، وهكذا من تابعهم، أن الذنوب على قسمين: صغائر وكبائر. وهذا الذي دلت عليه آيات القرآن وحديث السنة، وهكذا عليه إجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وخالف في هذا الخوارج والمعتزلة، وقال بقولهم بعض الأشاعرة، وذلك أن الذنوب بالنسبة إلى جرأة العبد على فعلها ومخالفة أمر الله عز وجل فيها كلها كبائر، كلها كبائر. وهذا القول يعتبر غير صحيح، وهو مبني على نفي أولئك القوم لصفات الرب تبارك وتعالى، وهو خلاف معتقد السلف رحمة الله عليهم. وأخذ رحمه الله تعالى يبين في هذه المسألة ويفصل، وذكر رحمه الله تعالى ما يتعلق به: أن الله عز وجل خلق الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لكي يتعرف العباد على ربهم عز وجل ويوحدوه ويعبدوه. ولأجل ذلك فإنه تبارك وتعالى جعل أعظم الأعمال وأعظم الحسنات هو القيام بتوحيد الله عز وجل، وجعل أكبر الكبائر وأعظم السيئات هو الشرك، هو الشرك بالله تبارك وتعالى. وعلى هذين الأصلين: فكلما كانت العبادة متعلقة بالتوحيد والإخلاص كانت أعظم، وكلما كانت المعصية تناقض وتخالف التوحيد كانت المعصية أكبر. ثم ذكر رحمه الله تعالى قائلًا: ووقعت مسألة، وهي أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، وهضم نفسه واحتقارها، وأنه لعظمة الله عنده لا يرى الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء، كحال الملوك. قال: فالمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الله، وإنما قصد تعظيمه، وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتقربني إليه وتدخلني عليه، فهو المقصود، أي الله عز وجل هو المقصود، وهذه وسائل وشفعاء. فلما كان هذا القدر موجبًا لسخط الرب عليه وغضبه ومقته، وجعله مخلدًا في النار، وموجبًا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم، أي أعراضهم وأموالهم. وهذا يا إخوان فصل رحمه الله تعالى فيما يتعلق بشرك هذه الوسائط. وهذا الإيراد الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى يعتبر من أعظم أسباب وقوع العباد في الشرك، وهكذا في الكفر قديمًا، وهكذا أيضًا حديثًا؛ لأن الشيطان دخل على الناس من هذا المدخل، دعاهم إلى أن يتخذوا وسائط وأن يتخذوا شفعاء لهم عند الله عز وجل، وهؤلاء الوسائط والشفعاء زعموا أن لهم عند الله عز وجل مكانة ووجاهة، ليقربون إلى الله زلفى، ليقربون إلى الله زلفى. فصرفوا لهم من الحقوق والواجبات ما لا يجوز أن يصرف إلا لله تبارك وتعالى، كما وقع لقوم نوح، كما في قوله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾. كما جاء في البخاري عن ابن عباس: أنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح كانوا صالحين، فلما هلكوا وماتوا أتى الشيطان إلى أقوامهم، وذكر لهم ما كانوا عليه من الجد والاجتهاد والطاعة والصلح، وزين لهم أن ينصبوا لهم صورًا. ما فائدة وجود هذه الصور وهذه التماثيل؟ أنهم إذا رأوها تذكروا ما كانوا عليه من الجد، فاجتهدوا كما كانوا يجتهدون. انظر إلى خطوات الشيطان. فلما هلك أولئك، ودرس العلم، وعظم الجهل، جاء الشيطان لهؤلاء الناس وقال: إنما آباؤكم صوروا هذه الصور ونصبوا هذه التماثيل لأنهم يعبدونها، فعبدت من دون الله عز وجل. وإلا فكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد، حتى أول ما دخل الشرك هكذا دخل على قوم نوح. وربنا تبارك وتعالى قد ذكر عن المشركين أنهم ما اتخذوا هذه الوسائط وهؤلاء الشفعاء إلا لكي يتقربوا بسببهم إلى الله عز وجل. قال الله سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. قال الله عز وجل رادًّا عليهم: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. جعله شركًا به سبحانه وتعالى، ولم يغن عنهم شيئًا أنهم يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فالغاية... أو ماذا؟ نعم، الغاية لا تبرر الوسيلة. الوسائل إذا كانت خاطئة فإنه لا يجوز إقرارها. وهكذا قوله عز وجل عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ. فاجعلهم مشركين، وهكذا جعلهم محل غضبه ومقته ولعنته، وهكذا جعل من مات منهم ولم يتب إلى الله عز وجل من ذلك مخلدًا، مخلدًا في نار جهنم. وكذلك أيضًا جعل شركهم وفعلهم موجبًا لإباحة الدماء والأعراض والأموال. قال رحمه الله تعالى: قال، وترتب على هذا سؤال آخر، وهو: هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفع والوسائط، فيكون تحريم هذا إنما مأخوذ من الشرع؟ أم ذلك قبيح في الفطر والعقول، ممتنع أن تأتي به شريعة، بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه، الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟ قال: فتأمل هذا السؤال، واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستهونه، ولا تستهونه؛ فإنه به يحصل الفرق بين الموحدين والمشركين، والعالمين بالله والجاهلين به، وأهل الجنة وأهل النار. ومن المعلوم يا إخوان أن الفطر السليمة، وهكذا العقول الصحيحة، لا تنافي ولا تخالف النقل الصحيح من الكتاب والسنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أو يمجسانه». وهكذا مما ينبغي أن يذكر: أنه لا يجوز للعباد أن يتخذوا وسائط بينهم وبين الله عز وجل فيدعونهم، ويسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ودفع المضرات. كل ذلك لا يجوز، بل يعتبر كفرًا بالله عز وجل بالإجماع، كما ذكر ذلك الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، له كتاب عظيم بعنوان «الوسيلة بين الحق والخلق»، بين الحق وهو الله عز وجل، وبين الخلق. وذكر رحمه الله تعالى الإجماع على كفر من اعتقد هذه الوسائط. وكذلك شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى، ذكر ذلك في رسالته «نواقض الإسلام»، في أي النواقض العشرة ذكر ذلك؟ في الناقض الثاني من نواقض الإسلام، ذكر أن من فعل ذلك فقد كفر إجماعًا، فقد كفر إجماعًا. والوسيلة التي تجوز بين الحق تبارك وتعالى وبين الخلق، أي وسيلة هذه الجائزة التي تجوز؟ نعم يا أبا موسى. أما وسيلة العبادة فهذه شرك بالإجماع، لكن هناك وسيلة بين الحق تبارك وتعالى وبين الخلق هذه جائزة، فما هي؟ ما رأيك في من يقول: حدثني قلبي عن ربي من غير وسيلة؟ قوله صحيح أم باطل؟ باطل. لماذا؟ لأنه ترك الوسيلة المشروعة. فما هي الوسيلة المشروعة؟ جبريل بين الأنبياء وبين الله. لكن نحن... طيب، إذن هذه الوسيلة ماذا تسمى؟ هم ينكرون علينا هذه الوسيلة، ولا سيما غلات الصوفية وغيرهم، يقولون: أنتم تأخذون دينكم ميتًا عن ميت. قال: حدثنا فلان، أين هو رحمه الله؟ قال: حدثنا فلان، حتى يصل الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: أما نحن فنأخذ عن الحي الذي لا يموت مباشرة، يطلع أحدهم على اللوح المحفوظ فيأخذ منه ما يأخذ. هذه الوسيلة ماذا تسمى؟ وسيلة التبليغ التي ذكرها الأخ أخيرًا، المشروعة. طيب، أحسنت يا أبا الحسن. طيب، ماذا يسمى هذا؟ ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. وسيلة تبليغ. يا إخوان، نحن لا نستطيع أن نأخذ شيئًا من هذه الشرائع، وهكذا نتعرف على الله عز وجل إلا بواسطة الأنبياء والرسل. ومن الذي يبلغ عن الأنبياء والرسل؟ هم ورثة الأنبياء، من العلماء. فهذه وسيلة مشروعة، بل من أنكرها كفر. من يقول: آخذ ديني مباشرة عن الله عز وجل، هذه زندقة، هذا ألغى وسيلة الرسل. الوسيلة التي هي وسيلة صحيحة. أما الوسيلة الأخرى فهي وسيلة العبادة، يتخذ بينه وبين الله وسائط يعبدهم ويتقرب إليهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. هذه وسيلة شركية باطلة، وصاحبها مشرك بالإجماع. قال رحمه الله تعالى: قال، فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد المعونة والتسديد. وهنا بداية الجواب على ما ذكر من الإشكال. قال: فإنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك آخر يتعلق بعبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أفعاله. فما سبق النوع الأول يتعلق بالشرك في الربوبية، وهكذا في الأسماء والصفات، والثاني تعلقه أكثر بالعبادة والألوهية. قال رحمه الله تعالى: قال، فالشرك الأول نوعان، والشرك الأول كما سبق الذي يتعلق بالذات والصفات والأفعال، أي أفعال الله عز وجل. قال: فالشرك الأول نوعان: أحدهما شرك التعطيل. شرك التعطيل، قال: وهو أقبح أنواعي الشرك، كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وما رب العالمين؟ يعني أنكر وجود الله عز وجل، وهذا غاية التعطيل؛ لأنه نفى الذات المقدسة لله تبارك وتعالى، ومن باب أولى سيكون نفي الأسماء والصفات والأفعال. إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال لهامان: ﴿يَا هَامَانُ﴾. يا هامان، من هامان؟ وزير فرعون، وزير فرعون. قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، أي مكانًا عاليًا، ماذا يريد؟ ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإني لأظنه من الكاذبين. قال: والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، وكل معطل مشرك. قال: لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًّا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد. وهذا كما وقع من المشركين المتقدمين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. لاحظوا: أثبتوا وجود الله عز وجل، بل أقروا بأن الله هو الخالق والرازق، والمحيي والمميت، والمدبر لهذا الكون. لو سئل أحدهم: من خلقك؟ هل تظنون أنه سيقول: اللات أو العزى أو مناة الثالثة الأخرى، أو هبل أو غيرهم؟ الجواب: لا، ليقولن الله. إذن ماذا؟ هؤلاء لم يعطلوا المولى تبارك وتعالى، وإنما عطلوا حق التوحيد، حق التوحيد. ووجد من عطل الرب تبارك وتعالى فلم يقر بوجوده، كما سبق في كلام فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وهكذا قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، وهكذا قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. كقول نمرود لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، حين أن قال له: ﴿إِنَّ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال: أنا أحيي وأميت. قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا كالدهرية والشيوعية وغيرهم من المعطلة للخالق تبارك وتعالى، فلا يثبتون ربًّا، ومن باب أولى أفعالًا وأسماء وصفات. قال رحمه الله تعالى: قال، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام: أولاً: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، والمصنوع هنا بمعنى المخلوق، بمعنى المخلوق عن خالقه سبحانه وتعالى، فلا ينسبون هذا الخلق وهذا الصنع لمن خلقه وصنعه سبحانه وتعالى. قال ثانيًا: وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس، بتعطيل أسمائه وأوصافه، بتعطيل أسمائه وأوصافه، في بعض النسخ صفاته وأفعاله وأفعاله. وهذا الذي وقع فيه بعض من ينتسب إلى الإسلام، كالمعطلة من الجهمية، وهكذا المعتزلة، وهكذا أيضًا وقع في بعض ذلك الأشاعرة، إذ أنهم أثبتوا سبعًا من الصفات وعطلوا بقية صفات الرب تبارك وتعالى. وأما القسم الثالث من أقسام التعطيل، قال: وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، من حقيقة التوحيد. وهذا يا إخوان هو الذي وقع فيه المشركون حين أن أشركوا مع الله آلهة أخرى. قال رحمه الله تعالى: قال، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. وهذا بمعنى أنهم يعتقدون أن الخالق والمخلوق هما عبارة عن شيء واحد. ولهذا ماذا؟ صرفوا العبادات للمخلوقين. أحدهم إذا سمع نهيق الحمير أو نباح الكلاب قال: لبيك يا أرحم الراحمين. يعتقدون هذه العقيدة الباطلة. وسبق معنا في فصول ماضية الكلام حول هذه العقيدة الباطلة، وحدة الوجود، الخالق والمخلوق شيء واحد، وهكذا الحلول والاتحاد، الذي هو عقيدة كفرية يعتقدها من يعتقدها من الزنادقة والضلال والضلال. قال رحمه الله تعالى: قال، ومنه شرك الملاحدة القائلين بعدم العالم، أو بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، يسمونها العقول والنفوس. ويرد على هذا قول الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يرد عليهم الآيات والأحاديث التي فيها ذكر خلق السماوات والأرض والجبال والبحار وغيرها مما في هذا الكون، وأن الله عز وجل كان ولم يكن معه شيء. فهذه الطبيعة التي يصفونها بالقدم والأبدية، هذه عقيدة باطلة. هو الأول والآخر والظاهر والباطن، الأول الذي لم يكن قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء. فآماذًا؟ هؤلاء الملاحدة خالفوا الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهكذا خالفوا العقول الصحيحة والفطر السليمة. قال رحمه الله تعالى: قال، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله، من غلات الجهمية والقرامطة، يعني من الباطنية، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. المخلوق يوصف بصفات ويسمى بأسماء، أما الخالق فعطلوه من الأسماء والصفات. وذكر هنا فائدة عظيمة جدًا بقوله: إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها. ولهذا يا إخوان، الله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلا، أسماؤه لا يحصيها إلا هو، فهذا إن دل على شيء دل على عظمته سبحانه وتعالى. فتعدد الأسماء وتعدد الصفات تدل على عظمة المسمى، وهكذا الموصوف بها. يأتي معنا الكلام حول أقسام الشرك كما ذكر رحمه الله تعالى في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر