تفسير سورة التكوير من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة التكوير من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة التكوير من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تفسير سورة التكوير

يبدأ الدرس بتفسير سورة التكوير، حيث يشرح معاني الآيات الأولى منها ويبين أنها تتحدث عن أهوال القيامة وتكوير الشمس وانكدار النجوم.

تفصيل الآيات المتعلقة بأهوال يوم القيامة

يفسر المقطع الآيات المتعلقة بيوم القيامة مثل انكدار النجوم وتساقطها وتسيير الجبال وتعطيل العشار وحشر الوحوش، موضحًا كيف سيكون يوم القيامة مملوءًا بالأهوال.

تفسير الآيات الست من سورة التكوير ووقوعها

يتناول المقطع تفسير الآيات الست من سورة التكوير ويشرح اختلاف العلماء حول وقت وقوعها، إما في آخر الزمان أو بعد البعث، مع تفصيل حول حشر الوحوش.

ختام الدرس والتأكيد على الاستمرار

يختتم الدرس مع التأكيد على استمرار الحديث في الآيات المتبقية في الدرس القادم، ويتم الدعاء للنبي محمد وعلى آله وصحبه بالصلاة والسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحن في هذا اليوم، إخواني في الله، مع تفسير الجلالين، ومع سورة التكوير. وقال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة التكوير مكية، وآياتها 29 آية. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت﴾. في قول المؤلف رحمه الله تعالى: سورة التكوير، هذا هو الاسم الشهير لهذه السورة، كما في كتب التفاسير والدواوين، تعرف بسورة التكوير، وجاء في صحيح البخاري، وهكذا عند الترمذي، أنها سميت بسورة «إذا الشمس كورت»، سميت بإذا الشمس كورت، فالأمر في ذلك واسع. فقال رحمه الله تعالى: سورة التكوير مكية، مر معنا أن المكي هو كل ما نزل قبل الهجرة، ومكية السورة بالإجماع، هذا بالاتفاق، ليس فيه خلاف. قالوا: آياتها 29 آية. وإن مما أذكره كمقدمة لهذه السورة أن من قرأها وما تأمل فيها يرى أنها تتحدث عن أهوال القيامة، عن أهوال القيامة. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه يراها العين فليقرأ إذا الشمس كورت وإذا السماء فطرت وإذا السماء شقت»، يحسنه الألباني. قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينظر أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه يراها العين فليقرأ -أي رأي العين فليقرأ- إذا الشمس كورت». وهذه السورة التي بين أيدينا سورة التكوير، قال: ﴿وإذا السماء فطرت وإذا السماء انشقت﴾، إذا هذه السورة، إخواني في الله، ستجد أن مجمل الكلام فيها عن أهوال القيامة. قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إذا الشمس كورت﴾، قال: لففت وذهب بنورها، لففت وذهب بنورها. ﴿إذا الشمس كورت﴾ ما معنى التكوير؟ التكوير في لغة العرب، قال: هو جمع الشيء بعضه على بعض، جمع الشيء بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، العمامة المكورة لأنها تلتف حول الرأس، يلتف بعضها على بعض، قال: هذا عمامة مكورة. فالتكوير في لغة العرب هو جمع الشيء بعضه على بعض، هذا في اللغة، لكن عند المفسرين بعد ذلك، ما الذي فسروا به قول الله ﴿إذا الشمس كورت﴾؟ على ثلاثة أقوال، قيل: ﴿إذا الشمس كورت﴾ أي أن الشمس ذهبت واضمحلت، ذهبت، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهكذا عن الضحاك ومجاهد. وقيل: ﴿إذا الشمس كورت﴾ أي أن ضوءها يذهب، لا نور ولا إضاءة من خلالها، يذهب نورها. المعنى الثاني: ﴿إذا الشمس كورت﴾ أي رمي بها، رمي بها، وهذا نقل عن الربيع بن خثيم رحمه الله، ورمي بها، نعم، جاءت الآثار والأحاديث على أن الشمس يرمى بها في جهنم. فهذه المعاني الثلاث تدور أقوال العلماء على معنى كورت، كورت ذهبت، كورت ذهب نورها، كورت رمي بها. الإمام الطبري رحمه الله تعالى اختار الأقوال كلها، قال: يمكن أن نجمع بينها، وما هناك تعارض، فيرى أن هذه الشمس تكور، أن يلف بعضها على بعض، فإذا لف بعضها على بعض ذهب نورها، فإذا ذهب نورها رمي بها، فإذا رمي بها أصبح الناس بلا شمس، فأصبحت الأقوال تتلاءم، تتلاءم فيما بينها، ولا هناك تضاد. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى حاول في تفسيره لهذه الآية ﴿إذا الشمس كورت﴾ قال: لففت وذهب بنورها، اختار اللف مع ذهاب النور. قال: ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾، قال: انقضت وتساقطت وتساقطت على الأرض. ﴿إذا النجوم انكدرت﴾ انكدرت، فسرها المفسرون على قولين اثنين، القول الأول وهو ما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو أظهر، قال: ﴿إذا الشمس انكدرت﴾ أي انقضت وتساقطت على الأرض، هوت تتساقط، وأن معنى انكدرت هنا مأخوذ من الانكدار والانكدار بمعنى الانصباب، الانكدار بمعنى الانصباب. وهذا المعلم من معالم القيامة جاء مضحا في آية أوضح، وهو في قوله تعالى: ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ انتثرت، وهذا بمعنى التساقط، التساقط والتناثر، فهذا معنى ﴿إذا الشمس﴾، ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾ أي تساقطت تناثرت وقعت هوت. والمعنى الثاني: ﴿إذا النجوم انكدرت﴾ أي تغيرت، تغيرت في شكلها في ضوئها في ملامحها من التغير، وهذا على القول بأن انكدرت، انكدرت مأخوذ من الكدرة، الكدرة وهو التغير، وجهه متكدر متغير. فعلى كل قول له وجهها من النظر من حيث اللغة، ف﴿إذا النجوم انكدرت﴾ إما بمعنى أنها تساقطت وتناثرت، وهذا يدل عليه اللغة، وأيضا آيات أخرى، وإما النجوم انكدرت بمعنى تغيرت، وهذا كذلك نقل عن بعض السلف. قال: ﴿وإذا الجبال سيرت﴾، قال: ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبث، أي هذا مما يكون من أهوال القيامة، الجبال أنها تسير، قال رحمه الله تعالى: ذهب بها عن وجه الأرض، أي تزال؛ لأن الله عز وجل ينسفها نسفا، ينسفها نسفا، فتكون أولا كثيبا مهيلا، ثم تكون كالعهن المنفوش، ثم تكون هباء منثورا، هذه مراحل الجبال. وسيأتي معنا في آيات أخرى تتحدث عن ما يقع في الجبال يوم القيامة، فقال: ﴿وإذا الجبال سيرت﴾ أي ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منثورا. قال: ﴿وإذا العشار عطلت﴾، قال: النوق الحوامل عطلت تركت بلا راع أو بلا حلب، لما دهاهم من الأمر، ولم يكن مال أعجب إليهم منها. مما سيقع من أهوال القيامة، ﴿وإذا العشار عطلت﴾ تركت أهملت. بقي السؤال: ما المقصود بالعشار ها هنا؟ ﴿وإذا العشار﴾ من أهل العلم من ذهب إلى أن المغصول بالعشار الكلام في السماء والسحب أنها تتعطل عن إخراج المياه والأمطار، ومنه من ذهب إلى أن العشار عبارة عن الأراضي التي تترك ولا أحد يتنافس عليها، ومنه من قال: العشار بمعنى الديار، وأقوال أخرى. لكن الأكثر من أهل العلم، وهم جمهور المفسرين، على الذي ذكره المؤلف رحمه الله، أن العشار الحديث عن الإبل، الحديث عن الإبل، فقال: ﴿وإذا العشار عطلت﴾، قال: النوق الحوامل، وسميت عشار؛ لأنها الإبل التي دخلت في شهرها العاشر، في شهر، في شهرها العاشر، وولادتها قد حانت، وولادتها حانت، ولهذا يقال عنها عشورا، أو عشورا، المفرد منها عشورا. فقال، فقال رحمه الله: ﴿وإذا العشار﴾ النوق الحوامل عطلت، إذا ما شأن هذه النوق الحوامل؟ قال: تركت بلا راع أو بلا حلب، أي ما أحد يلتفت إليها، إذا قامت القيامة ما أحد يلتفت إليها، قال: لما دهاهم من الأمر، ولم يكن مال أعجب إليهم منها. أي أن الله عز وجل ذكر صورة من صور انشغال الناس، لما وقع بهم من الأهوال، أن هذا النوع من أنواع النوق، وهي من أغلى ومن أنفس ومن أعظم الأموال عند العرب، النوق الحامل، فقد حان ولادته، وكان العرب يعتنون بها عناية عظيمة، وخاصة في هذه المرحلة، لكنهم لما سيأتيهم، ولما سيقع بهم من أهوال القيامة، لا يلتفتون إليها، يزهدون فيها لعظيم ما حل بهم. فقال رحمه الله: ﴿وإذا العشار﴾ أي النوق الحوامل تركت عطلت تركت بلا راع أو بلا حلب، لما دهاهم من الأمر، ولم يكن مال أعجب إليهم منها. ثم قال: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾. ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، قال: جمعت بعد البعث ليقتص لبعض من بعض، ثم تصير ترابا. في قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، ما المقصود بالوحوش؟ أكثر المفسرين على أن الوحوش المقصود بها عموم الدواب، عموم الدواب، ومنه من خصه بالحيوانات المفترسة. لكن بعضهم يعمم اللفظ. طيب، ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، قال: جمعت بعد البعث؛ لأن الحشر فحشر، فنادى، ما معنى الحشر؟ الجمع، الحشر في اللغة يأتي بمعنى الجمع، كما في قوله: «فحشر فنادى»، قال: حشرت جمعت بعد البعث، بعد البعث، لماذا؟ ليقتص لبعض من بعض، ثم تصير ترابا. طيب، هنا مسألة نختتم بها المجلس، ونستكمل ما بقي في يوم غد بإذن الله، لكن هذه المسألة توضح لنا بعض الإشكالات في هذه الآية، وما مضى، هذه الآيات التي سمعتموها: ﴿إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت﴾، وسيأتي معنا: ﴿وإذا البحار سجرت﴾، هذه الآيات الست. متى تقع؟ متى تقع؟ لأن العلماء في تفسيرهم اختلفوا، فمن أهل العلم من يرى أن هذه الآيات الست -وانتبه الكلام على الآيات الست المذكورة آنفا إلى البحار- أن هذه تقع في آخر أيام الدنيا، وذلك في بداية أهوال القيامة، في أهوال القيامة إذا بدأت للطرابات في الكون، وتغيرت مجريات الأحوال، تنبئ تنبئ الناس بحلول القيامة. فيقع منها فيجد الناس هذه الأمارات، يجدون ما يجد من تناثر، أن الشمس تكور، وأن النجوم تتناثر، وأن الجبال تنسف وتدك دكة، وهكذا، ومن ثم العشار، هذه الأموال تترك، وقس على ذلك الأموال والمؤسسات والشركات، وأصحاب البنوك، وأصحاب القطع وسبائك الذهب، وكله يتركون، هذا كله يتركون. هذا العشار تعطل، والوحوش تحشر، هنا يأتي التفسير الآخر، تحشر هنا تجمع مع من ليس مع بعضها البعض، بل تجمع مع الإنس، هنا حشرت بمعنى اختلطت، يختلط ماذا؟ الوحش مع الإنس، هنا في الدنيا الآن في عافية، نحن بيننا وبين الوحوش وديان، بين الأفاعي والحيات والسباع والضباع والأسود والفهود، بيننا لا خلطة، لا نتخالط، خط أحمر بيننا. لكن إذا وقعت هذه الأهوال، لا تزول، الوحش لعظيم ما يرى الحيوان من أهوال، ولعظيم نحن البشر ما نرى من أهوال، حتى نمتزج بعضنا فوق بعض، يصدم هذا بدب، هذا يصدم بأسد، وهذا الحي تجد من فوق يرميها، يمشي الناس، يهيج الناس، هذا معنى من معاني ﴿إذا الوحوش حشرت﴾ أي اختلطت، هذا متى؟ عند أهوال القيامة. هذا ينزل على القول الأول، على أن هذه الآيات تتحدث عن آخر الزمان، إذا تمت المجريات، وهذا نعم ذهب به جماعة من السلف، ومن من نقل عن الصحابة، أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. القول الثاني: لا، لا يرون أن هذه من آخر أيام الدنيا، لا يرى أن هذه بعد القيامة، بعد القيامة. أن الإنسان، أن الإنسان إذا مات وماتت البشرية، ونفخ في الصور، فبعث من في القبور، حين تأتي هذه الآيات، الآن تأتي هذه الآيات بعد البعث، إذا قام الناس من قبورهم، الآن يرون إلى هذه المعالم، الشمس تكور، والنجوم تتناثر، والجبال تسير، والعشار تعطل، يأتي هذا من قبره، ويجد الحيوانات، يجد النوق، هل سيلتفت إليها؟ لا، ما سيلتفت. قد مضى معنا بالأمس: الرجال والنساء عراه، هل أحد ينظر للآخر؟ الأمر أعظم من هذا، فضلا أن يشتغل بالنوق، ما أحد يشتغل بالنوق والعشار، وهنا وحوش تحشر، هنا يأتي التفسير الثاني، والوحوش الحشر، أي أن الحوش تجمع، تجمع الدواب على حدة، لماذا؟ يختص منها، إذا اختص منها فنيت، فما بقي في الساحة إلا الإنس والجن. فهذا، أخواني في الله، التفسير الذي ينبغي أن يكون في البال عند قراءتك لتفسير هذه الآيات، أن تعلم سر الخلاف بين المفسرين في هذا، بأنهم يرجعون الآيات الأول الست الأول من التكوير، أن تعود إلى آخر، هل هي لآخر الزمان أو أنها ما يكون من بعد البعث؟ على قولي، وإن كان أكثر العلماء كالمؤلف، على أن هذه مما يكون بعد البعث، هذا يكون بعد البعث، إذا قامت الناس من قبورهم، ونفخ في الصور، نفخ الثانية، تتغير هذه الأمور الموجودة والمعهودة عند البشرية. ويسأت إن شاء الله درس غد نواصل الحديث في بقية الآيات. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.