التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 53

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 53

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 53، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سبب نزول آية الدخان ومجاعة قريش

يتناول هذا المحور سبب نزول آية الدخان في سورة الدخان، حيث دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بالسنين لكفرهم، فأصابتهم مجاعة شديدة رأوا فيها الدخان من شدة الجوع، وطلبوا كشف العذاب فآمنوا ظاهرياً ثم عادوا للكفر، فكانت البطشة الكبرى يوم بدر.

تفسير ابن مسعود: الفرق بين دخان الدنيا ودخان الآخرة

يبين هذا المحور تفسير ابن مسعود رضي الله عنه لآية الدخان، موضحاً أن ما رآه قريش كان خيال دخان بسبب شدة الجوع حتى أكلوا الجيف، بينما الدخان المذكور في القرآن هو دخان حقيقي من علامات الساعة الكبرى يظهر يوم القيامة أو قربها.

استغاثة أبي سفيان ودعاء النبي وكشف العذاب

يسرد هذا المحور مجيء أبي سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو هلاك قومه بالجوع، فدعا لهم النبي فسقوا المطر وزال العذاب، لكنهم عادوا للكفر فأخّر الله عقوبتهم إلى يوم بدر، مع ذكر روايات ابن مسعود وابن عباس في آيات العذاب الماضية.

آيات العذاب الماضية: الروم والبطشة الكبرى وانشقاق القمر

يختم المحور بذكر الروايات الواردة عن ابن مسعود وابن عباس التي تفسر آيات الدخان والروم والبطشة الكبرى وانشقاق القمر بأنها وقعت في الدنيا كعقوبات سابقة، مع الإشارة إلى تصحيح أسانيد هذه الروايات.

  • 10 جمادى الأولى 1447هـ - 31/10/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قريش بالسنين السناء بالقحط. قال الأعمش عن أبي الضحى مسروق: قال بينما رجل يحدث في المسجد، قال فيما يقول: وجاء أن هذا الرجل من كندة، قال فيما يقول: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾، قال: دخان يكون يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكمة. فقمنا فدخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فأخبرناه، فقال: أيها الناس، من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم: الله أعلم. قال الله لرسوله: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. قال: وسأحدثكم عن الدخان، إن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأوا عن الإسلام، قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة حصدت كل شيء، والحصد: معنى القطع، حتى أكلوا الجيف والميتة، حتى إن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع. ثم دعوا فكشف عنهم، يعني قولهم: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾. ثم قرأ عبد الله: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾. قال: فعادوا فكفروا، فأخروا إلى يوم بدر، ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾. قال عبد الله: يوم بدر، فانتقم منهم. متفق عليه. فهذا الحديث فيه أن مسروقا يقول: إنهم سمعوا رجلا يقول: إن الدخان يأتي يوم القيامة، يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكمة. وهذا الدخان قد أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، الذي يكون يوم القيامة، كما جاء في حديث حذيفة بن أسيد، وهو أبو سريحة، وفيه أنه لن تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات، وذكر منها الدخان. وأيضا جاء في حديث أبي هريرة ذكر الدخان: لا تقوم الساعة حتى يكون دخان. فالدخان جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يوم القيامة، فلذا فهو ليس معارضا لحديث عبد الله بن مسعود هنا. لكن الظاهر أن ابن مسعود ذكر هذا ظنا أن هذا المتكلم يقصد به الآية: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾. فآية فسرها ابن مسعود أنها الدخان الذي رأته قريش، وليس دخانا في الأصل، وإنما هو تخيل من شدة الجوع، أنه إذا جاء الإنسان يجد أنه يتخيل الدخان من كثرة الجوع. فهذا دخان ليس حقيقة، وإنما هو خيال الذي رأته قريش. وأما الذي ذكر يوم القيامة فهو الدخان الحقيقي. ولهذا فسر بعضهم الآية بهذا الدخان الذي يأتي يوم القيامة أو قرب القيامة: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾، لأن الله عز وجل قال: ﴿ مُبِينٍ ﴾ أي واضح وليس فيه خفاء، فلذا فسره بعضهم على أنه يوم القيامة، وليس هذا الدخان الذي ذكره ابن مسعود أنه في قريش. لكن ابن مسعود رضي الله عنه علم من هذه الآية أن الدخان هو هذا الذي رأته قريش، وهو خيال الدخان. قال: وسأحدثكم عن الدخان، إن قريشا لما استعصت على رسول الله وأبطأوا عن الإسلام، قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف. أنا داع عليهم، النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة، ولما أيضا كذلك استضعفوا كثيرا من أهل الإسلام، فدعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجوع. وهذا أيضا كذلك أصابهم، مثل ما حصل للصحابة وللنبي صلى الله عليه وسلم في شعب أبي طالب، لما قاطعهم قريش، قاطعهم قريش، فحصل لهم جوع، لكن ليس كالجوع الذي حصل لقريش، حتى أكلوا الجيف والميتة. الجيف: معنى الميتة التي قد مضى عليها وقت حتى صارت لها رائحة كريهة، فيأخذونها ويأكلونها. وهذا غالبا عند الجوع، وكما قد علمتم أو قد تعلمون أن بعض أهل العلم كالحافظ ابن كثير وغيره ذكروا أن الناس في زمن من الأزمان وهم من أهل الإسلام أكلوا الجيف وأكلوا الميتة، بل حتى كانوا يأكلون الإنسان نفسه، يأكلون الإنسان من شدة الجوع الذي أصابهم. قال هنا: حتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، يعني أن هذا تخيل وليس حقيقة. ثم دعوا فكشف عنهم. وجاء في السيرة أن أبا سفيان جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشكو من هذا الجوع، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لقريش، فكشف الله عز وجل عنهم هذا العذاب، وقالوا: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾. وكلام الله عز وجل حق، هو أعلم بهم سبحانه وتعالى. قال: فعادوا فكفروا، فأخروا إلى يوم بدر، ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾. قال عبد الله: يوم بدر. وقال علي بن ثابت الدهان، وقد توفي سنة تسع عشرة ومئتين: أخبرنا أسباط بن نصر عن منصور عن أبي الضحى مسروق عن عبد الله بن مسعود، قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدبارا، قال: اللهم سبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وغيره، فقال: إنك تزعم أنك بعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا فسقوا الغيث. فهذا أيضا الحديث في البخاري. قال ابن مسعود: مضت آية الدخان، وهو الجوع الذي أصابهم، وآية الروم، والبطشة الكبرى، وانشقاق القمر. يقول: إن هذه الآيات قد مضت. وقال: واخرج من حديث الأعمش، أي البخاري ومسلم، عن أبي الضحى مسروق، قال عبد الله: خمس قد مضين: اللزام، كان لزام قوله جل وعلا: ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾، أي عذابهم لازمة، والروم، والدخان، والقمر، والبطشة. يقول: هذه كلها قد مضت. وقال أيوب وغيره عن عكرمة عن ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث من الجوع، لأنهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العلهز بالدم. والعلهز هو أيضا الجلود، معنى جلود العبل التي يسمى الوبر، فيضعونها في الدم ويأكلونها. هذا لشدة الجوع الذي أصابهم. قال: لأنهم لم يجدوا شيئا حتى أكلوا العلهز والدم، فنزلت: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾. هذا أخرجه البيهقي وابن كثير في الدلائل، وإسناده صحيح، إسناده لا بأس به، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن أيوب. وإن كان في رواية معمر عن أيوب شيء، لكن الأصل فيها أنها مقبولة، وقد توبع أيوب على هذا الحديث، فالحديث صحيح. وأن أبا سفيان جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستغيث من الجوع لأنهم أصابهم ما أصابهم من هذا الجوع، حتى دعا لهم نبي صلى الله عليه وسلم فسقوا. طيب، هذا ونكتب الله تعالى.