الدرس في تفسير سورة المطففين من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يفسر المقطع آية ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ ويوضح تفاوت نعيم أهل الجنة. كما يشرح تعبير ﴿يشرب بها المقربون﴾ ويبين اختلاف العلماء في تفسيره.
يشرح معنى الاستهزاء بالمسلمين في القرآن ويبين كيف أن الكفار كانوا يستخفون بالمسلمين. كما يشير إلى استمرار هذا السلوك لدى بعض الناس.
يفسر إمام السعدي آيات القرآن المتعلقة بالاستهزاء بالمسلمين وعقاب الكفار يوم القيامة، حيث يبين أن الكفار سيعذبون في النار والمسلمون يضحكون عليهم.
أوضح المؤلف جزاء الكافر يوم القيامة وختام الحديث عن سورة المطففين مع وعد بالانتقال إلى السورة التالية.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: عند قول الله جل في علاه ﴿ومزاجه من تسنيم﴾، هذه الآية ومزاجه هي في الحقيقة تابعة عاطفة لما قد مضى ذكره حول شراب أهل الجنة. مر معنا في قول ربنا عز وجل ﴿يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك﴾، أشرنا أن هذا شراب لأهل الجنة من خمر، وأنها مختومة ختامه مسك، إضافة إلى ذلكم أن هذا الشراب أيضا من ميزته ما ذكره ربنا هاهنا، قال ﴿ومزاجه من تسنيم﴾، ما معنى مزاجه؟ قال: أي ما يمزج به، من تسنيم، أي أن هذا الشراب فيه مزج بمادة، ما هي المادة؟ تسنيم، من تسنيم، وما هي تسنيم؟ جاءت موضحة في الآية التي بعدها، قال سبحانه ﴿عينا يشرب بها المقربون﴾. إذن، انتبه معي في فهم هذه الآية، إذن الأبرار يشربون من رحيق مختوم ختامه مسك، وهذا الرحيق المختوم يمزج بماذا؟ من تسنيم، وما هو تسنيم؟ تسنيم هي عين، عين في الجنة، عين في الجنة تسمى تسنيم، هذا مصدر من سنم، والتسنيم تأتي بمعنى العلو، ومنه السنام، سنام الإبل، أي هذه عين عالية، هذه العين العالية ما شأنها؟ تسنيم، ﴿عينا يشرب بها المقربون﴾، إذن عندي عين تسمى تسنيم، هذه العين هي خاصة بالمقربين، المقربون يشربون منها من تسنيم شربا صافيا، يعبر عنه العلماء صرف، يشربون من هذه العين، لكن هؤلاء من المقربون؟ أما الأبرار، وهم دونهم، يشربون من هذه العين لكن ليس صرفا، وإنما مخلوطة، مخلوطة مع الرحيق المختوم. إذن، المقربون لهم منزل عظيم جدا عند الله، بهذه الآية، إذ أن الله خصهم بهذه العين، فهذه العين عندهم يشربون منها، وهي من ألذ وأجمل -كما قال المفسرون- العيون في الجنة، هؤلاء لأهل القرب من الله، دونهم الأبرار، هؤلاء نعم يشربون منها، لكن ليست شرب كامل، لا، وإنما يأخذ منهم شيء من هذه العين ويضاف معه شرابهم، يخلط، خلط فقط، ومزاجه -أيها الأبرار- شرابكم من رحيق مختوم يمزج معه من تسنيم، أما التسنيم هي أصل عين لأهل القرب من الله عز وجل. وبهذا إشارة إخواني في الله، على أن أهل الجنة يتفاوتون في النعيم على قدر أعمالهم، فليس الذي يقبل على الواجبات مع المستحبات ويترك المعاصي والمكرهات بمثل من يترك الواجبات فقط، أو يفعل الواجبات فقط ويترك المحرمات فقط، لا، أولئك أرفع من هؤلاء، وهؤلاء أرفع ممن يتهاون في فعل الواجبات ويتهاون في فعل المعاصي، إن دخل الجنة، فالناس طبقات في أعمالهم، لهذا هم يتفاوتون في فضائل جزائهم عند ربهم. قال: فنصبه بأمدح مقدرا ﴿يشرب بها المقربون﴾، أي منها، أو ضمنا يشرب معنى يلتذ، انتبه لهذه الفائدة، ﴿يشرب بها المقربون﴾، يشرب بها، الكلام عن ماذا؟ على العين، السؤال: العين هل الإنسان يشرب بها؟ العين ما أحد يشرب بها، الإنسان يشرب بالأواني، بالأقداح، بالأكواب، أما يشرب بعين؟ هل تقول أنت في تعبيرك: فلان شريب بالبئر؟ ما أحد يقول بالبئر، ما أحد يشرب بالبئر، ولا أحد يشرب بالعين. طيب، هنا الآية ﴿يشرب بها المقربون﴾، والعين لا يشرب بها، هنا للعلماء في مثل هذه التعابير القرآنية، إذا رأيت أن ظاهر الآية ليس المقصود، إذن هناك معنى خفي، أن المفسرون في مثل هذه التعابير القرآنية هم على مذهبين اثنين، مذهب الأول يسمونه العلماء بمذهب ظاهرية النحاة، هؤلاء فعلهم ماذا يفعلون؟ عندما يأتون مثل هذه التعابير، يأتون إلى حرف الجر الموجود، وهذا ما أسهله، يغيرون المعنى إلى معنى يلائم الفعل، مثاله: ﴿يشرب بها المقربون﴾ بمعنى يشرب منها المقربون، كما أشار المؤلف، قال: أي منها، هذا مذهب المذهب الأولى، هم من أسهل المذاهب في هذا التعابير القرآنية، إذا رأيت أن حرف الجر ما يتلاءم مع الفعل، إذن يعطى لهذا الحرف معنى آخر يلائم الفعل، يشرب بها بمعنى يشرب منها، إذن المعنى واضح، ما في إشكال. هذا، لكن هذا المذهب يسميه العلماء بمذهب ظاهرية النحاة، هناك مذهب آخر، وهو قوي جدا، ويحتاج إلى نباهة، هؤلاء ماذا يفعلون؟ أصحاب المذهب الثاني، مثل هذه التعابير القرآنية، إذا وجدوا أن فعل يقرن بحرف ما يتلاءم معه، ماذا يفعلون؟ هؤلاء ليسوا كالمذهب الأول، يغيرون حرف الجر، لا، ما يغيرون حرف الجر، يبقونه بها، بها، يبقى، لكن يلتفتون إلى الفعل الموجود، الفعل هذا الموجود، هذا لابد أن يضمن معنى آخر، وهذا يسميه العلماء بمذهب فقهاء النحاة، من الفقه، وهذا مذهب البصرة، أهل البصرة. فيأتوا مثلا: ﴿يشرب بها المقربون﴾، يأتون بفعل يضمن لكلمة الشرب مع إبقاء حرف الجر، وهو قالوا: إذن ما المقصود بأن المقربين يشربون؟ القصد الشرب فقط، شرب من الضمأ، لا، ما هم فيه حاجة إلى الضمأ حتى يشربون، هم بهذا الشرب يتنعمون، أي يتلذذون، فقالوا: معنى الآية ﴿يشرب بها المقربون﴾، أي يتلذذ بها المقربون، يتلذذ، فماذا فعلوا؟ تركوا حرف الجر كما هو، بها، بها، ما غيروا، وإنما التفتوا إلى الفعل الموجود، يشرب، فكروا: ما المعنى المراد من الشرب؟ فأتوا بمعنى يتوافق مع حرف الجر الموجود. وهذا يسميه العلماء بالتضمين، يسميه بالتضمين، وهذا يكون معهم في مثل هذه التعبيرات القرآنية، أن الفعل إذا عدي بحرف لا يتلاءم معه، فالعلماء ينقسمون إلى مذهبين، إما أن حرف الجر يغير، يعير، أو يعطى معنى آخر يتلاءم، يشرب بها بمعنى يشرب منها، هذا المذهب الأول، أو لا يبقون حرف الجر كما هو، لكن يلتفتون إلى الفعل، فيعطون للفعل معنى زائدا، فليس المقصود هو الشرب، لا، مقصود معنى آخر من معاني الشرب، وهو التلذذ، فيقولون: ﴿عينا يشرب بها المقربون﴾، أي يتلذذ بها المقربون. وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى بعبارة موجزة إلى المذهبين، فقال رحمه الله تعالى: ﴿يشرب بها المقربون﴾، أي منها، أو ضمن يشرب معنى يلتذ، يضمن الفعل، وهذا مذهب أهل البصرة. قال رحمه الله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا كأبي جهل ونحوه﴾، إن الذين أجرموا، بمعنى إن المجرمين، والقاعدة البلاغية: الإسم الموصول مع صيلته بقوة المشتق، إن المجرمين، إن الذين أجرموا بمعنى إن المجرمين، ما بهم؟ قال: كأبي جهل ونحوه، وهذا ليس للحصر، وإنما للتمثيل، من كان من أمثالهم من أهل الإجرام والبغي والعدوان، ما شأنهم؟ ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا﴾، قال: كعمار وبلال ونحوهما، أي من ضعفاء المسلمين، قال: ﴿يضحكون﴾، استهزاء بهم، وهذا دأب الكافر، دأب الكافر في كل زمان ومكان، أنه يستعلي بظلمه على المسلم، يترفع عليه بالإضحك والاستهزاء والسخرية. قال: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾، والغمز هو الإشارة بالجفن والحاجب، الغمز هو الإشارة بالجفن والحاجب، قال: ﴿يتغامزون﴾، أي يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء، أي قمة الاستهزاء، أن لربما لم يكتفوا بالتضاحك، بل يؤذونهم، يؤذونهم إذا مر المؤمن على ملأ من الكفار، والحال الكافر يتغامز مع أصحابه، هؤلاء، وبهذا دل -كما أشار العلماء- إلى أن فعل مثل هذه الأفعال، الغمز والهمز، ما تلق بمسلم، بل هي من أفعال الكفار، من أفعال الكفار، هذا من أصل العمل، فكيف إذا انضاف إلى أن هذه الأعمال تفعلها -يا عبد الله- مع أهل الصلاح، مع أهل الصلاح؟ وللأسف نجد ذلك عند بعض ممن قل دينه، وقل ورعه. إذا أراد أن يتهكم بأهل الصلاح، كهذه الآية، إذا مروا عليهم، مر جماعة ممن هم لربما أعفوا اللحى، أو أنهم قصروا الأزر، أو أن عليهم سيم طلب العلم، لربما أخذ بعض السفهاء ينظر إلى ماذا؟ بعضهم يشير إلى ذقنه، إشارة إلى استهزاء باللحية، وبعضهم يقول: أنظر إلى ثوبه، استهزاء بقميصه، ونحو ذلك، هذا من أعمال الكفر -يا عبد الله-، ترفع هذا، فعل كافر، مع المؤمن، فلا يليق بك أنك تتصدر مثل هذه الأعمال القبيحة. وقال: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾، أي يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب، باستهزاء، وهذا يوجد -كما نبتل بمثل هذه الأزمان- من قبل من لا دين له، كالعلمانيين، ومن لا دين له من الملاحدة والزنادقة، ممن لربما يطلق مثل هذه العبارات على أهل الإسلام عموما، بأنهم رجعيون، وبأنهم متخلفون، فلا تظن -يا عبد الله- أن هذه الألقاب مختصة بالمستخيم، لا، هذه العبارة يريدها أهل الإسلام قاطبة، وإنما هم فقط يوهمون الناس أنهم يريدون هذه الطبقة، وإن لهم أرادوا أهل الإسلام عامة. العلماني واللا ديني، إنما هو يتهكم على الدين كله، بأنه دين متخلف، دين رجعي، متخلف، رجعي، بعضهم يصرح بهذا، يقال: بعضهم ماذا تقول في الخمر؟ يقول لك: خمر حلال، يقول: أما ترى أنا محرم؟ يقول: أشيء من الحرمة؟ ما الذي حرم هؤلاء؟ طائفة من الناس حرموا على الناس، هكذا، جرأة، نكران للقرآن، والسنة، وإجماعات الأمة، زنادقة، ملاحدة، من العلمانيين، ومن من لا دين له، فهؤلاء يتطاولون على المسلمين، يتطاولون على رسول الله أحيانا، بمقالات سيئة، أحيانا بنكتة هزلية، أحيانا بتراسيم، وصور كاركترية، فكل ذلك من الاستهزاء، وقد عد العلماء ذلك من نواقض الدين، من نواقض الدين. قال: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾، وفي قراءة: فكهين، أي عندي قراءتين في هذه الآية، وكما قلنا: المؤلف له قراءة يسر عليها، ففي قراءة المؤلف: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾، في قراءتنا: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين﴾، وقد قال إمام الفراء رحمه الله: فاكهين، وفكهين، بمعنى واحد، بمعنى واحد، وإن كان بعض العلماء يفرق بينهما، أن فاكه بمعنى متنعم، وفكهين بمعنى مسرورين، فرحين، منها فكاهة، أي أن هذا في وصف الكافر، أن بعدما يفعل الذي يفعل من استهزائه، وتطاول على المسلمين، والضحك عليهم، بعد ذلك يرجع إلى بيته، ليلا، نهارا، يرجع وهو مطمئن، إشارة إلى ماذا؟ إلى أنه كأنه ما صنع شيئا، ومقترف إثما عظيما. ولهذا يقول إمام السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية، قال: هؤلاء جمعوا أعظم السيئتين، لأن الذي جمعوا: قمة الإغترار، إذ أنهم أساءوا، ومع الإساءة الأمن، خرجوا إلى الناس استهزاء بأهل الإسلام، بأهل الإيمان، الطعن، والغمز، واللمز، والاستهزاء، والضحك، ثم بعد هذه المصيبة العظام، يرجع إلى أهله، وهو فكه، يضحك، مسرور، ويكأنه ما صنع شيئا، ما صنع إثما، بل فرح بفعله، وهذا من أعظم الإغترار على الله جل في علاه. قال: ﴿وإذا رأوهم﴾، رأوا المؤمنين، قالوا: ﴿إن هؤلاء لضالون﴾، لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنظر إلى تمام الاغترار، تمام الاغترار، مع إساءتهم للمسلمين، وأنهم يرجعون إلى ما كانوا عليه مطمئنين، كأنهم ما صنعوا شيئا، بل، بل فوق هذا كله، أنهم يرمون أهل الإسلام بالضلال، يعني، ويكأن، ويكأنهم أن الله أوحى إليهم: أنكم أنتم على الهداية، وأنتم على الاستقامة، وأن هؤلاء ضلال، وهؤلاء شقاوة، فيصل بهم الأمر إلى ماذا؟ إلى الطعن في المسلمين، يعني هذا مصيبة، مصيبة، إذا كان المنحرف لا يرى أنه منحرف، كحال من خرج عن الجادة، يرى أنه على الصراط المستقيم، وهذا من أعظم استهواء الشيطان، واستحواذه على أمثال هؤلاء. قال: ﴿وما أرسلوا عليهم حافظين﴾، هذا خطاب الله، ما قبل كان خطاب الكفار، الآن خطاب الله، وما أرسلوا، أي الكفار عليهم، على المؤمنين، حافظين لهم، ولأعمالهم، حتى يردوهم إلى مصالحهم، أي أن الله يقول: الكفار، أنتم ما أرسلتم عليهم حافظين، ما لكم ولأهل الإسلام؟ دعوهم، دعوا المسلم يصلي، دعوا يصوم، دعوه يزكي، يفعل ما يشاء، أنت مصلق عليه، أنت مصلق، أنت حافظ على أعمال، أنت قائم تراقب ما يفعل، وما يذر، وما يترك، حتى تحاسبه على ما فرط، أنت محاسب، أن تقوم بأعمالك، حافظ على الذي تقوم به، وبه تلاقي ربك عز وجل. وهذا مثله تماما كما نراه في هذه الأزمان، العلمانيون، العلمانيون مثلا يتضجرون من أهل الإسلام، بشعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويقول: هؤلاء المتشددون يتدخلون في أحوالنا الشخصية، هذا حلال، وهذا حرام، طيب، إذا كنتم ترمون أهل الإسلام بالتشدد لشعيرة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فما لكم وما لهم؟ أم لأننا نراهم أنكم أنتم في مقالات تتهجمون على الإسلاميين -كما إن صح التعبير- على المستقيمين؟ كم من المقالات تتنزل على أسمائها أولى، وفيها الطعن، والضحك على ديننا، وعلى استقامتنا، وعلى عفتنا؟ ذاك يتكلم عن الحجاب، والجلباب، وذاك يتكلم على حجية السنة في الإسلام، وذاك الذي يتكلم على جنب الصحابة، وما أعطاهم الله من الكرامة، هم يتكلمون، سبحان الله، ترموننا بأن تتدخل في أحوالكم، وأنتم تدخلون في أحوالنا، وتعيرون، وتشهرون، وتلبزون بالألقاب، حتى استمع علم الناقص، والدانى بمثل هذه الألقاب: رجعية، تخلفية، وأن هؤلاء يريدون يرجعون الناس إلى القرون المظلمة، ما الذي أتى بهذه العبارة؟ أنتم ما لكم ولنا؟ أو ما لنا؟ دعونا لنا ديننا، ولكم دينكم، لكن سبحان الله، يرموننا بما وقعوا به أنفسهم. ثم قال سبحانه: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾، أي يوم القيامة، الذين آمنوا من الكفار يضحكون، قال: ﴿على الأرائك في الجنة ينظرون﴾، قلنا: الأرائك هي الأسرة المزينة، على الأرائك في الجنة ينظرون، من منازلهم إلى الكفار، وهم يعذبون، فيضحكون منهم، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾، الجزاء من جنس العمل، كما كان الكفار قد شبعوا منا ضحكا، واستهزاء، وسخرية، ستدور هي الأيام الدنيا لكم، لكن الآخرة عليكم، والآخرة خير وأبقى. حينها إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ومنهم الكفار، والذين كانوا يستهزئون ردحا من الزمن بالمسلمين، فالله عز وجل يقر أعين أهل الإسلام بعذاب أهل الكفر، ولهذا يعبد الله رويدا، صحيح، نحن أحيان نتحسر على ما نرى: ما يصيب المسلمين من الظلم، والاستبداد، والقتل، والتقتيل، والتعذيب، وإن القلوب لتتقطع، أسى، وحسرات على ما نراه، لكن صبر، نصبر إلى أن يأتي يوم القيامة، حينها إذا أدخل الله الكفار، وعذبوا عذاب الأليم الشديد، حينها يمتعنا الله، إذا أردنا أن الله -كما قال المفسرون- يفتح نوافذ، وأبواب تطل على نار جهنم، كما قال سبحانه: ﴿فاتطلع فرآه في سواء الجحيم﴾، من كان في الجنة يطلع على من في النار، تطلع على أعدائك، كنت تود، وقد اشتعل قلبك في الدنيا على ما يفعله ذاك اليهود، أو الشيوع، أو ذاك الرافض بأهل الإسلام، والسنة، فأنتظر -يا عبد الله- يوم القيامة، قل: يا رب، أريني إياه، وهو يعذب، فيعذب أمامك، وأنت تضحك، وأنت تضحك بما شئت أن تضحك، الجزاء من جنس العمل. ولهذا قال سبحانه: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾، على الأرائك، قال: ﴿في الجنة ينظرون﴾، من منازلهم إلى الكفار، وهم يعذبون، فيضحكون منهم، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، كما في الأثر، أو في الحديث الصحيح: كما تدين تدان، كما كنت تضحك، سيضحك عليك -يا عدو الله-. ثم قال سبحانه: ﴿هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون﴾، يقال: ثوب، وأثيب، وأثاب، كلها بمعنى واحد، هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون؟ قال المؤلف: نعم، أي أن الكافر سيجد جزاء ما فعل من كفره، فذاك اليوم يعطى كل عامل ما عمله في هذه الدنيا. وبهذا الكلام تم الختام لسورة المطففين، وإن شاء الله في يوم غد بإذن الله ننتقل إلى السورة التي بعدها، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.