الدرس في كتاب النكاح 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع وجوب مهر المثل للمرأة الموطوءة بشبهة أو مكرهة عند جمهور العلماء استدلالاً بالحديث النبوي، بينما يرجح الحنفية وابن تيمية وابن عثيمين عدم وجوبه في الإكراه لاعتباره سحتاً. كما يبين أن أرش البكارة يدخل ضمن مهر المثل ولا يستقل به حكماً مستقلاً.
يبيّن المقطع أن من أتلف بكارة امرأة بإكراه أو شبهة يلزمه أرش البكارة لا مهر المثل، لأن المهر مقابلة حلال بالحرام. كما يوضح حق الزوجة ووليها في منع الدخول بها حتى يسلم الزوج المهر المعجل، أما المؤجل فلا حق في الامتناع قبل حلول الأجل.
يناقش المقطع خلاف الفقهاء في حق الزوجة الامتناع عن الوطء إذا سلمت نفسها قبل قبض المهر المعجل، والراجح جواز امتناعها لبقاء الشرط. كما يبين حقها في طلب الفسخ إذا أعسر الزوج بالمهر بعد الدخول، وأن الفسخ ينعقد بالتراضي دون اشتراط حكم الحاكم بالضرورة.
يروي المقطع فتوى لشيخ في قضية رجل التزم بمهر محدد ثم تراجع عنه بعد الدخول، فحكم الشيخ بحق المرأة في فسخ العقد. وإذا فسخت تستحق مهر المثل ديناً في ذمة الزوج وليس المهر المسمى الذي تراجع عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويجب مهر المثلي لمن وطئت بشبهة، مثل ما يظن أنها زوجته فوطئها، فيجب لها هنا مهر المثل؛ أنها تعطى مهر المثل لأنه ليس زناء، معنى ذلك: ما تعمد الزناء، وإنما يظن أنها زوجته، فأدخلت عليه مثلاً فظنها أنها هي نفسها زوجته، ثم تبين له أنها ليست زوجته فوطئها. إذا وطئها فلها مهر المثل. وذكر ابن قدامة أنه بلا خلاف يعلمه، قال: "بلا خلاف أعلمه". قال: أو زنى بها كرهاً، أي: أكرهها على الزنى، غصبها على الزنى، ليس أنها طاوعته، وإنما غصبها على الزنى. يعني: إذا كان إنسان مثلاً أخذ امرأة، أو مثلاً حجز عليها في بيتها، فأكرهها على الزنى، لم تستطع أن تدفعه لقوته ولغير ذلك، فهنا يجب لها المهر بما استحل من فرجها، أي: يعطى مهر المثل. وهذا مذهب الجمهور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم: "ولها المهر بما استحل من فرجها". فعمم العلماء أن كل من استحل فرجاً لا يحل له، فيدفع له المهر. وهناك قول الحنفية، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو أيضاً اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا مهر لها ولا عوض لها، وإن كانت مكرهة. وذلك لأن هذا العوض خبيث، لأن هذا العوض خبيث وهو سحت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه من السحت: مهر البغي، فهو مقابل حرام، فكان سحتاً محرماً. هكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فقال: لم يكن حلالاً مباحاً، فلا يقاس هذا بهذا، ولا يلحق ما أباحه الله بما حرمه الله. وهذا أيضاً اختاره الشيخ السعدي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهم من أهل العلم، على أنه لا تعطى المهر، لكن ممكن يصلحون على شيء. أما أن تعطى مهراً فهذا أصلاً سحت، أقصد حرام، وقد جعله النبي عليه الصلاة والسلام من الإجارة المحرمة، ومهر البغي. قال: ولا يجب معه أرش بكارة. وهذا على قول الحنابلة والشافعية بوجوب مهر المثل، فهل يجب أرش البكارة؟ أنه هو الآن بنت بكر، وأزال غشاء البكارة منها بسبب هذا الزنى، سواء كان بشبهة أو سواء كان بإكراه. هنا قال: ولا يجب معه أرش بكارة. لماذا؟ لأن أرش البكارة يدخل في مهر المثل، يدخل في مهر المثل، فيدخل هذا المهر في هذا الأرش. أرش البكارة عنها: ما يدفع لعقل بكارتها عنها. مثلاً: هذه المرأة تقدر وهي بكر، وتقدر وهي ثيب، عنها كم سيكون؟ مثلاً: إذا كان البكر مليوناً، والثيب خمسمائة، وتعطاه خمسمائة على أرش البكارة. فلذلك على قول شيخ الإسلام لا تعطى مهر المثل، لكن تعطى أرش بكارة؛ لأنه أتلف عليها شيئاً مما ينتفع به. هذا له أثر، يعني: لو مثلاً تزوجت هذه المرأة، فرأى الزوج أن بكارتها قد انفضت، فكثير من الأزواج تجد أنه يفسخ هذا العقد، يفسخ هذا العقد. ولهذا فبقي غشاء البكارة له أثر. وإذا قيل له مثلاً: إن غشاء بكارتها قد انفض بسبب الإكراه، أو بسبب الشبهة، أو كذا، فهنا قد أعطي السبب، فلا يجوز بعد ذلك أن يفسخ. لكن لا شك أن هذا سيعرض هذه المرأة إلى قلة مهرها، معناه: المهر سيقل بالنسبة إلى مهور النساء، وهذا يدل على أنها تعطى ذلك الأرش. وأما أن تعطى مهراً فهذا من باب مقابلة الحلال بالحرام. قالوا: للمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها حالاً. أنا إذا تزوج الرجل امرأة على أن يعطيها مهراً، مثلاً عشرة آلاف حالاً، أعطيها قبل أن يدخل عليها، يعطيها عشرة آلاف، ثم أراد أن يبني بالمرأة ويطأها ويدخل عليها، وهو لم يعطيها شيئاً، أو أعطاها بعض ما قال: أعطاها مثلاً ثلاثة آلاف، ولم يكمل ما تبقى، فللمرأة أن تمتنع عن أن توطأ، ولوليها أن يمنع من ذلك. مثل ما يفعل بعضهم في الشمال، هناك يقولون شيئاً يسمونه "الظهر"، فك الحزام. وهذا مثل تابع للمهر، لكن بسبب العادات أصبح معناه كالعرف، أصبح كالعرف. لكن الآن أكثرهم تركوا ذلك. وهذا العرف: المرأة معناه تحزم، وتفعل لها حزام يمسك السروال، معناه: تمنعه من الجماع، تمنعه من الجماع حتى يدفع كذا وكذا بما يتراضون بينهم، أو أنه يكون عرف بينهم، مثلاً مائة ألف أو كذا، فيدفعها في ذلك الوقت قبل أن يطأها. وهكذا هذه المرأة تمنع نفسها حتى يدفع الزوج بقية المهر، حتى يدفع الزوج بقية المهر. وكذلك وليها له أن يمنع، أن يمنع، أن يمنع من ذلك؛ لأنه لم يسلم العوض الذي اتفقوا عليه. فلذلك فلها أن تمنع نفسها. وهذا قد ذكر كثير من العلماء أنه لا خلاف فيه. وهنا قوله: "حالا"، معناه: لو كان مؤجلاً ما في شيء. إذا كان مؤجلاً ليس لها أن تمنع نفسها. قال: "فإن كان مؤجلاً فليس لها منعها". يعني مثلاً: قال تزوجها على عشرة آلاف، خمسة أدفعها حالاً، وخمسة إلى سنة. وهنا لا بأس، إذا دفع الخمسة الأولى ليس لها أن تمنع. قال: "له حل قبل التسليم". معناه: إذا كان حل الأجل، معناه: مثلاً قال لهم: المهر أدفعه لكم بعد شهر، فرضوا بذلك، فمر الشهر ولم يسلم الصداق. فهل يجب أن تمنعه من نفسها؟ وهنا قال: "أو حل قبل التسليم"، يعني: إذا كان حل قبل التسليم، وهي قد لم تمنع نفسها منه لأنها خلاص على الاتفاق، فقالوا هنا: لا تمتنع، مادامت أنها قد وطئها، لا تمتنع، فيكون هذا مثل الدين عنده، يكون مثل الدين عنده. وهناك قول ثانٍ: أنه لا يجب عليها ذلك، أنا لا يجب عليها أن تمتنع. فهنا بعضهم يقول: أن لها أن تمتنع، وبعضهم يقول: أنها لا تمتنع. لماذا؟ لأنها قد سلمت نفسها أصلاً، وهذا يكون عنده كالدين. قال: "أو سلمت نفسها تبرعاً فليس لها منعها". إذا اتفقوا على صداق حال، فسلمت نفسها له تبرعاً، فليس لها أن تمنع نفسها بعد ذلك. أنا قال: سأعطيك عشرة آلاف، قالت: خلاص تمام، وقالت للولي: تمام، ولم تمنع نفسها، مع أنه دخل عليها وكذا ووطئها. فهنا بعد ذلك ليس لها أن تمتنع، لأن المهر هنا قد استقر بهذا التسليم، فلم يكن لها بعد ذلك أن تمتنع، ولأنها أيضاً قد رضيت، قد رضيت، فاستقر العوض بذلك. وهناك قول ثانٍ عند أبي حنيفة، وهو رواية أيضاً عن أحمد: أن لها أن تمنع نفسها بعد ذلك، ولو تبرعت. لأن رضاها ليس مطلقاً، بل مقيد في وقت البناء، وهي تساهلت في بداية الأمر، لعلها وثقت فيه. فهنا أيضاً رجحه الشيخ السعدي، على أنه لها أن تمنع نفسها، لها أن تمنع نفسها من هذا الوطء. وهذا الظاهر والله أعلم؛ لأنها لما تبرعت، ليس معنى ذلك أنها رضيت مطلقاً أنه يطأها، وإنما تبرعت له في تلك الليلة، فلها أن تمتنع بعد ذلك، لأن الشرط قائم، أن الشرط قائم. قال: "فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ، ولو بعد الدخول". معناه: إذا أعسر، قال: أنا ما عندي هذا الذي طلبتموه، فلها أن تفسخ العقد، وذلك لتحذر الوصول إلى العوض قبل تسليم المعوض. ولو كان قال بعد الدخول: فأنا دخل عليها، ولم يسلم مهرها، ثم قال: أنا ما عندي هذا المال، وما أستطيع أن آتي به، مثلاً ذهب ماله في تجارة وكذا، فلم يستطع أن يأتي بمثل هذا المال، فهنا لها أن تفسخ هذا العقد، ويكون هذا المهر عليه ديناً، معناه: مهر المثل. فلها حق أنها تفسخ. قال: لكن المؤلف يقول: "ولا يفسخه إلا حاكم". لأن مسألة الفسخ هذه تحتاج إلى الحاكم، هو الذي يفسخ. وقد تقدم معنا أن شيخ الإسلام رحمه الله ذكر أن الفسخ تصح بغير حكم حاكم، وإنما الحاكم يأذن بذلك، وإنما الحاكم له أن يأذن بذلك. أما أنه لابد أن الفسخ يكون بحكم الحاكم: لا، إذا اتفقوا على الفسخ يفسخ. أن إذا كانوا يعرفون مثلاً، وجاءوا عند شيخ مثلاً، علم، تحاكموا عنده، أن هذا الرجل تعاهد على نفسه أنه سيعطي هذه المرأة كذا وكذا من المال، ثم تراجع لها بعد أن دخل عليها، فحكم بينهم الشيخ: أن للمرأة أن تفسخ العقد، أن تفسخ العقد. فإذا فسخت فلها ذلك، ويبقى مهر المثل ديناً عنده؛ لأنه قد أتاها، هي استوجبت مهر المثل. طيب، إن شاء الله نكملها.