الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 732، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخفيف الصلاة وتسوية الصفوف، مبيناً أن التخفيف المراد هو عدم الإطالة المفرطة على المصلين لا مجرد قراءة السور القصيرة. ويستدل بحديث أبي هريرة في الصحيحين لتأكيد هذا المعنى الشرعي.
يؤكد المقطع وجوب مراعاة الإمام لضعف المأمومين كالكبار والمرضى وأصحاب الحاجات مستدلاً بقول النبي ﷺ: «اقتدوا بأضعفهم». ويسوق قصة معاذ بن جبل الذي عاتبه النبي ﷺ لإطالته الصلاة حتى خرج شاب، محذراً من أن التطويل يفتن الناس عن الصلاة.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل القراءة في صلاة الفجر بطوال المفصل وأحياناً بالمئين، وقد اقتدى به السلف ك أبي بكر وعمر في الإطالة بآيات طويلة كالبقرة ויوسف والكهف. ويبين الفرق بين قراءة الفجر وباقي الصلوات حيث تُقرأ في الظهر والعصر بأواسط المفصل وفي المغرب بقصارها.
يشير المقطع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة من السور الطوال في صلاة المغرب في بعض الأحيان، مبيناً أن هذا الفعل وارد في السنة النبوية. ويختتم بالتأكيد على تفويض العلم لله تعالى في تفاصيل ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، هو من مشايخ النسائي الثقات، قال: حدثنا خالد بن الحارث، خالد بن الحارث القصري، فقيه، عن ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وقد ألف كتاباً سماه "الموقع"، وهو أيضاً من أهل المدينة، هو في رتبة مالك، وهو معظم عند أهل المدينة. قال: أخبرني الحارث بن عبد الرحمن، وهو عمه، وظاهر أن الحارث بن عبد الرحمن في حفظه شيء، لهذا قال: الحديث حسن. قال: عن سالم بن عبد الله، وسالم بن عبد الله بن عمر إمام من أئمة أهل المدينة من الفقهاء السبعة، كان عالماً بحديث أبيه. قال: عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، يأمر بالتخفيف، ويأمرنا بالصافات. قال: هذا حديث حسن. "يأمر بالتخفيف ويأمرنا بالصافات". هذا الحديث أراد عبد الله بن عمر أن يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام يأمر الأئمة بالتخفيف، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: "من أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة". وهذا التخفيف ليس المراد به أن التخفيف أن الإمام يقرأ من قصار السور دائماً، لهذا أراد أن يبين ابن عمر أنه ليس التخفيف أن الإمام يقرأ بقصار السور، وإنما التخفيف هو ألا يطول كثيراً على الناس، لا يطول كثيراً على الناس، ولهذا قال: "ويأمرنا بالصافات"، فدل على أن الصافات ليس من التطويل الكثير في صلاة الفجر، فما كان النبي عليه الصلاة والسلام ليطول على الناس كثيراً، وإنما نهى عن التطويل جداً في الصلاة لأجل أن لا يمل الناس الصلاة، ولأجل أيضاً الرأفة ببعض المأمومين ومراعاتهم. فلذلك فالسنة والأفضل أن الإمام يراعي أولاً السنة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يراعي الناس الذين يصلون خلفه. إن رأى ناساً عجزة فليراعيهم، قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "واقتدوا بأضعفهم"، واقتدوا بأضعفهم، المراد: واقتدوا بأضعفهم، أي راعِ أضعفهم، أضعف هؤلاء الناس راعيه في الصلاة. وهذه المراعاة ليس معناها كما قلنا أنه يقصر الصلاة جداً، وإنما يراعي على عدم التطويل الذي قد لا يطيقه هؤلاء العجزة، أو هؤلاء كبار السن، أو المرضى، أو غيرهم ممن له حاجة يريد أن يفعلها، مثل أحياناً أصحاب أعمال، مثل ما حصل مع معاذ رضي الله تعالى عنه مع ذلك الرجل أو الشاب الأنصاري من بني سلمة، فإن معاذاً رضي الله عنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم يرجع إلى قومه بني سلمة فيصلي بهم، فطال ذات مرة عليهم، وكان هذا الفتى من الأنصار أراد أن يسقي ناضحاً، أن يسقي الإبل قبل أن وقت لها وقتاً يسقيها حتى ينام، لأجل أن يبكر الصباح في العمل، فدخل مع معاذ في الصلاة، فأطال معاذ، فخرج، فخرج هذا الفتى الأنصاري من الصلاة وصلى وحده، ثم انصرف، فقيل لمعاذ، فقال: ما أظنه إلا منافقاً. فذهب معاذ، لما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم الصباح أخبره، وجاء الرجل واشتكى عند النبي عليه الصلاة والسلام، فعاتب النبي عليه الصلاة والسلام معاذاً وقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ أي تفتن، أي تفتن الناس، فتطيل عليهم الصلاة، أفتان أنت يا معاذ؟ قال: اقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}، و{إِذَا السَّمَاءُ}، أو قال: اقرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، {الشَّمْسُ وَضُحَاهَا}، وغيرها من السور". فهذا الحديث يدلك أيضاً على أن الإمام يراعي الناس، يراعي الناس، لكن في صلاة الفجر تكون القراءة طويلة، تكون القراءة طويلة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالستين إلى المائة آية، ويقرأ بقاف واقتربت، ويقرأ أيضاً كذلك بالنجم والطور والذاريات وغيرها من طوال المفصل، كان يقرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر. وأيضاً في هذا الحديث أنه قرأ بالصافات، "ويأمرنا بالصافات"، وغالباً أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يطيل جداً، وإلا فقد جاء عن بعض السلف أنه كان يطيل أحياناً، وهذا لا بأس إذا كان أحياناً، مثل ما صلى أبو بكر صلاة الفجر بسورة البقرة، فقالوا: يا خليفة رسول الله، لقد كادت الشمس أن تطلع، قالوا: وإن طلعت لما وجدتنا غافلين، نحن نصلي. وأيضاً عمر كان يقرأ في الركعة الأولى بيوسف، وفي الركعة الثانية بالكهف، وغيرها من السور، فهذا كان دأب السلف رحمهم الله، لكن أكثر ما كانوا يقرؤون في الفجر بطوال المفصل. وكما قد ذكرنا في الحديث الذي قبل هذا، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الظهر والعصر والعشاء بأواسط المفصل، وأحياناً يطولوا في صلاة الظهر حتى يدرك الناس الركعة الأولى، وأما في صلاة المغرب فغالباً يقرأ بقصار المفصل، وأحياناً يطول حتى قرأ بالأعراف. وأما الفجر فكان يقرأ بطوال المفصل، أي من قاف إلى عم، يقرأ غالباً من هذه السور، ويقرأ أحياناً بغيرها، يقرأ أحياناً بغيرها من طوال المئة التي تسمى بالمئين، يعني ما كان من مئة وأكثر، وكان أحياناً يقرأ بالطوال، لكن في صلاة الليل، ما قرأها في صلاة الجماعة، الطوال، الطوال التسع التي هي أول السور في القرآن، ويقرأ بالمثنى، وهي ما كان أكثر من مئتين، أيضاً لم يثبت أنه قرأها في صلاة الفجر أو في شيء من الصلوات إلا في الأعراف قرأها في صلاة المغرب، وهي من الطوال. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شكراً