التعليق على كتاب الداء والدواء 96

التعليق على كتاب الداء والدواء 96

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 96، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

خطر اللسان وأثر الكلمة في هلاك العبد أو نجاته

يوضح المقطع أن حركة اللسان هي أيسر حركات الجوارح لكنها أخطرها وأضرها على العبد، مستدلاً بأحاديث النبوية وآثار السلف التي تحذر من إطلاق اللسان، وتؤكد محاسبة العبد على كل كلمة ينطق بها، وتنصح بالصمت عما لا ينفع والاقتصار على الخير أو السكوت.

فضل العلم والتعليم وخطر اللسان وسلامة اللسان

يبرز المقطع فضيلة تعليم القرآن ونشر العلم حتى للصغار، مستشهداً بقصة الإمام الأعمش، ويحث على طلب العلم أو الاستماع له وتجنب الإعراض. كما يؤكد خطورة اللسان وضرورة كفه عن الباطل وإطلاقه في الخير، مستدلاً بورع أبي بكر الصديق، وأن سلامة اللسان سبب للنجاة يوم القيامة.

حفظ الخطوات وتحويل المباحات إلى طاعات بالنية الصالحة

يؤكد المقطع على وجوب حفظ المسلم لخطواته بحيث لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه عند الله، مبيناً أن النية الصالحة تحول العادات والمباحات إلى عبادات وقربات، كما يبرز خطورة عثرة اللسان وعواقبها الوخيمة مقارنة بعثرة الرجل، مستدلاً بالآيات والأحاديث النبوية على استقامة الخطوات واللفظات.

الختام والدعاء بالخير والحفظ

يختتم المتحدث بالثناء على الله ودعائه بحفظ الجوارح والألسنة والقلوب، والوقاية من الفتن الظاهرة والباطنة. ثم يصلي على النبي محمد ويختم بالحمد لله وإقرار علم الله.

  • 20 جمادى الآخرة 1447هـ - 10/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتابه القيم "الداء والدواء" وهو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، وما أعظمه من كتاب! أنفع الله به، وفيه علاج لأدواء خطيرة وأمراض متعددة، من أهمها الذي جاء السؤال عن وصف دواء له. فما هو هذا الداء الذي سئل ابن القيم أن يصف دواء له؟ يا عبد الرحمن: العشق. ولاحظوا خطورة العشق مع أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عاش ومات قبل مئات السنين، قبل أن تأتي الجوالات وهكذا الإنترنت والشبكات، وقبل أن يتعرف الناس على الشاشات والفضائيات، وقبل أن يقع بالناس ما وقع من الانحطاط الأخلاقي من التبرج والسفور، وهكذا ضعف القيم والمبادئ والأخلاق وغيرها. وفي زمننا هذا الخطب أعظم والخطر أكبر، الذي يهدد شباب الأمة وغير الشباب. ولهذا كم تفككت من أسر، وكم هدمت من بيوت، وكم تقطعت من صلات وعلاقات بسبب هذه العلاقات المشبوهة بل والمحرمة، وهكذا التعلق الذي حصل لبعض الناس، رجالاً كانوا أم نساء، وذلك بسبب العشق. وقع من وقع في الشرك بالله عز وجل، وخرج من خرج من الدين بسبب العشق، ووقعت البدع والمحدثات، وهكذا الكبائر والعظائم من الذنوب والسيئات بسبب العشق. بسبب العشق، ومر معنا شيء كثير من التحذير من هذا الداء وما يتبعه من أدواء، وما يقع بسببه من المخالفات. وها هو ابن القيم رحمه الله تعالى يبين أمراً هاماً، ألا وهو أن هذه الأمور الأربع تعتبر أسباباً ومداخل لهذه الشرور إلى القلوب. فبدأ باللحظات، يعني النظرات، وكم منها مسموم وهكذا خطير. ثم ثنى بالخطرات، وذكر أن أمر الخطرات أصعب مما سبق: أفكار وهكذا أمور تخطر على القلوب وعلى العقول، فلربما استرسل معها من استرسل، وبسبب ذلكم الاسترسال وقع من وقع في الضلال والانحراف والهلاك. ثم ثلث باللفظات، وبين خطورة الألفاظ وأهمية ووجوب المحافظة على الألسن إلا من خير، إلا من خير. وبين رحمه الله تعالى أن الإنسان محاسب على ما يتكلم به، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد. لاحظ صفة الملائكة الموكلين بكتابة الأعمال: رقابة وهكذا عتادة، حضور ومراقبة. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين لمعاذ بن جبل خطورة أمر اللسان، قال: «ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟» قال: بلى. قال: «أمسك عليك هذا» أي لسانك. فتعجب معاذ فقال: «أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟» ما أكثر الكلمات، وما أطول المجالس وهكذا الجلسات التي نتحدث فيها، أو إنا لمؤاخذون، أي محاسبون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ». قلنا: ما معنى "ثكلتك أمك"؟ يا يا حذيفة... نسيتك، نسيتك أمك... هكذا. هذا العبيد يرفع، ولا أدري ماذا يحمل لنا في جعبته. نعم، الموت. أحسنت. فماذا "ثكلتك أمك"؟ أي بالموت فقدتك أمك، فقدتك أمك بموتك. والثكلة هي الأم التي فقدت ابنها. وهذه كما سبق كلمة تقولها العرب ولا تريد حقيقتها، ولا تريد حقيقتها، كلمة تجري على الألسن ك "تربت يداك" و "لا أم لك" وغيرها. قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟» فحصائد الألسن هو سبب ذلك، هو سبب ذلك. وتمم المصنف رحمه الله تعالى هذا الفصل الماتع بهذه الآثار وهذه كذلك أيضاً العبارات والجمل التي أجاد فيها وأفاد. فبعد أن ذكر ما نسبه إلى بعض الصحابة، وقلنا هذا جاء عن الصحابة، من هو يا أبا الفاروق؟ وقال بعض الصحابة لخادمه يوماً: من هو؟ من هو؟ طيب، أحسنت. نعم يا أبا سعيد: شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه. وذكرنا تتمة للفائدة الحديث بتمامه ومحفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم من تلك الكلمات النافعات. قال رحمه الله تعالى: قال: «وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد، وهي أضرها على العبد». والجوارح يطلق على هذه الأعضاء الظاهرة كاللسان، وهكذا على العينين، وهكذا الأذنين واليدين والرجلين وغيرها جوارح. فأيسر حركات الجوارح هي حركة اللسان، حركة اللسان. قال: «وهي أضرها على العبد، وهي أضرها على العبد». ومر معنا في حديث أبي هريرة وغيره أن العبد بالكلمة التي لا يتبين فيها، وهي من سخط الله عز وجل، تهوي به في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب. كلمة يا إخوان قد يخرج بسببها من دين الإسلام، من دين الإسلام، وهكذا قد يعرض نفسه للعقاب وإقامة الحدود وغير ذلك. قال: وقد اختلف السلف والخلف، هل يكتب على العبد جميع ما يلفظ به، أو الخير والشر فقط؟ على قولين، أظهرهما الأول، أظهرهما الأول. ما هو الأول يا أبا زرعة؟ نعم، جميع ما يتلفظ به، هذا يكتب على العبد، يكتب على العبد. ولهذا يا إخوان نتذكر دائماً وأبداً وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أن قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». ينبغي على العبد منا أن يحاسب نفسه وأن يتأمل فيما يخرج من فيه، فإذا كان خيراً تكلم به واحتسب الأجر فيه، وإذا كان شراً أمسك عنه واحتسب الأجر في إمساكه عنه. طيب، إذا كان لربما لم يتبين له أهو خير أم شر؟ قد يكون من المباحات، قد يكون من المباحات. فما هو الأسلم؟ الأسلم أن يصمت، الأسلم أن يصمت. فليقل خيراً أو ليصمت. قال رحمه الله تعالى: قال: وقد قال بعض السلف: كل كلام ابن آدم عليه، لا له، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه، وما والاه. وسبق معنا يا إخوان أن هذا أخرجه الترمذي وابن ماجه، أو ماذا؟ أن هذا أمر معنا أنه جاء من حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها، وسنده لا يصح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من طريق أم صالح وهي امرأة لا تعرف، أي أنها مجهولة، أي أنها مجهولة. لكن يغني عنه حديث أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي وابن ماجه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً». ومعنا "ملعونة" يا إخوان أي مذمومة. ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أي ما كان متعلقاً بذكر الله عز وجل وما والاه، وعالم أو متعلم، وعالم أو متعلم. وهنا نبه النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية العلم، أن الشخص يتعلم، فإذا تعلم ينفع غيره فيعلم. «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» وعلمه، وهكذا في حديث أبي الدرداء ونحوه من حديث أبي أمامة. قال: «وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء» في حديث أبي أمامة، قال: «حتى النملة في جحرها»، ليصلون على معلم الناس الخير. لا تبخل على نفسك من فضيلة التعليم، ولو أن تعلم أطفالاً فتحفظهم آية أو سورة. البعض قد يأنف ويستصغر أو يحتقر أو لا يتمعن في أهمية هذا العمل: تعليم حلقة أطفال، تعلمهم وتحفظهم الفاتحة. انظر كم سيقرؤونها، لك أجر قراءتها، كم سيعلم غيرهم إياها، فأجرك مستمر لربما عقوداً من الزمان، بل لربما قروناً من الزمان، بل لربما إلى قيام الساعة. وهذا العلم الذي نشرته وبذلته يتوارثه الصغير من الكبير، وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. الإمام الأعمش سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي الملقب بالمصحف، كان عسراً في التحديث، عسر، اشتكي المحدثون من أنه لا يحدث، لا يحدثهم كثيراً، وأحياناً يأتوا لكي يطلبوا الحديث فلا يحدثهم. لكن كان يجلس للأطفال الصغار ويدرسهم القرآن، فعيب عليه ذلك، قالوا: يا إمام، تجلس لهؤلاء الصغار وأهل الحديث ينتظرون؟ فقال للمنتقد: «ويحك، هؤلاء يحفظون عليك دينك». هؤلاء يحفظون عليك دينك، هم صغار اليوم لكنهم يا إخوان كبار الغد، منهم يخرج الإمام والمؤذن والخطيب والعالم والقاضي والأب والأخ والمربي وغيرهم، تخرجوا من هذه الحلقات الصغيرة. فماذا ينبغي أن يحرص العبد منا على هذا الخير؟ قال رحمه الله تعالى: ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً، ولا تكون الرابعة فتهلك، ولا تكون الرابعة». بعض الناس ما يعلم غيره، طيب عذره لربما أنه ليس عنده أهلية التعليم. طيب، اجلس تعلم. لا يقول لك: والله أنا ما أفهم، أنا ما أستوعب، ما أحفظ. طيب، كن مستمعاً، يكتب لك أجر الحلقة وأجر مجلس العلم، حلقة الذكر. لا لربما يقع في الرابعة التي هي خطيرة يا إخوان، ألا وهي الإعراض. ومن أعرض قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه». قال رحمه الله تعالى: قال: وكان الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: «هذا أوردني الموارد، هذا أوردني الموارد». والمقصود بالصديق هاهنا، المقصود بالصديق هنا يا عبد الله، من المقصود بالصديق؟ قال: وكان الصديق رضي الله عنه أبو بكر، ما اسمه يا أبا أسامة؟ أبو بكر هذه كنية، فما هو اسمه؟ عبد الله بن أبي قحافة، وأبو قحافة والده اسمه من يا أبا جعفر؟ عثمان. إذن هو عبد الله بن عثمان، وعثمان كنيته أبو قحافة، أبو قحافة. ولقبه، أي لقب أبي بكر، لقبه الصديق، هو الصديق الأكبر يا إخوان، الصديق. ومرتبة الصديق هي من أعظم وأعلى مراتب الخلق بعد مرتبة النبوة والرسالة. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: ويقول: «هذا أوردني الموارد». فلا إله إلا الله يا إخوان، أبو بكر يقول ذلك، ماذا عسانا أن نقول نحن؟ والسنة الكثير منا ليس لها زمام وليس لها خطام، وإنما آه، ماذا نطلق لها العنان فتخبط خبط عشواء، وتتكلم بما ينفع وبما يضر. ليس هناك يا إخوان شيء أحوج إلى أن يسجن كهذا اللسان. قال رحمه الله تعالى: وأثر أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أخرجه مالك في الموطأ، وهكذا أبو داود وغيرهما، وقد صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في عدد من كتبه منها "صحيح الترغيب والترهيب" للمنذري. قال رحمه الله تعالى: قال: «والكلام أسيرك، والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أسيره». قال: والله عند لسان العبد وما يلفظ به، وما يلفظ به، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. إذن الكلام أسيرنا، متى ما كان في أفواهنا ولم نتكلم به نحن نملكه، فإذا خرج أصبحنا نحن أسرى له، فهو الذي يملكنا. هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها» أي في نفسها، قال: «ما لم تعمل أو تتكلم، ما لم تعمل أو تتكلم». قال: وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص العبد من إحداهما، من إحداهما لم يخلص من الأخرى، أحداهما آفة الكلام وآفة السكوت. قال: وقد يكون كل منهما أخطر من الأخرى، أخطر من الأخرى وأعظم إثماً في وقتها. قال: السكوت عن القول بالحق، السكوت عن القول بالحق، قال: فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، أخرس يعني لا يتكلم، أخرس، عاصٍ لله، مراء، مداهن، إذا لم يخف على نفسه. قال: والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاصٍ لله. قال: وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين. قال: وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم، كفوا ألسنتهم عن النطق بالباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا يرى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلاً أن تضره في آخرته. ولاحظوا يا إخوان كيف أن السكوت قد يضر، وكثيراً ما ينفع، وأن الكلام قد ينفع، وكثيراً ما يضر. فلهذا الحكيم والموفق أنه يتكلم بما يقربه إلى الله عز وجل من الخير والطاعات، ويصمت عن الشر، يصمت عن الحرام، فصمته عبادة، صمته عبادة، وصمته قد يكون سبب نجاته. لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر، قيل: يا رسول الله، من النجاه؟ النجاه يا إخوان من الفتن، النجاه من الشبهات، النجاه من الشهوات، النجاه من الانحراف والضلال والهلاك، النجاه من النار. قيل: يا رسول الله، من النجاه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك». تريد النجاه؟ هذا سبيل النجاه، هذا سبيل النجاه الذي يوصل إلى بر الأمان، إلى بر الأمان. قال رحمه الله تعالى: قال: وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها. ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد بنى لها كلها، من كثرة ذكر الله وما اتصل به. والله أعلم، ومما يتصل به يا إخوان التوبة إلى الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وهكذا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. توبة يا إخوان تهدم ما قبلها، تهدم ما قبلها. ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان، عبد الله بن جدعان رجل من أشراف قريش ومن سادات مكة، وله من الآثار وله من المعروف والخير من عتق الرقاب ونصرة المظلوم وإطعام، وإطعام الجائعين وغيرها. سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أن ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال: «إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين». لم يستغفر، لم يتب إلى الله عز وجل من الشرك وعبادة الأوثان وغيرها. قال رحمه الله تعالى: فصل. وفي هذا الفصل يبين رحمه الله تعالى الأمر الرابع. قال: وأما الخطوات، وقلنا الخطوات جمع ماذا؟ الخطوات جمع ماذا؟ ما مفرده خطوة؟ أحسن يوسف الصديق. فما هو المقصود بالخطوة؟ «لم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة». ما هي الخطوة الآن؟ عندنا لحظات وخطرات ولفظات، هذه خطوات، هذه خطوات جمع خطوة، فما هي الخطوة؟ ما بين القدمين، ما بين القدمين، هذه خطوات. ﴿وَنَكْتُبَ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. بنو سلمة، حي من أحياء المدينة، وبطن من بطون الأنصار، كانت بيوتهم بعيدة. ومن ذهب إلى المدينة وزارها سيرى منازل بني سلمة وبعدها. فماذا تشاوروا فيما بينهم وعزموا أن ينقلوا مساكنهم إلى قرب المسجد؟ فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب لكم آثاركم»، أي الزموا دياركم ولو كانت بعيدة، ويكتب الله لكم آثاركم. قال رحمه الله تعالى: قال: وأما الخطوات، قال: فحفظها بأن لا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه غداً عند الله. هكذا تحفظ الخطوات يا إخوان، هكذا تحفظ، ويوفق العبد في استغلال هذه الجارحة وهذه النعمة. النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند البخاري، في الحديث القدسي قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». قال العلماء: أي وفق، فلا يستعمل هذه الجوارح إلا في الخير، إلا في الخير. قال: وأما الخطوات فحفظها بألا ينقل قدمه إلا فيما يرجو ثوابه غداً عند الله. قال: فإن لم يكن في خطاه، أي فيما يخطو ويمشي، مزيد ثواب، فالقعود عنها أولى وخير له. فكيف إذا كانت هذه الخطوات إلى المعصية، إلى المعصية، كما يكون في أيام الفتن؟ إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. فماذا؟ هذه الخطوات لا بد أن تكون إلى خير. قال: فإن العبد يمكنه أن يستخرج من كل مباح يخطو إليه قربة ينويها لله عز وجل، فتقع خطاه قربة، وتنقلب عاداته ومباحاته عبادات، ومباحاته طاعات. وهذا يا إخوان من أسبابه العلم، من أسبابه العلم، من أسبابه النوايا الطيبة والمقاصد الحسنة. المباحات تنقلب إلى طاعات، والعادات تتحول إلى عبادات. أرأيتم الأب أو الزوج حين أن يذهب ويأتي بطعام، يشتريه من المحل؟ اشترى مكرونة، اشترى فاصولية، اشترى خبزاً، اشترى غيرها، دقيقاً، أرزاً، إلى غيرها. هذا واجبه وهذه عادته، لكن كيف لو احتسب ذلك عند الله عز وجل؟ كان من أعظم الحسنات وأفضل الصدقات. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «دينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته في رقبة» أي تعتق رقبة، «ودينار أنفقته في سبيل الله» الجهاد، غيرها من المصالح العامة ك بناء المساجد والمدارس وتمهيد الطرق وغيرها، «ودينار رابع، دينار أنفقته على أهلك»، قال: «أعظمها الذي أنفقته على أهلك». إذن ماذا؟ باحتساب الأجر تكون هذه العادة عبادة. أرأيتم النوم؟ ينام الواحد منا ولا بد له أن ينام، فحين أن يأوي إلى فراشه ويأخذ مضجعه ويأتي بأذكار النوم، قد يتوضأ فيصلي ما كتب الله له أو يوتر، فينام. ما حكم النوم؟ مباح، لكن قد يكون طاعة متى؟ إذا نوى بهذا النوم أن يستيقظ لصلاة الفجر، أن يستعين به على قيام الليل. لهذا ابن مسعود كان يقول: قال: «إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي». احتسبها أجراً وطاعة عند الله عز وجل. وهكذا غيرها، وهكذا غيرها. يذهب إلى السوق عنده أمر أو آخر، طيب احتسب الأجر، تلقى ناساً تسلم عليهم، قد تصلح أمراً من الأمور العامة أو الخاصة، قد تزور مريضاً، قد تعين محتاجاً، قد تصل رحمًا، قد إلى غيرها. قال رحمه الله تعالى: قال: ولما كانت العثرة عثرتين، العثرة يعني السقوط عند المشي، آه يمشي فيعثر، قد يسقط، قد يقرب من السقوط، فيستقيم ويقوم. قال: ولما كانت العثرة عثرتين، عثرة الرجل وعثرة اللسان. عثرة الرجل أي يسقط، وعثرة اللسان أي يخطئ به. قال: جاءت إحداهما قرينة الأخرى في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، قالوا سلاماً. قال: فوصفهم بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، كما جمع بين اللحظات والخطرات في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. أين الخطرات وأين اللحظات؟ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. يا أبا صالح، أين الخطرات؟ خائنة الأعين أو ما تخفيه الصدور؟ الخطرات عندنا خطرات ولحظات. خطرات قلنا جمع خاطرة يعني فكرة، واللحظات جمع لحظة، ألاحظ كذا وكذا، أي نظرة. فإليك يا أبا صالح: اللحظات، طيب، أحسنت. في ماذا؟ في خائنة الأعين أو ما تخفي الصدور؟ أنت قلت ماذا؟ الخطرات أو اللحظات؟ الخطرات. طيب، أين الخطرات؟ في خائنة الأعين، هكذا. لكني أرى عليك تردداً، فعلى ما تردد؟ أحسنت، أحسنت، أعزمها وتوكل. الخطرات: ما تخفيه الصدور. أحسنت. واللحظات: خائنة الأعين. أنت متأكد؟ خلاص، أو ما زلت في تردد؟ متأكد. أنا أشك أنك متأكد. طيب، أحسنت، أعزاك الله خيراً. قال: كما قيل عن اللسان: «يموت الفتى من عثرة بلسانه». يموت الفتى، أي يقتل بسبب ماذا؟ قال: من عثرة بلسانه، وليس يموت المرء من عثرة الرجل. فعثرته من فيه ترمي برأسه، عثرته من فيه، أي من لسانه، ترمي برأسه، وعثرته في الرجل تبرأ على مهلي. يعني إذا سقط قد تنعسف قدمه، قد تجرح، أسبوع، سيشفى إن شاء الله، يوم، يومين، أسبوع. لكن عثرة اللسان هذه قد تطير الرأس، قد تطير الرأس. وبهذا نكون وصلنا إلى نهاية هذا الفصل الذي يتعلق بالأمر الرابع. فنحمد الله عز وجل أولاً وآخراً، ونسأله أن يحفظ جوارحنا وأن يحفظ ألسنتنا وقلوبنا، وأن يجنبنا المصائب والفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.