‏‏المجالس العلمية في الدروس المنهجية 4

‏‏المجالس العلمية في الدروس المنهجية 4

الدرس في ‏‏المجالس العلمية في الدروس المنهجية 4، التنظيم البدعي : الإمارة , البيعة , السرية , التوصيات . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التنظيم البدعي في الجماعات الإسلامية

يناقش مفهوم التنظيم البدعي في الجماعات الإسلامية، مع التركيز على الإمارة والبيعة والسرية. يبدأ بالتركيز على موضوع الإمارة واستدلال الجماعات الحزبية بحديث أبي سعيد الخدري.

الردود الفقهية على تأييد الإمارة في الحضر

يستعرض ردود الفقهاء على جواز الإمارة في الحضر، مستندًا إلى شروط ودلالات النصوص الشرعية وتطبيقاتها العملية، مع الإشارة إلى آراء العلماء مثل ابن تيمية والشوكاني.

انتقاد البيعة في التنظيمات الحزبية ومخالفتها للشرع

يناقش انتقاد البيعات الحزبية وبيان مخالفتها للشرع، حيث إنها تتضمن تعهدات غير محددة وتؤدي إلى إثم مضاعف وتتعارض مع البيعة لولي الأمر.

  • 28 جمادى الآخرة 1447هـ - 18/12/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، ونحن في هذه السلسلة من الدروس المنهجية، وخاصة ونحن في تتبع أخطاء هذه الجماعات التي طرأت وظهرت في بلاد الإسلام، وكان حديثنا عن جماعة الإخوان بخصوصها. أشرنا إلى أهم ما ينتقد على هذه الجماعة أولًا: ما كان من عدم اهتمامها بمسائل العقيدة والتوحيد، وأشرنا إلى عدة دلالات يستدل بها على أن الجماعة لا أقول في منهجها، بل كذلك على مستوى مؤسسيها أن فيهم خلل إما في الألوهية أو حتى في باب الأسماء والصفات. فمنهم المفوض، ومنهم المعطل، ومنهم المشبه، ناهيك عما يظهر من عبارات بعضهم من العبارات التي ما يقولها مسلم، من التحاكم إلى الطواغيط، إلى القوانين والتساتر. وأيضًا أشرنا إلى أن منهم من ابتكر لنا توحيدًا جديدًا، وهو التوحيد الحاكمية، وقد أطنبنا وأكثرنا في بيان خطأ هذه القسمة التي خرج بها بعض الحزبيين بمثل هذه الأزمان. ثانيًا: كان من الردود على هذه الجماعة ما كان من تزهيدهم عن العلم الشرعي، فهم لا يرفعون رأسًا بالعلم الشرعي، بل بالعكس، وهم يحقرونه ويحقرون من يشتغل به. في حين أنهم ابتكروا لنا علمًا جديدًا، ما يسمى بعلم فقه الواقع، وأشرنا إلى أن هذا العلم بالنسبة إليهم من أفاضل العلوم، حتى أنهم جعلوا العلماء إلى قسمين: إلى علم شرع وإلى علم الواقع. وأن أصحاب الواقع هم الذين ترفع إليهم قضايا النوازل، وخاض أولئك في هذا الباب، فأهملوا حلق العلم والجلوس والجثيب الركب عند أهل العلم. ثم تسمروا أمام الشاشات والقنوات والتتبع للجرائد والمجلات، بل توسعوا حتى أن بعض رواد هذه المدرسة هو نفسه ناصر العمر، صاحب كتاب أو صاحب رسالة فقه الواقع، ذكر في أحد أشرطته، وهو شريط السعادة، أنه تتبع قصة امرأة اسمها كورستينا أونسيس، امرأة غامرت، تزوجت وطلقت، تزوجت وطلقت، المهم ثم وجدت مقتولة. قصة قال: وقد تتبعتها خمسة عشر سنة، هو بنفسه خمسة عشر سنة، فتخيل إذا كان رواد هذا الباب يتلفظ بهذا الكلام، ما طنك بالأتباع؟ أن هذا الشيخ جلس خمسة عشر سنة يتابع هذه القصة، فلا شك أن هذا يعطي لهم دافعًا في أنهم يتتبعون القصص، فنسأل الله السلامة والعافية. الشاهد أنهم ابتكروا لهم فقه الواقع، وخرجوا به على أهل العلم، وقد ذكرنا الضوابط التي ينبغي أن يتقيد بها طالب العلم إذا أراد أن يفهم ما يتعلق بالنوازل العصرية. ثالثًا: ذكرنا عدم الاهتمام بالسنة، ويظهر ذلك في أقوالهم وأفعالهم وفي حياتهم وفي تصريحاتهم، بل إن السنة عندهم ترد كما قلنا بأدنى شيء، ترد إذا خالفت العقل، ترد إذا خالفت الواقع. وأنهم يعتبرونها قشورًا، فوجودها وعدمها سيان، فهم لا يرفعون رأسًا ولا يهتمون بالسنة. وأيضًا ذكرنا رابعًا ما يكون من الخروج على ولاة الأمور، وهم تجدهم دائمًا كحزب إسلامي سياسي، تجدهم في حزب المعارضة، وظهر أمرهم في كثير من الدول، حتى كان النهاية في إغلاق مكاتبهم، لأنها أصبحت وكرًا لأعمال غير مرخصة، من التجنيد وتجميع الأسلحة وتكديس المقذوفات من القنابل. كما أشرنا قديمًا، ولا زلنا حديثًا، كما وقع في الأخبار قبل أشهر قريبة، في الأردن، كشفوا عن هذه الخلايا، فهم كذلكم، فكما قال زعيمهم: نحن حرب على كل زعيم أو رئيس. وأيضًا مما ينقض على هذه الجماعة ما كان من تمزيقها للأخوة الإسلامية، فما يدب هذا التنظيم في مكان أو بشكل عام، تأتي الحزبية في مكان إلا وكانت شؤمًا على أهلها، بأن تقسمهم إلى أحزاب وتنظيمات، بتوزيع الولاءات. هذا معنى، وهذا ليس معنى، بل هذا ضد، فيكون تعامل الناس على هذا التنظيم لا على الكتاب ولا على السنة. وأشرنا بدلالات كثيرة تدل على تقطيع أواصر الأخوة الإسلامية من قبل هؤلاء. أنتقل الآن إلى سادسًا، تبعًا لما سبق، أو أني أجعل هذه الفقرة، وهذا حقها، أن تكون فصلًا خاصًا بالجماعات الإسلامية، وهو التنظيم، وأعني به التنظيم البدعي. فإن شئت جعلته فصلًا مستقلًا لذاته، التنظيم البدعي، فهذا مما ينتقد على جماعة الإخوان، وهكذا ما تكاد تجد جماعة إلا وهي تدور حول عقد تنظيمات أو شيء تجعل هذه الفقرة تبعًا مما يؤخذ على جماعة الإخوان. قد مضى معنى إخواني، فلا أن أهل السنة لا ينكرون العمل المنظم، قد نقلنا عبارة شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، بأننا ننظم أمورنا وأعمالنا، وهكذا المراكز ودور الحديث تقوم على الأمور المنظمة. لكن الذي ننكره هو التنظيم البدعي الذي تقوم عليه الجماعات، ومما أصرح به في هذا المقام، من التنظيم البدعي، ثلاثة أمور: البيعة، والإمارة، والسرية. تكاد هذه الأمور الثلاثة تكاد أن تجمع عليها الجماعات والفرق المعاصرة، على أن كيان هذه الجماعة أو هذا الحزب يقوم على هذه الأمور. نبدأ أولًا بهذه الركيزة، بموضوع الإمارة، تجد أن ما من جماعة من هذه الجماعات الحزبية إلا وتتخذ نفسها أميرًا، وهذا الأمير يسمونه بأمير الدعوة. ويرون أن الناس بحاجة إلى أمير، وأن هذا الأمير لهم هيكلة في هذا الباب، فتجد هذه المحافظة لها أمير، المحافظة الثانية لها أمير، المحافظة الثالثة لها أمير، هذه المحافظة في هذا القطر لهم أمير أكبر. وهذا الأمير الأكبر طبعًا يعرف البلد الفلاني لهم أمير، وهكذا أمراء بهذه السلسلة، والحديث إخواني في الله عن مسألة بدعة الإمارة يطول فيها النقاش. لكن أجعل هذه الخطوات نبتدأ بها، ما أذكره في هذه المسألة حول مشروعية أمير الدعوة، أعظم ما يستدل به هؤلاء ما جاء في السنن عند أبي داود، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم. يرون أن الاستدلال بهذا الحديث من أقوى ما يستدل به على جواز اتخاذ أمير للدعوة، أمير في الحضر، وجه الاستدلال يقولون: إذا كان الشرع أجاز لهذا العدد القليل، ثلاثة، وهم في فترة زمنية قليلة، وهي سفر، فإذا كان المسلم بهذا العدد القليل، وبهذه الفترة الزمنية، أوجب عليه الشرع أن يتخذ أميرًا، فما ظنك ونحن في مجتمع فيه أضعاف أضعاف أضعاف هذا العدد، ونحن في فترة زمنية لا حد لها؟ أليس من باب أولى أن نتخذ لأنفسنا أميرًا؟ هكذا يقولون، وهذا استدلالهم، وانتبه لهذا الاستدلال، هم يستدلون بالقياس، وقد ذكروا ذلك في كتب كثيرة. الاستدلال بحديث أبي سعيد في أن النبي أجاز الإمارة أو أوجب الإمارة في حق المسافر لمن كان ثلاثة فصاعدًا، فاستدلالهم من باب أولى، نحن أكثر، والفترة الزمنية أطول، فنحن أولى أن نتخذ لأنفسنا أميرًا وأمرًا. كيف الرد على هؤلاء؟ الرد على هؤلاء من عدة أوجه، الرد الأول: أن هذا النص الذي نراه أمامنا اشترط فيه نبينا صلى الله عليه وسلم السفر، شرط هذا شرط، إذا خرج إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا، مفهوم الحديث إذا لم يخرج في سفر لم يؤمر. فكيف لمسلم أنه يلغي هذا الشرط؟ هذه المصادمة معارضة للشرع، أجاز في السفر من الأحكام ما لم يجزها في الحضر، فالقياس فاسد لإلغاء هذا الشرط، وهو قيد. الرد الثاني: أن أمير السفر هل يحتاج إلى بيعة؟ نحن نسافر كدعاة، ومن يذهب إلى مساء الدنيوية، تجارة أو زيارة، نسافر، هل نحتاج إلى أن نبايع الأمير الذي يقول: يا فلان أنت أمير الرحلة؟ هل نبايعه؟ الجواب: لا، ما نبايعه. الرد الثالث: أن الإمارة في السفر حكمها على ظاهر النص أنها واجبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، فعلى ظاهر النص، من ذهب إلى الوجوب، هذا إذن حكم الإمارة في السفر. ننظر إلى الإمارة في الحضر، ماذا تقولون يا أيها الجماعات؟ أنتم بين اثنين، لا ثالثة لكم، إما أن تقولوا أن الإمارة في الحضر مستحبة، وهنا مباشرة يختل القياس، لأن من شرط القياس، من درس الأصول، يعلم أن القياس يقوم على أربعة أمور، ولابد: أصل معلوم، فرع مجهول، علّة مشتركة، حكم واحد. فإذا كان حكم الأصل الوجوب، لا بد أن يكون حكم الفرع الوجوب، لا يمكن أن يكون حكم الأصل واجبًا، ثم تقول: حكم الفرع مستحب، هذا باطل. فإذا قالوا: أن الإمارة في الحضر مستحبة، إذن وقعتم في القياس الفاسد، إن قالوا: لا، بل نرى أن الإمارة في الحضر واجبة، نقول حينها: تأملوا فيما أوقعتم فيه الأمة المحمدية، إذ أننا كلنا آثمون، لسنا نحن بل أنتم. انظر لأهل بيتك، أبوك وأمك وأختك وزوجتك وأصحابك وبنات وأبناء العم وأبناء الخال، كل هؤلاء هل لهم أمير؟ أنت تعرف أنه ما تأخذ لأنفسهم أمراء، إذن هؤلاء آثمون، ستدخل الأمة المحمدية في إثم، هذا لا يجوز. فهم بين أمرين، إما أن يذكروا بأن حكم الإمارة في الحضر بأنها مستحبة، فناقضوا الأصل، فالقياس فاسد، وإما أن يلتزموا بالظاهر، فيقولوا: أن الإمارة في الحضر واجبة، حينها فلينظروا تبعات هذا المقال، وهو أنهم أدخلوا الأمة في إثم،. الرد الرابع عليهم في هذا الباب: أنه من هو أمير؟ من هو الأمير؟ لو أننا نعرف، سواء على قولكم، سواء كانت الإمارة مستحبة أو الإمارة واجبة في الحضر، من هو الأمير حتى ننظر؟ أقلب أجعله في تحت المجهر، أرى عندي أنا عندي معايير، أرى هذا الذي اتخذ أميرًا لنا من هو؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بفائدة عظيمة جدًا، يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة، بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين، الذين لهم سلطان، يقدرون به على سياسة الناس. لا بطاعة معدوم، ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان، ولا قدرة على شيء أصلا، ذكر هذا في منهاج السنة. إذن قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: لا طاعة بأمير معدوم، مثل عند الرافضة، عندما بايعوا صاحب السرداب، معدوم، أو قال مجهول، وهذا الذي عليه الجماعات الإسلامية، من أميرهم مخفي، لا يدرى منه، مجهول. بل هو كذلك، حتى الوصف الثالث: وليس له سلطة على شيء، مخفي، ما أحد يعرف، ولا يكشفون عن هويته، كيف هذا؟ لكن نحن نأخذ الإذن بالبيع لهذا الأمير من دون أن تعرف اسمه، ومن هو؟ فشاهد أن هذا الأمر الرابع، وهو الرد على موضوع الإمارة: أن أمير الدعوة يخفونه عن الناس، والأمر كذلك. ولو تم تحديد الأمير، وهو هذا الرد الخامس، إذا قالوا: خلاص، فلان الأمير في هذه البلدة، في هذه المحافظة، فلان أمير، يأتي السؤال: من الذي رشحه؟ من الذي ولاه؟ من الذي أعطاه؟ يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه: قال ابن عمر: فمن بايع أميرًا من غير مشورة المسلمين، فلا بايعا له، ولا بايعا للذي يبايعه، ما الغاية؟ الأمر فوضوي، تنصب عليك رجلًا، تقول: هذا مفروض عليك فرضًا. فانظر يا عبد الله إلى هذه المهالك المهلكة، والأخرى كذلكم أيضًا، سادسًا، في الرد على من زعم بوجود أمير، أمير الدعوة، أو ما يسمى بأمير الحضر: أنه من المعلوم، ومن المعروف، باب الجماعات: ما من جماعة إلا ولها أمير. فجماعة الإخوان لهم أمير، والقطبية لهم أمير، وجماعات التكفير لهم أمير، حتى التبليغ عندهم أمير، طيب من الذي أنا أدخل وأجعله أميرًا لي؟ هذا أم هذا؟ ذاك أم ذاك؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا بويع لخليفتين فاقتل الآخر منهما، من هذا الذي سنقضي عليه؟ لابد تصفى الساحات من الأمراء. فإن قالوا: لا، الأمر سهل، ما في شيء، تريد أن تتدع من هذا، ولا عند هذا، ولا عند هذا، سهل، افعل ما شئت، المجال المفتوح، نقول: سبحان الله، بهذه السهولة عندكم، بهذه السهولة عندكم. أن الناس يرشحون من شاء، ومن أرادوا، مع أن من الغريب العجيب: أن بعض الحزبيين عندما يقول لهم: هل لك سمع وطاعة لولي أمرك؟ يقول: لا، ما عندي سمع ولا طاعة. أتدري ما حجتهم؟ ولست في مقام ذكر هذا، الحجج المقام يطول، لكن من باب أن الشيء بشيء يذكر: أن بعض هؤلاء الذين امتنعوا عن طاعة ولاة الأمور، قالوا: أن الطاعة إنما تكون للإمام الأعظم، الموحد للأمة الإسلامية. أما الآن الأمة تفرقت إلى حكام وإلى ولاة وإلى أمراء، أحنا ما ننزل إلى حكم أحد، نقول: سبحان الله، والآن في باب الإمارة، ويدون عندكم عادي، تتوزع الأمارات كيف شاءوا، عادي، هنا أمير، هنا أمير، هنا أمير، لأي جماعة أمير، عادي، تبايع هذا، تبايع هذا، تبايع هذا. سبحان الله، يعني في الأمر المشروع الشرعي، تمانعون، وفي الأمر البدعي تتساهلون، لكن تطبس القلوب والأبصار عند أهل الأهواء. فالشاهد أن الرد السادس على من أجاز الإمارة في الحضر: أنهم فرقوا الأمة تحت ما يسمى بالطاعة لأمراء الحضر. سابعًا: أختم به هذا المقام، في مسألة الإمارة، من باب الفائدة، هم يستدلون كذلك من استدلالاتهم في الإمارة على الحضر، بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولبن شوكاني. وأنا أسرد لك عبارة الشيخين، لأنك إن خط معهم سيستدلون بأقوالهم عليك، ما هي عبارة شيخ الإسلام؟ وما عبارة الشوكاني؟ وتأملوا فيها. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: هو يتحدث عن حديث الثلاثة، إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فإذا كان قد وجب في أقل الجماعات، وأقصر الاجتماعات، أن يولى أحدهم، كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك. انتبه لكلمة: كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك، كما قلنا: إذا كانت الإمارة واجبة في سفر، في عدد قليل، في مدة يسيرة، فهو في العدد الأكثر، واجب، لا بد من الإمارة، هذا استدلالهم. يعني قلنا: شيخ الإسلام يجيز الإمارة في الحضر، قول الشوكاني رحمه الله تعالى: وَإِذَا شُرِعَ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ فِي فَلَاتٍ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ يُسَافِرُونَ فَشَرْطِيَتُهُ لِعَدَدٍ أَكْثَرٍ يَسْكُنُونَ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَيَحْتَاجُونَ لِدَفْعِ الْمَظَالِمِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ أَوْلَى وَأَحْرَى. نفس الكلام، نفس الكلام، الشوكاني يأتي بنفس السياق: أنه إذا كان الإمارة واجبة في السفر، إذا شرع لثلاثة يكونون في فلات من الأرض، فشرعيته، أي شرعية الإمارة، لعدد أكثر، يسكنون القرى والمدن، أولى وأحرى. هم يستدلون بهذا من كلام شيخ الإسلام، من كلام الشوكاني، على أن هؤلاء الأئمة أجازوا الإمارة في الحضر، وهل الكلام هكذا؟ الجواب: لا، لا، الكلام ليس هكذا. ارجع لكلام الشوكاني في نيل الأوطار، وارجع لكلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، الكل يتحدث عن ماذا؟ الكل يتحدث عن الإمامة الكبرى، يتحدثون حول حكم نصب إمام للمسلمين. وأن نصب إمام للمسلمين هذا واجب عقلًا وشرعًا، وأخذوا يدللون على الأدلة الدالة على أن لابد للمسلمين من إمام يحكمهم، مما استدلوا به، هذه المسألة استدلوا: إذا كان الناس في سفر، مدة يسيرة، وفي عدد قليل، ثلاثة، ألزمهم الشرع بأن يتخذوا أميرًا، أليس من باب أولى وأحرى إذا كان المجتمع، وهم أكثر عددًا، وأطول استقرارًا، أليس بحاجة إلى إمام؟ إمام ليس أمير دعوة، انتبه، هذا من التلاعب بالألفاظ، ومن العبث بأقوال العلماء، فكن على بينة يا عبد الله من هذا الاستدلال. هذا خلاصة ما أذكره إخواني في الله حول مسألة ما يقال عنها مسائل الإمارة، وكما قلنا: هذه المسائل موجودة عندهم في تنظيمهم، وما تكاد تجد تنظيمًا إلا وفيه. لكنهم يتفاوتون يتفاوتون في هذا، وأذكر فيما أذكر: كنت مع أحد المشايخ من مشايخ اليمن، وهو شيخ البراعي، أذكره حافظه الله، جمعني به مجلس، فتذاكرنا حول موضوع الأمير للحزبيين في اليمن. من يا شيخ؟ فكنت اخترت شخصًا منهم، من دعاتهم، فقال له يا شيخ: هذا أنا أرى أن هذا هو أميرهم في اليمن، فقال لي: ما فأذكرت له دلالات كانت عندي، بأن هذا هو الكبير، وهو أمير الحزبيين عندنا في اليمن. فعارض الشيخ حافظه الله، قال: لا، ولما سألته: لما؟ فذكر فائدة، قال: أن الأمير عندهم يكون مخفيًا، لا ظاهرا، وهو قول وجيه، وهو قول وجيه. قال: يكون مخفيًا، وهذا يرجعنا إلى ما ذكرنا، ما ذكرنا: أن أميرًا ما من جماعة، وإلا هم يخفونه، يبقى فقد يتلقون الأوامر، طبعًا، فائدة هذا الأمير: إصدار الأوامر، ليس فقط أمير هكذا، لا، بل أمير يسمع ويطاع، يسمع ويطاع. إذا قال قولًا، نفذ، بماذا؟ الأمير حكم له، تجد ما يكون من العمليات الانتحارية، أو التفجير، أو القتل، أو الاغتيالات، تصدر بأمر من أمير الجماعة، وإذا صدر الأمر لا يرد. وكما قلنا: يستدلون بقوله عليه الصلاة والسلام: من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، انظر يا عبد الله كيف من خلال هذه المسألة التي تلاعبوا بها بالأدلة الشرعية، أنهم أحكموا القبض على كثير من أتباعهم. لكن بالعلم يا عبد الله، وبالفقه، تعرف كيف ترد على أمثال هؤلاء. ننتقل الآن إلى المسألة الثانية من المسألة التي تدخل في التنظيم البدعي عند الجماعات، وخاصة عند جماعة الإخوان، مسألة البيعة، مسألة البيعة، وهي تتبع مسألة الإمارة. إذا اتخذوا لأنفسهم أميرًا من الأمراء، فإنهم يتتابعون إلى بيعته، يتتابعون إلى بيعته، حتى جاء أن من أركان تنظيم الإخوان الأركان العشرة، ومنها البيعة، لا بد البيعة، لا تدخل في تنظيمهم إلا إذا كانت لك أو في عنقك بيعة لأميرهم. تقول زينب الغزالي: قال كنت داخلة أو كنت ذاهبة إلى صالة دار الشباب لإلقاء محاضرة، والتقيت بالأستاذ البناء، فقلت له: ونحن نصعد الدرج، اللهم إني أبايعك على العمل لقيام دولة الإسلام، وأرخص ما أقدم في سبيلها دمي. فقال: وَأَنَا قَبِلْتُ الْبَيْعَةَ، وَأَنَا قَبِلْتُ الْبَيْعَةَ، طبعًا ذكرت هذا في كتابها أيام من حياتي، لزينب الغزالي، أيام من حياتي، تأمل هذا فقط، نموذج من اعترافاتهم في كيفية أخذ البيعات بكل سهولة. يأتون إلى المرشد والمؤسس، ومن ينوبه من أفراد هذا التنظيم، ثم يبايعونه، طبعًا هم يستدلون بهذا المقام بمقام البيعة، بأدلة، بأدلة عامة، وأدلة خاصة، كالأدلة الدالة على ضرورة العهد والميثاق. مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وأن هذا من العهود التي ينبغي للمسلم إذا أبرمها، وأن هذا من باب التعاون على الخير. مثل أنا وبايعك، أنا وإياك يا أخي، خلاص، لابد أننا نقوم بما يرضي الله عز وجل، فهو يحلف، وأنا أحلف، ونمشي قدمًا، ولا يردنا شيء في سبيل إصلاح الأحوال، وإلى غير ذلك. يرون أن هذا من الاتفاقيات بين الصالحين في مسألة ماذا؟ في مسألة الزود عن الدين، وأيضًا لهم استدلالات ببعض الوقائع الخاصة، كما وقع لبيعة ابن الأشعف، ونصر الخزاعي، إلى غير ذلك. الرد إخواني في الله على مسألة أخذ البيعة بالنسبة للأدلة التي يستدلون بها على وجوب الوفاء بالعقود والعهود، فنقول: هذه العقود والعهود إذا أبرمت هي في الحقيقة تكون بين طرفين، بين طرفين يتعاهدان. أنا وإياك، شرائك، خلاص، تعاهدني، وأنا وعاهدك، بأننا بإذن الله إذا رأينا شيء منكر، أنا ناسًا نمنع، وأننا بيني وبينك، هذا العهود والعهد الذي يكون بين المسلمين إذا تعاهدوا على أمر ما. لكن لو نظرنا في البيعة المبرمة في هذا التنظيم الحزبي، لا هي ليست بين طرفين، لا، بل هي الطرف واحد، الفرد، الفرد هو الذي يبايع فقط، فقط، أما هذا الأمير، هم لا يبايعك، لأنه قد بايع الذي فوقه، بايع الذي فوقه، والذي فوقه قد بايع الذي فوقه، وهكذا. الكل سلم هرمي، فهي في الحقيقة ليست عقود عهود تعاونية، نتعاون عن الخير، لا، بل هي عهود وعقود للخلافة، كما تُعطى للأمراء، كما يُنصب أمير، يُبايع هذا الأمير على السمع والطاعة، إلى آخر ذلك. فلا ينخذ أحد باستدلالهم بهذه الآيات العامة، ففرق بين البيعات الموجودة عند الإخوان، وفي التنظيم، وبين العقود والعهود الذي أمر الله بإيفائها. الثاني مما يُرد عليهم: أن الوقائع التي استدلوا بها هي حوادث أعيان، أولًا حوادث أعيان، وأيضًا صارت هذه البيعات مع أناس لم تكن أثقة بهم كاملة، لم تكن أثقة بهم كاملة. فأراد طرف من الأطراف أن يستوثق لنفسه، أن يستوثق لنفسه من هؤلاء، فأبرم البيعة، أبرم البيعة بينهم وبينهم، استوثاق لنفسه. أهذا الذي صار، أهذا يقاس بهذه الجماعات؟ لأن هذه الجماعات إنما تأخذ البيعة لمن وثقت منه، عند الفرق، لمن وثقت به، تجد أن هذا التنظيم عنده مئات أو آلاف من الأتباع، ما يبايعون أحد حتى يرون هذا المخلص، المخلص، والمتفاني، هذا يختارونه. تعال عكس بين الوقائع الذي قد وقعت، وأرجع للتاريخ، ولست الآن في مقام صدد هذه الوقائع الذي وقعت، وأقوال العلماء فيها، لكن باختصار: إذا استدلوا علينا بمثل هذه الوقائع، قل: انظر إلى هذه الوقائع، إنما أقيمت الاستوثاق للنفس. بينما هذه التي تفرضها الجماعات هي في الحقيقة ليست مثل تلك، وإنما هي شراء الذمم لمن كان مخلصًا معهم. الأمر الثالث: أن من خطأ هذه البيعات أن فيها تكليف لما لا يطاق، أن فيها تكليف لما لا يطاق، مثاله: بيعة الإخوان المسلمين، ما هي البيعة؟ وما هي صيغتها؟ هي: أعاهد الله العظيم على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين، والجهاد في سبيلها، والقيام بشرائط عضويتها، والثقة التامة بقيادتها، والطاعة في المنشط والمكره، وأقسم بالله العظيم على ذلك، قال: وأنا عليه، والله على ما أقول وكيل. هذه صيغة، طبعًا فيه صيغة أخرى تختلف من بلاد إلى بلاد، في مصر، في الأردن، في اليمن، متقاربة، أقسم بالله العظيم على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين، والجهاد في سبيلها، والقيام بشرائطها، وشرائط عضوتها، والثقة التامة بقيادتها، والطاعة والطاعة في المنشط والمكره، وأخسم بالله العظيم على ذلك، وأنا عليه، والله على ما أقول وكيل. هذه نقلها محمود عبد الرحيم من أحد أعضاء جماعة الإخوان، وهناك بيعات أخرى جاءت عن بعض أصحاب الجمعيات، وقد نقلها الشيخ البرعي حفظه الله تعالى في كتابه التأسيس لنقض التلبيس. ذكر أن بعض الجمعيات، صحاب الجمعيات، وهي الحزبية المغلفة، أن بعضهم أبرم مبايعة مع زعماء تلك الجهة، وذكروا لها أن من قسمهم أنهم قالوا: أقسم بالله العظيم أن أكون متمسكًا بكتاب الله، وسنة رسوله، على نهج السلف الصالح، وأن أناصر أصحاب هذا المنهج أينما كانوا. تأمل الآن في هذه الصيغ من صيغ البيعات المأخوذة في هذه الجماعات الحزبية، الظاهرة أو الحزبية المغلفة، تجد أن هذه البيعات هي في الحقيقة على خلاف البيعات التي جاءت في شرع الله. وجه الخلاف: أن ما جاء في شرع الله إنما هي بيعات مخصصة محددة، تأمل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. كم عدد البيعات؟ كم عدد الأشياء؟ نحصرها: عدم الشرك، عدم السرقة، عدم الزنا، عدم القتل، عدم البهتان، محددة، تأمل في قوله عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جرير، قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وأن أنصح لكل مسلم. تسير على هذا المنوال، أعمال مخصصة محدودة، لكن تأمل الآن، وارجع إلى بيعات التيارات والجماعات، على ماذا بايعوا؟ على الدين كله، تبايع على الدين كله، كيف هذا؟ من ذا الذي يقوى على أن يعاهد الله على القيام بالدين كله؟ هل تعرفون إخواني في الله ما هو مغبة هذا؟ لأن من دخل في البيعات حسب حسابه، والله لما بايع، سواء سميتها بيعًا أو سميتها عهدًا على ما تريد، لكن بايعت على هذا اللفاء الفاض، وعاهد الله، وبايع على الدين كله، على القيام بالدين كله. معنى أنك ملزم بالأداء، فأي مخالفة، وهذا المتوقع، أنت بشر، ما أنت ملك، ما أنت معصوم، فأي مخالفة تحصل منك، فإنك تأثم، ضعف، ضعف، وجه الضعف: أنك إذا وقعت في مخالفة، أولًا إثم المعصية الذي ارتكبتها، والإثم الثاني إثم أنك خالفت العهد، خالفت العهد الذي خطعته على نفسك، بأن تنصر الدين، وأن لا تخالف شرع الله. فالمخالفة عندك بخلاف غيرك، فلو أن هذا إنسان، وذاك إنسان، هذا بايع، وهذا ما بايع، الذي ما بايع وقع في إثم، إثمه واحد، لكن هذا الذي بايع إثمه مضاعف. هل تصوروا ما الذي أقحم أنفسهم به؟ لكنه الجهل بدين الله جل في علاه. رابعًا: مما يذكر في مسألة ضحض مسائل البيعة المزعومة التي يقيمها تقيم هذه الجماعات فيما بين رؤسائها مع أفراد تنظيمها: أن أمر البيعة الذي يستدلون به أمر مضيق، أمر مضيق، وليست متاحة مطلقة لكل أحد. وهنا تأتي مسائل: من الذي يقوم بأخذ البيعة؟ من الذين تأخذ عنهم البيعة؟ متى تأخذ البيعة؟ هذه أشياء محيرة. أذكر فيما أذكر: أن بعض الجماعات، وأذكر كذلك عن جماعة الإخوان في بعض الأقطار: أن البيعة مراسيم البيعة تحصل في غرف مظلمة، تحصل في غرف مظلمة. هذا الذي استوثقوا منه، ووصل إلى مرحلة من الإخلاص، وعلموا أنه سيتفان، يدخلونه في غرفة مظلمة، يكون في الطرف الآخر رجل لا يرى وجهه، وإنما يسمع صوته، فيعطى له منشور، فيقرأ البيعة: بأني وبأني أبايع، بأني بأني كذا. فيقال له: يسمع صوت: قد بايعناك، فيخرج، فيخرج ويرى أنه الآن قد أصبح من المقربين في هذا التنظيم، طيب من هذا؟ الله أعلم به، وجاهل. خامسًا: كذلك من مفاسد مسألة البيعات: أن فيها إدخال بيع على بيع، إدخال بيع على بيع، لأنه ما من مسلم يعيش في بلاد أهل الإسلام إلا وله بيع لولي أمره، علمت بهذا أو لم تعلم. لأن البيعة أخذت على أهل الحل والعقد، وأنت تبع، وأنت تبع، فكونك مع بيعتك لولي الأمر، تأخذ بيعة أخرى، هذا نوع من أنواع الخروج. يقول علامة نعثيمين رحمه الله تعالى، متحدثًا عن هذه البيعات: قال رحمه الله تعالى: البيعة التي تكون في بعض الجماعات، البيعة التي تكون في بعض الجماعات، بيعة منكرة، شاذة، بيعة منكرة، شاذة. لأنها تتضمن: أن الإنسان يجعل لنفسه إمامين، وسلطانين، الإمام الأعظم الذي هو على جميع البلاد، والإمام الذي بايعه، سيجعل له