الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع تفسير الآية الكريمة ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، حيث يبين أن مجيء الله تعالى يوم القيامة هو مجيء حقيقي يجب إبقاءه على ظاهره. يؤتى بجهنم يوم القيامة بسبعين ألف زمام يجرها سبعون ألف ملك.
يتحدث المقطع عن مشهد يوم القيامة حيث يتذكر الإنسان الكافر تفريطه في الدنيا ويندم على عدم الإيمان والعمل الصالح. يصف الندم الشديد الذي يصيب الكافرين حينها وتأثيره عليهم.
يؤكد على أهمية التوحيد والفرائض في حياة المسلم، ويشير إلى سهولة أداء هذه الفرائض مثل الصلاة والزكاة والحج والعمرة. يوضح أن الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة وليست الدنيا.
يختتم الشيخ الدرس الحالي ويعد بالاستمرار في الدروس القادمة، ويتوجه بالدعاء إلى الله أن ينفع بما قيل في الدرس.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في قول الله جل في علاه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وجاء ربك، أي أمره. وأشرنا إلى خطأ هذا التفسير، وأن هذا هو التأويل بعينه، والذي ينبغي في تفسير كلام الله جل وعلا إبقاء اللفظ على ظاهره، فها هنا أسند الله عز وجل المجيء إلى نفسه، فيبقى الأمر كما هو. قال: والملك، أي الملائكة، وهنا الملك اسم جنس بمعنى الملائكة، ليس ملك واحد، أي جنس الملائكة. قال: أي الملائكة صفًا صفًا، قال: حال، أي مصطفين أو ذوي صفوف كثيرة. وهذا المجيء إنما يتحدث عن يوم القيامة، فيأتي ربنا جل في علا إلى فصل القضاء بين العباد، وتأتي أيضًا الملائكة. فكل الملائكة تنزل إلى الأرض لحضور هذا المشهد، وهنا وصفهم ربنا عز وجل بقوله: صفًا صفًا، وهذا الوصف كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى يحمل على أنه حال من هيئة اصطفافهم، أي أنهم مصطفين، أي أنهم متراصون. وهذا كما يقول بعض العلماء: يأتون صفًا واحدًا صفًا واحدًا. قال: أو ذوي صفوف كثيرة، وأكثر العلماء يذهبون إلى هذه الصورة الثانية في هيئة نزول الملائكة يوم القيامة. فالمشهد أن يوم القيامة يهيئ الله عز وجل الأرض لكي تكون ساحة للحشر والنشر والعرض، تتهيأ الأرض وتتغير، إذا الأرض مدت، فحين تتغير الأرض تتغير المجريات، تتغير الأحداث، تتشقق السماء، تنزل الملائكة، الناس يحشرون إلى أرض المحشر، الكل يحشرون، وأعني بالكل جميع البشر من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كل بشري يكون في أرض المحشر، ومعهم الجن، ومعهم الدواب من البهائم والحيوانات، كل هؤلاء يحشرون، ثم تنزل الملائكة، نزول الملائكة يكون حولهم، يحفون الخليقة. فعلى قول جماعة من أهل العلم: أن أول ما ينزل الملائكة في السماء الأولى تنزل، يحفون، يتراصون صفوفًا حول المخلوقات، ثم بعد ذلك السماء الثانية تنزل ملائكتها إلى الأرض وهم حولها، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، وهكذا. قال: وجاء ربك، أي أمره، والملك، أي الملائكة صفًا صفًا، قال: أي حال مصطفين أو ذوي صفوف كثيرة. وجيء يومئذ بجهنم، قال: تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام بأيدي سبعين ألف ملك، لها زفير وتغيظ. وأيضًا مما يؤتى ويجلب إلى الناس الجهنم، جهنم يؤتى بها، وذلك بنص القرآن: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. يؤتى بها يوم القيامة. هنا المؤلف رحمه الله تعالى أفاد لنا وصفًا بأنها يؤتى بها وملائكة يجرونها، وهذا الوصف جاء به المؤلف رحمه الله تعالى بما صحت به السنة، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم. في صحيح مسلم: أنه يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، والزمام هو الشيء الذي يربط ويشد، فتكون الجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، أي أماكن يشدها ملائكة، الله أعلم بكيفية وهيئتها. قال: من قبل سبعين ألف ملك، هذا الزمام الواحد، الزمام الثاني بالمثل سبعين ألف ملك، وهكذا. قال: لها زفير وتغيظ، كما قال ربنا: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. أن يؤتى بجهنم بهذا الوصف، ويكذلك تتغيظ حنقًا وغضبًا لمن علمت منهم الكفر والمروق عن الدين، هذا إذا رأتهم، فما ظنك إذا حل داخلها، كيف سيكون أمره وحاله. قال: يومئذ، قال: بدل من إذا، وجوابها، أي بدل من إذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. هنا إذا دكت الأرض دكا دكا، ما الذي سيصير في هذا اليوم؟ يومئذ، قال: يتذكر الإنسان، قال: أي الكافر. وذكرنا القاعدة الأغلبية على أن لفظ الإنسان في القرآن المكي غالبًا ما يأتي بمعنى الكافر. قال: يتذكر الإنسان، أي الكافر، ما فرط فيه، أي في هذه المواطن، إذا أخرج من قبره ونظر إلى ساحة الحشر وحشر مع الناس، ونزلت الملائكة، وجاء الرب عز وجل، وجيء بجهنم، هنا يتذكر الإنسان. قال: يتذكر الإنسان، أي الكافر، ما فرط فيه، أي ما وقع من تفريطه في جنب الله جل وعلا. قال: وأنا له الذكرى، قال: استفهام، لأن أن في اللغة العربية تأتي بعدة معاني، من معاني أن تأتي شرطية وتأتي كذلك استفهامية، وهنا جئ بها للاستفهام. وأن له الذكرى، أي استفهام، قال: بمعنى النفي، وحمل العلماء: أن له الذكرى، أي كيف تنفعه الذكرى في هذا الموقف؟ هذا قول، وقيل: أن له الذكرى بمعنى أين له الذكرى؟ والذكرى هنا بمعنى التوبة، أين له التوبة في هذا اليوم؟ وقد انتهت الآجال وقضت الأعمار وانتهت الدنيا بما فيها. فاليوم جزاء لا عمل، فمهما تندم ومهما عض على أصابع الندم فلن ينفعه شيء. قال: يقول مع تذكره: يا ليتني قدمت الخير والإيمان. هنا يأتي التندم، ليس فقط أنه يتذكر ما مضى من تفريطه، بل يتكلم ويتندم ويتحسر. فمن أعظم ما يتندم به ما كان من تفريطه الديني الشرعي، الأعمال الطاعات، ما قصر به في حق ربه وفي حق العباد. هنا يأتي الندم، لا يتندم الإنسان يومئذ عن الدنيا وما فيها من القصور والدور ومن الذهب والفضة والمتاع، كل ذلك متاع زائل سينهد ويزول وينعدم، حينها تبقى الحقائق، وهو الدار الآخرة. فيتندم الإنسان ويتحسر، ليس فقط تندم فكري، بل كذلك لفظي: يا ليتني، وكم وكم من الأسى والحسرات التي يتلفظ بها الكفار حينها: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ليتني قلت لا إله إلا الله، لعلي أرجع أعمل صالحًا فيما ترك. تكثر التندم، ولهذا العاقل العاقل الذي يستدرك ويعلم أن الله عز وجل أعطاه بره من زمنه، كهذه الدنيا بينك يا عبد الله وبين الموت، الله أعلم بالآجال، قد تكون سنوات، وقد تكون أيامًا، وقد تكون دقائق، فاستغل يا عبد الله كل لحظة من لحظات حياته. قد من الله عز وجل علينا بهذه الأعمار وبكثرة الأعمال، كثرة الأعمال، احرص أعظم ما تحرص عليه على توحيد الله، هو القمة في العبادات والطاعات، فليكن توحيدك لله صافيا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، أتيتك بقرابها مغفرة. توحيد، احرص على التوحيد، وبعد التوحيد احرص على الفرائض، على الصلوات الخمس، على صيام رمضان، على أداء الحج والعمرة، وعلى أداء الزكاة، يا من أنت من أهل الزكاة، احرص على الفرائض. فإنه من أعظم المنازل بعد توحيد الله جل في علاه، وبعد ذلك انظر ما تستطيع عليه من أعمال الدين، سهل الدين سهل، والطلبات ميسرة، وليس في ذلكم عنت ولا مشقة، ما جعل الله علينا في الدين من حرج. ما أسهل التوحيد، هو أمر فطري، بل هو حق الله على جميع العبيد. وما أسهل الفرائض، كم أسهل الفرائض؟ تأخذ من وقتك، انظر يا عبد الله إلى الصلوات الخمس كم تأخذ؟ لا شيء. وانظر إلى زكاة المال، يا من بخلك بمالك، كم تأخذ منك زكاة المال؟ ربع العشر، تخيل لو أن عندك مثل هذه السواري عشر سواري، هذه أموالك السارية الأولى خذها لك، الثانية خذها لك، الثالثة خذها لك، كله خذه لك، السارية الأخيرة، السارية الأخيرة ليس كلها، لا وليس الشطر، ربعها ربعها هذه لله، والبقية لك، هذه زكاة الله الذي يطلبها منك، هل تضرك في مالك شيء؟ لا شيء. وأما الحج والعمرة، فما أسهلها في العمر كله مرة واحدة، ومع هذا كله تجد أن من الناس من لربما ما يصلي، ومنهم من لا يزكي، ومنهم من لم يحج ولم يعتمر قط، أليس هذا الشقي؟ وقد صدق النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالِكٌ»، صحيح، ما يهلك على الله إلا هالك. إذا كان بهذا اليسر وضيعت على نفسك يا عبد الله الخساء الخسارة، فأنت من أهل الخسارة، أنت الذي جنيت على نفسك. فالشاهد أن الله عز وجل يذكر عن حال الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال: الطيبة في الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، وهذه الآية محل خلاف. ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، ما المقصود بالحياة ها هنا؟ على قولين اثنين، إما لحياتي، أي الحياة الماضية، يعني يتندم الكافر يقول: يا ليتني قدمت في حياتي السابقة، اللام تكون بمعنى الظرفية، أي في حياتي السابقة. يا ليتني عمرت بالطاعات وما فرطت في جنب الله، يتندم على ما مضى من حياته، هذا المعنى الأول. أو قدمت لحياتي، المقصود بالحياة الأخروية، فيكون اللام هنا للتعليل، يا ليتني قدمت لأجل حياتي، أي قدمت من الأعمال الذي تنفعني في حياتي. وبهذا إشارة، وهذا أكثر المفسرين يميلون إلى هذا القول الثاني، أي أن الكافر يتندم على أنه ما قدم شيء لحياته القادمة. وبهذا تعلم يا عبد الله أن الحياة الحقيقية ما جاءت إلى الآن، الحياة الحقيقية ما جاءت، ما نحن فيه له كما وصفه ربنا عز وجل: متاع قليل، هذا الذي نحن فيه، ابتلينا بهذا المتاع، وضعنا بسم الله السلام والعافية. أما الحياة، الحياة هي ستأتي، على هذه الآية ستأتي، وإن الآخرة هي الحيوان، أي الحياة الكاملة ستأتي. ولهذا العلماء عند هذه الآية: يا ليتني قدمت لحياتي، على قولين اثنين، قدمت لحياتي، أي السابقة، فيكون اللام للظرفية، أي يا ليتني قدمت في حياتي الدنيوية السابقة، وما ضيعت فيها من شيء. أو يا ليتني قدمت لحياتي الأخروية يوم القيامة، وما سيأتي، يا ليتني قدمت فيها الأعمال الصالحة التي تنفعني. طيب نقف إلى هذا الحد، ونواصل بإذن الله في درس قادم ما يتعلق ببقية الآيات. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.