الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع الأول تفسير آية من سورة الفجر وفقًا لتفسير الجلالين، حيث شرح معنى الآية المتعلقة بعذاب الله للكفار وأنه لا أحد يعذب مثل تعذيبه.
وصف المؤمن الموحد بأنه يجد الأمن والأمان في قلبه، ويتمتع براحة البال وسكون النفس وهدوء البال، حتى في أوقات الشدة، وأن الله يطمئن نفس المؤمن عند الموت ويوم القيامة.
ناقش المقطع تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالنفس المطمئنة، حيث رفض تفسير ابن جرير الطبري وأيد تفسير الجماهير بأن الرجوع إلى الله، وشرح معاني "راضية مرضية" و "فادخلي في عبادي وادخلي جنتي".
أوضح أن إضافة الله الجنة إلى نفسه يدل على شرفها وعظيم ما فيها، ثم ختم بالتأكيد على انتهاء تفسير سورة الفجر والانتقال إلى الموجز منها في اليوم التالي بإذن الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه السورة، في سورة الفجر، ومع تفسير الجلالين، وصلنا عند قول الله جل في علاه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "فيومئذ لا يعذب بكسر الذال عذابه أي الله أحد، أي لا يكيله إلى غيره، وكذا لا يوثق بكسر الثاء وثاقه أحد". وفي قراءة بفتح الذال والثاء، فضمير عذابه وثاقه للكافر، والمعنى لا يعذب أحد مثل تعذيبه، ولا يوثق مثل إيثاقه. في هذه الآية الكريمة، أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى قراءتين تقرأ بهما، الأولى بكسر الذال والثاء: "يعذب ويوثق"، ويكون الضمير يعود إلى الله جل في علاه، فقال رحمه الله: "أي لا يكيله إلى غيره". فمعنى هذه الآية: "فيومئذ" أي الكافر ما به لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، أي ليس هناك أحد سوى الله هو الذي سيعذب هؤلاء، فما هناك عذاب كعذاب الله، وما هناك وثاق كوثاقه جل في علاه. فسبحانه وتعالى هو الذي سيعذب الكفار العذاب الأسرع والسرمدي الأبدي، سيعذبهم الله العذاب الأكبر. هذا على قراءة الكسر للذال وللثاء: "يعذب يوثق". وتقرأ هذه الآية على قراءة أخرى كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى بالفتح: "فيومئذ لا يعذب ولا يوثق"، ولا يوثق بالفتح، هنا سيتغير الضمير ويكون الحديث عن من؟ عن الكافر. ويكون معنى الآية بأن ما هناك أحد أشد تعذيبًا من الكافر، فالكافر سيجد عذابًا لا يجده أحد سواه، وأن الله عز وجل سيوثقه وثاقًا ما يوثقه إلا هو وسواه. فهنا يتغير الضمير إلى الكافر، فيجد أن الكافر لأن جهنم فيها كثير من المعذبين يعذبون من الكبائر والمظالم، لكن من أشدهم تعذيبًا الكفار، فيجد أن الله عذبه العذاب الأكبر، وأوثقه الوثاق الأغلب بالسلاسل والأغلال والأنكال. فعندي في هذه الآية قراءتان، إما بالكسر وهي التي عليها قراءتنا: "لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد"، الخطاب لله، بأن الله عز وجل هو الذي سيعذب الكفار. وعلى قراءة الفتح: "يعذب ويوثق" بمعنى الكافر، فيعلم حينها أنه من أشد الناس عذابًا ومن أشدهم إيثاقًا. قال رحمه الله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة"، قال: "الآمنة وهي المؤمنة". يا أيتها النفس المطمئنة، الخطاب لنفس المؤمن، وصفها الله عز وجل بهذا الوصف العظيم: "الإطمئنة"، لأن الأصل في حال المسلم في هذه الدنيا أن يكون آمنًا مطمئنًا، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾. فالمؤمن الموحد يجد الأمن والأمان في قلبه وفي صدره، حتى أن من العلماء في قول ربنا عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، اختلفت كلمة العلماء في الحياة الطيبة الذي يجدها المؤمن في هذه الدنيا، وتدور تفسير العلماء على أن الحياة المطمئنة التي يجدها المسلم في هذه الدنيا ما يجده من راحة القلب وسكون النفس وهدوء البال وطمأنينة الحال، هذه أعظم نعمة يجدها أهل الإسلام. فنفوسهم مطمئنة، فهم في كل أحوالهم على أحسن حال، كما قال عليه الصلاة والسلام: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكرًا فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبرًا فكان خيرًا له". هكذا المؤمن أينما قلبته، على أي حال في السراء والضراء كان على خير مقام، لا تصخيط، لا جزع، لا هلع، ما عنده شيء من ذلك، نفسه مطمئنة. حتى قال بعض السلف: "نحن في نعمة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف". ما هي هذه النعمة؟ راحة البال. فالمؤمن عنده من راحة البال وسكينة النفس وطمأنينة القلب ما يجدها أحد سواه. فلما كان هذا هو الوصف الغالب، وصف الله جل وعلا بها نفوس أهل الإيمان، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، قال: "الآمنة وهي المؤمنة". قال: "ارجعي إلى ربك"، قال: "يقال لها ذلك عند الموت"، والصحيح أعم أن هذا النداء يقال للنفس عند الموت ويوم القيامة كما أشار إلى ذلك المفسرون. قال: "يقال لها ذلك عند الموت"، أي: "ارجعي إلى أمره وإرادته"، أي أن النفس تعود إلى الله. "ارجعي إلى ربك"، وتأمل أن الرجوع إلى لفظ الرب سبحانه، أي تهى النفس: "ارجعي إلى من رباك وإلى من أحسن إليك وإلى من اعتنى بك". "ارجعي إليك لن يخيب سعيك أبدًا لن يخيب". فذكر ربنا عز وجل في هذا المقام بمقام الربوبية: "ارجعي إلى ربك". قال: "أي ارجعي إلى أمره وإرادته"، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. وهناك تفسير آخر أن الرب هنا بمعنى الجسد، وأن معنى الآية أن الله عز وجل يوم القيامة يرسل الأرواح إلى الأجساد، يرسل الأرواح إلى الأجساد لكي تنهض ليوم القيامة ويوم المعاد، رجوع الأرواح إلى الأجساد، هنا سمي الجسد رب: "ارجعي إلى ربك"، "ارجعي إلى صاحبك"، "ارجعي إلى صاحب الجسد". هذا قول قال به جماعة، نُقل عن الضحاك، وهكذا عن عكرمة، ويذكر أيضًا عن ابن عباس، لكنه من طريق العوفي، وهو متكلم فيه. واختار هذا القول أيضًا الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله، إلا أن هذا القول ليس بصواب، حتى أن ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عندما ذكر هذا القول: "ارجعي إلى ربك"، أي: "ارجعي إلى جسد صاحبك"، وذكر أن هذا اختيار ابن جرير، وهو غريب، وهو غريب، أي السياق ما يقتضي هذا، لأن "ارجعي إلى جسد صاحبك" هذا الرجوع لكل نفس، لكل روح، للمؤمن والكافر، ونحن الآن في سياق ماذا؟ النفس المطمئنة. ولهذا كما قال ابن كثير رحمه الله أن هذا التفسير غريب، والصحيح ما عليه الجماهير، جماهير المفسرين على أن الآية كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: "الرجوع إلى الله". ثم قال سبحانه: ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَةً﴾، قال: "راضية بالثواب مرضية عند الله بعملك"، أي جامعة بين الوصفين، وهما حالان، أي وصف الله عز وجل هذا الوصف يوم القيامة بأنها راضية وأنها مرضية. راضية أي أنها راضية بالثواب، راضية بما تجده من ربها سبحانه وتعالى من الإكرام والإنعام، راضية. وكذلك مرضية، بمعنى أن لها محل رضا من ربها عز وجل، فراضية هي النفس الذي انبثق منها فعل الرضا راضية، وأما المرضية هو الذي وقع عليها فعل الرضا، فهي راضية مرضية فاعلة للرضا وقع عليها الرضا، فهي حالان لهما. قال: "ويقال لها في القيامة فادخلي في عبادي وادخلي جنتي". ويقال لها في القيامة، وكذلك قال جماعة من المفسرين كالإمام السعدي، قال: "وكذلك عند احتضارها". قال: "فادخلي في جملة عبادي الصالحين"، أي هذا معنى: "فادخلي في عبادي"، معنى "فادخلي في عبادي" على تأويل حذف مضاف وتقديره: "فادخلي في جملة عبادي". "فادخلي في عبادي"، "فادخلي في زمرة عبادي الصالحين"، هذا الذي عناه المؤلف رحمه الله تعالى في معنى هذه الآية. "فادخلي في عبادي" أي في جملة عبادي الصالحين، أدخلي معهم. وهذا يؤيد ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾، أي في جملة الصالحين، في جملتهم. هذا القول الذي أشار إليه المؤلف: "فادخلي في جملة عبادي". وهناك تفسير آخر وهو كذلك مقبول، أن "في" هنا بمعنى "مع"، على قاعدة أن حروف الجر تتناوب، وأن من معاني "في" أنها تأتي بمعنى المعية، فيكون الآية: "فادخلي في عبادي" بمعنى "فادخلي مع عبادي". وهذا قد أشار إليه بعض العلماء كالبغوي رحمه الله تعالى في تفسيره، وهذا كذلك مقبول، وكل بمعنى واحد. قال: "وادخلي جنتي"، قال: "معهم وادخلي جنتي"، أي الجنة التي أعدها الله للأبرار. وهنا جنة أضيفت إلى الله سبحانه وتعالى، ويسمي العلماء ذلكم إضافة تشريف، إضافة تشريف لبيان عظمة هذه الجنة، والشيء إذا أضافه الله إليه دل على عظمته وعلى قدسيته. ولما قام عبد الله أضاف العبودية إليه لمقامه السامي عليه الصلاة والسلام: "ناقة الله"، إشارة إلى عظمة هذه الدابة. وفي قوله: "جنتي"، أضاف الله الجنة إلى نفسه العلية لبيان شرفها وعظيم ما أعد الله فيها، فقال: "وادخلي جنتي"، ترغيب ترغيب للعاملين أن يتحفزوا للوصول إلى هذه الدار العلية. وبهذا إخواني في الله انتهينا من تمام تفسير سورة الفجر، وبإذن الله في يوم غد كما اعتدنا سنأخذ الموجز لتفسير هذه السورة كاملة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.