الدرس في قصة داود وسليمان في القران 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بعد وفاة موسى عليه السلام، استقر بنو إسرائيل في أرض الشام، ولكنهم تناحروا حول السيادة والملك، فسلط الله عليهم الكنعانيين. ثم طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكًا ليقاتلوا تحت رايته.
اختار الله طالوت ليكون ملكًا على بني إسرائيل، فاعترضوا عليه لفقره، ثم اختبرهم طالوت بنهر الشريعة، فمن شرب خرج ومن لم يشرب بقي معه.
دارت المعركة بين طالوت وجالوت، وثبتت القلة المؤمنة بينما تولى الكثيرون، وانتصر بنو إسرائيل بفضل ثباتهم ودعائهم، وقتل داود عليه السلام جالوت.
الدرس تمهيد لقصة داود عليه السلام، ويتضمن طلبًا للدعاء والتضرع إلى الله، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإن شاء الله في دروس الظهر، ونحن في هذا الموسم الفضيل، في هذا الزمن المبارك الشريف، سنجعله على درسين اثنين: درس في قصص الأنبياء والرسل، ودرس كذلك في التفسير. وهذه الأيام، في يوم السبت والأحد والاثنين، سنخصه حول الكلام حول قصص الأنبياء والرسل، وتحديدًا سنتحدث عن قصة داود وسليمان في صحيح السنة والقرآن. قصة داود وسليمان من صحيح السنة والقرآن، سندخل في قصة هذين النبيين الكريمين، وأهم الأحداث التي وقعت وصارت وتحدثت عنها أدلة الشرع. يبقى سؤال: وهو لماذا الاختيار لهذين النبيين؟ هناك عدة جوانب للاختيار، لكن حسبي أن أذكر أن أذكر بأن هذه السلسلة هي في الحقيقة امتداد للسلسلة العام السابق. من كان معنا كنا قد تحدثنا عن قصة موسى عليه السلام من أول نشأته وغَلَبَته إلى ساعة وفاته عليه السلام، وكانت مرحلة طويلة وفيها الكثير من القصص والعبر والوقائع والأحداث، فناسب أن نذكر قصة داود وسليمان؛ لأنها بعد قصة موسى عليه السلام، لأنه بعد موت موسى بفترة وقعت أحداث، ثم ظهر بعد ذلك داود عليه السلام. ولعل هذه الأحداث سيأتي لها الكلام في مجلس آخر، فالشاهد إخواني في الله هذا سبب الاختيار. والأمر الثاني: الغرض من ذكر هذه القصة أو قصة النبيين، أولًا: التعرف على سيرتهم وعلى حياتهم، وأيضًا كذلك التعرف على ما جاء في القرآن؛ لأن قصة داود وسليمان قد جاءت في مواضع كثيرة من كتاب الله جل وعلا. وهذا الذي سنعول عليه في تتبع الآيات القرآنية، وهذا سيعطينا نظرة حول تفسير الآيات وتفسير الكلمات. وأيضًا أضف، يا عبد الله، وهذا الذي دائمًا نذكره: أننا نحرص على الربط بين الأحداث من بدايتها إلى نهايتها، على حسب ما تقتضيه الحوادث. وقبل الدخول، إخواني في الله، إلى قصة داود مباشرة عليه السلام، أحب أن أذكر أحداثًا مهمة، وهي في الحقيقة أحداث تمهيدية لظهور داود عليه السلام. وهذه الأحداث تتحدث عما تحدث عن بني إسرائيل بعد موسى، لما كانوا في التيه، خرجوا من التيه توجهوا إلى أرض الشام واستقروا فيها. بعد التيه استقروا فيها، وأخذوا فترة من الزمن وهم في بلاد الشام في أرض فلسطين، وكانوا حينها قد قسموا الأراضي هناك، قسموها، وكل عشيرة لها أرض. طبعًا من كان معنا يعرف أن بني إسرائيل كانوا أسباطًا، كانوا أقوامًا، وهم أبناء يعقوب. ذاك يرجع إلى بني لاوي، ذاك يرجع إلى بني يهوذا، ذاك يرجع إلى بني بنيامين، ذاك يرجع إلى بني يوسف، اثنا عشر سبطًا، فكانوا مقسمين في بلاد الشام هنا. بعد مرور الأزمان دب بينهم التناحر حول السيادة والملك والرئاسة لمن؟ أضف إلى ذلك ما كان من بعدهم عن الدين. ذكر جماعة من المؤرخين ما كان منهم من الفجور والطغيان، فبينما هم في هذه الحالة سلط الله عز وجل عليهم أعداء، وهم الكنعانيون يترأسهم ملكهم الجبار وهو جالوت، غزا جالوت بجيشه القوي الفتي على أرض فلسطين، ثم فعل في بني إسرائيل الأفاعيل منها: أولًا: أجلاهم، طردهم. الأمر الثاني: أخذ ديارهم وأموالهم. الأمر الثالث: أسر أبناءهم وأخذ منهم الخلق الكثير أسرى ورهائن. الأمر الرابع: أخذ عليهم التابوت، وأخذ عليهم التابوت الذي كانوا يعتزون به أيما اعتزاز. خرجوا إلى أين؟ خرجوا جنوبًا إلى جهة الأردن، إلى جهة الأردن، وهم قد تشردوا شذر مذر. ما هناك راية تجمعهم، ليس هناك بلد تأويهم، وهذا كان يسمى عندهم ولازال بالخروج الأول لبني إسرائيل، الخروج الأول من فلسطين. وسيأتي من تتبع حال هؤلاء يعرف أن هناك خروجًا ثانيًا وخروجًا آخر. خرجوا وأصبحوا على هذه الحالة من الضعف والهوان، حينها اجتمع الأعيان، وأعني بالأعيان الكبراء العقالاء، اجتمعوا على أمر، ما هو الأمر الذي اجتمعوا عليه؟ هذا الأمر الذي اجتمعوا عليه قد جاء ذكره في القرآن، جاء ذكره في القرآن في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. هذا الذي اجتمعوا عليه، علموا أن هذا الحال من التقطع ما أفادهم، بل ضرهم، فلجأوا إلى نبيهم، وكان لهم نبي، واختلف العلماء في تحديد هذا النبي، الله أعلم، لكن جاء في بعض الروايات اسمه شمويل، وهذا الكثير يذكرونه شمويل، ولا غضاضة إذا استأنسنا بمثل هذه الروايات، قاصدين أنه لا يخالف دليلًا شرعيًا. وقد اشتهر عند المؤرخين على قول أنه شمويل، لجأوا إليه وأخبروه بأنه يَجب أن نضع حدًا لهذا الانحطاط، ولابد أن نجتمع، وأننا نريد ملكًا، هذا الملك يكون هو الحاكم على الكل، حاكم على الكل، وبه تحت رايته نقاتل. فقال لهم نبيهم، وهو متخوف: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾. أنتم على هذا الرأي: أنكم تمضون، نسأل الله عز وجل أن يعطينا ملكًا، ثم نقاتل تحت رايته. قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْتُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ﴾. هذه دواعي القتال أصلا، لم تبق لنا ديار، ولم يبق لنا أموال، وقد أخذ الأبناء، هذه كلها دواعي لأن ندافع عن أنفسنا، كيف نتقهقر؟ فحينها وافق هذا النبي الصالح، فسأل ربه عز وجل أنه يعطيهم ملكًا، فقال لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. طالوت هو رجل من بني إسرائيل، وطبعًا ليس بنبي، وليس برسول، اختاره الله عز وجل طالوت، وأخبرهم نبيهم بهذا الأمر، فكان من بني إسرائيل وزن، لا: الاعتراض، الاعتراض. قالوا: أن يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال. قاسوه بالمقاييس الدنيوية: أن هذا الرجل ليس له أصل، وليس له نسب، وليس له فصل، وليس من أهل السيادة، وأضف أنه فقير معدم. نعم، جاءت الروايات على أنه كان جنديًا من الجنود، وأنه ليست عنده أموال، بل كان فقيرًا، بنص القرآن، ليس من ذوي النفوذ. فاعترضوا على هذا، ويرون أنهم أحق بالملك منه، أي: لو أردت أحق، نحن أحق، عندنا الوجهاء والأعيان، نحن الساسة. فرد عليهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ بِعِلْمٍ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. أي: هناك مؤهلات فيه ليست فيكم، فليس كل واحد ينتصب إلى منصب فقط بالدعوة، ولكن هذه الدعوة تحتاج إلى مؤهلات، ومؤهلات هذا الرجل الصالح طالوت ليست فيكم، بل قد توفرت فيه بسطة في العلم، وأي علم؟ منه من ذهب إلى علم التوراة، فكان عالما بالتوراة، عنده علم ما ليس عندكم. وأيضًا قيل: العلم الذي عنده هو علم السياسة، وعلم تدبير الحروب والقتال، فكان مطلعًا في هذا الباب، وعنده قدرة على أنه يسوس الجيوش، فهذا هو العلم الذي عنده. وإما هذا، وأيضًا بسطة في الجسم، قوة عنده، قوة تحمل وشجاعة، ليس عنده جبن، وليس عنده من هذا الضعف الذي فيكم. فحينها سكتوا، وأقرّوا على حكم رب العالمين سبحانه وتعالى: بأن الطالوت هو الملك عليهم. ثم زيادة على ذلك: أن الله عز وجل أعطاه آية، وإن آية ملكه: أن يأتيكم التابوت، فيه سكينة من ربكم. طبعًا هذا التابوت كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ما هذا التابوت؟ التابوت هو صندوق، وهو صندوق، وهذا الصندوق كما أسلفت: كان بنو إسرائيل يعتزون به أيما اعتزاز؛ لأن هذا التابوت، هذا الصندوق، هو التاريخ، تاريخهم. ما في هذا التاريخ؟ القرآن جاء بالعموم: ﴿بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. العلماء كلماتهم تدور على أن هذا التابوت كان فيه بقايا من بقايا موسى عليه السلام، مثل: فيه عصا موسى، من كان معنا يعرف قصة موسى مع عصاه التي كانت معه في كل حياته، عصا موسى في التابوت. فيه كذلك الألواح، الألواح التي كتبها الله عز وجل بيده، والتي قد تكسرت عندما ألقاها، ألقاها موسى عليه السلام حينما رأى قومه يعبدون العجل، فتات من هذه الألواح كذلك محفوظة في هذا التابوت مع العصا، أيضًا أخذوا قالوا: ثياب موسى عليه السلام موجودة في هذا الصندوق. أخذوا كذلك شيء من المن، وقيل: السلوى، وضعوا في هذا الصندوق، وهكذا قصص ما كان من أمر هارون عليه السلام من ثيابه، وما كان من بقاياه، هذه الأشياء كُفظت كلها في التابوت، فكان بنو إسرائيل يعتزون بهذا الصندوق أيما اعتزاز. فلما جاء جالوت وداهمهم بهذا الغزو المرير، وأخذ ديارهم وأموالهم وأسر أبناءهم، أخذ عليهم التابوت، وكان ذلك انتكاسة عظيمة وتحطيمًا معنويًا لحالهم. فهنا أخبرهم ربنا عز وجل على أن آية طالوت، حتى تقتنعوا تمامًا بأنه هو الذي قد جاء من الله، ليس من نبيكم بل من الله: أن آية ملكه أن يأتيكم التابوت، يأتيكم كيف؟ تحمله الملائكة. واختلف العلماء في كيفية إتيان الملائكة، فالله أعلم، لكن تأتي الرواية على أنه جاء محمولًا من السماء، محمولًا من السماء، أُخرج من بين الكفار من قوم جالوت، وأتى الله عز وجل بقدرته سبحانه وتعالى تحمله الملائكة، حتى جاء به بين يدي طالوت. فحينها أذعنوا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، حينها آمنوا، آمنوا بعد هذا كله، فاقتنعوا بأن طالوت عليه السلام هو الملك الذي ينبغي أنهم يسيرون تحت قيادته. فلما فصل طالوت بالجنود، فصل، أُتيْميز وخرج، كما قلنا: من حَدْر إلى جهة الأردن، خرج طالوت بهذا الجيش الذي خرج معه. فلما فصل طالوت بالجنود، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. تذكر روايات أنه في طريقهم شعروا بالعطش، فأرادوا ماءً، فأخبرهم طالوت: أنه سيأتيكم نهر، لكن هذا النهر ليس للشرب، وإنما هذا تمر عليه مرورًا. وأراد طالوت أن يختبر جيشه، من هذا الذي يصمد؟ من هذا الذي يصبر؟ من هذا الذي يثبت؟ من هذا الذي ينجر خلف مطامع الدنيا والمصالح الشخصية؟ هذا النهر هو نهر ابتلاء، وهو نهر الشريعة، وهو النهر الذي يكون بين فلسطين والأردن، يسمى بنهر الشريعة. ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ مباشرة، من شرب من هذا النهر، وسقط في هذا الابتلاء، هذا يرجع، لا أريده معي في معسكري. ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. لكن أعطاهم رخصة: أنه لا بأس بمن غرف غرفة واحدة، غرفة غرفها، فشرب منها، لا بأس. فكانت هذه الغرفة، مع أنها غرفة واحدة، وما عسى الغرفة أنها تفعل مع العطش؟ لكن كما قال جماعة من المفسرين: أن الله جعل فيها البركة، أعطتهم القوة والنشاط والهمة. هذا الذي أخذ الغرفة، أما ذاك الذي شرب الكثير، لم يرتوِ، مع ما كان من سقوطه في الاختبار. طبعًا فشربوا منه إلا قليلًا منهم، الكثير، الآلاف، الآلاف المؤلفة، شربوا من هذا النهر، فتساقطوا كثيرًا في الاختبار، فأرجعهم حينها. مشى طالوت بمن بقي من جيشه، بمن بقي من جيشه. فلما جاوزه، والذين آمنوا معه، قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. من قال هذا؟ لا طاقة لنا اليوم، العلماء على قولين: قيل: أن الذي قال ذلكم: الذين سقطوا والذين نكلوا ورجعوا. هؤلاء سقطوا في الاختبار، وتذرعوا: لماذا سقطنا في الاختبار؟ لا يصلح، نحن ما نقدر، نحن ما نستطيع، نحن لو ذهبنا ولو قاتلنا جالوت ما نستطيع، هذا رجل جبار، وجيش عرمرم، وما عندنا قدرة. شربنا، ولا ما شربنا، نحن ما سنغلب. فهم أخذ يتذرعون بما كان من شربهم بالماء، تذرعوا بأنه: نحن شربنا؛ لأننا نعرف، نحن ما سننتصر. فهؤلاء قال العلماء: هم الذين تفوهوا بهذه الكلمات: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. إنما ذكروها تذرعًا لما شربوا من الماء. والقول الثاني: منهم من قال: لا، هم من أهل الإيمان، هم من أهل الإيمان. قال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه: قال: والله، والله، ما جاوز النهر إلا مؤمن، والله ما جاوز النهر إلا مؤمن. أي: هؤلاء الذين تجاوزوا النهر، بمعنى: ما شربوا؛ لأن شربوا، خلاص رجعوا. من النهر، خلاص، هذا نهاية النهر، الذي تجاوزهم، والذين اتبعوا نبيهم، فهؤلاء هم أهل الإيمان، هؤلاء بنص القرآن. فلما جاوز هو والذين آمنوا معه، آمنوا الله عز وجل، وصدهم بالإيمان، فهم في الإيمان. لكن هم كذلك لما رأوا جيش جالوت، إنما قالوها ظنًا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. يعني: بعددنا القليل، بعددنا القليل، ما نستطيع. هم يعني: استضعفوا أنفسهم، استضعفوا أنفسهم. لكن قال الذين ظنوا أنهم ملاقوا الله، وهم أهل العلم، طبعًا، وأهل الإيمان ليسوا على مستوى واحد. فهنا فهنا فهناك الكمل، الكمل، الكمل في الإيمان. فهؤلاء قاموا وثبتوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. طبعًا نبقى هنا مع رواية في معرفة كم عدد الذين كانوا مع طالوت، وكم وصل بهم الأمر؟ العلماء يذكرون: أن الذين أتوا إلى طالوت، أو أتوا إلى نبيهم لما قالوا: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾؟ قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. هنا كانوا ثمانين ألفًا، ثمانين ألفًا. ثم بدأ التولي، الذين مروا على النهر، والذين اصطفوا بالجيش، جيش طالوت، وجيش جالوت، الذين مع طالوت كم من ثمانين ألف؟ الذين معه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا فقط، ثلاثمائة رجل، من ثمانين ألف. وهذا الحديث في البخاري، جاء في الصحيح: كان قال أبو هريرة وغيره: قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: بأن عدة أصحاب بدر: بأن عدة أصحاب بدر هم عدة أصحاب طالوت، هذا في البخاري: أن عدة أصحاب بدر هم عدة أصحاب طالوت، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا. تخيل أين هذا التولي؟ أين الأعداد الغفيرة إلى أين؟ ولهذا حق لمن حضر هذه المعركة أو المقتلة، عندما يقارن ثلاثمائة شخص أمام جيش عرمرم كبير، جالوت ومن معه، ما يمكن. ولهذا القول الثاني: على أن الذي قال هذا: هم أهل الإيمان. قالوها عندما استصغروا أنفسهم، واستبعفوا أعدادهم. فشاهد عندما تلاقوا، ولما برزوا لجالوت وجنوده، قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. توجهوا إلى الله عز وجل بالدعاء، وطلبوا منه أن يعطيهم الصبر، وأن يفرغ عليهم الصبر الكثير العظيم الوفير. ثم بدأ القتال، وهنا فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾. هذا الذي أريده، هذه القصة التي أحببت من خلالها أن أذكر أول ظهور لداود، هنا ظهر لنا داود عليه السلام؛ إذ أن داود كان مع هذا الجيش الذي خرج مع طالوت، فقام داود عليه السلام: أنه قتل جالوت، وهو رأس الكفر. وكيف قتله؟ الرواية تتفق على أن داود كان ماهرًا بالإصابة، ماهرًا بالإصابة، كان إذا صوب أصاب عليه السلام. فمنهم من قال: أنه استخدم السهم والنبل، السهم والقوس، فرمى، فوضعها في رأس جالوت فقتله. طبعًا والقاعدة عند الجيوش: إذا سقط الرأس يسقط البقية. فهزموهم بإذن الله. والرواية الشهيرة عند بني إسرائيل: أنه كان صاحب مقلاع، والمقلاع هو عبارة عن آلة يدوية يوضع فيها الحجر والحجرين، ثم تدار بقوة بسرعة، ثم ترمى. وكان قيل: هذا في الرئيس الإسرائيلي مشهور جدًا، هذا عن أنه يراؤنه عن داود عليه السلام: أنه استطاع، وقد جاء كذا في بعض روايات الإسلامية: تحدث عن قضية المقلاع، وأنه خرج، وذلك عندما طلب جالوت المبارزة، برز إليه داود، وكان شابًا، وكان صغيرًا، غلامًا. فاستسهله واستصغره جالوت، فأخرج داود عليه السلام المقلاع، ووضع فيه الحجر الأول، قيل: الثاني، قيل: الثالث، ثلاث أحجار، فأدارها بسرعة، ورماها بسرعة نافذة، وكانت بتوفيق من الله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. أي: أصاب سبحانه، فأصيبت بمقتل، فقتل هذا الكافر، وعلى إثره انهزم جالوت بجنوده وبجيشه، وتقهقر. فرجع بنو إسرائيل إلى أرض فلسطين. الشاهد إخواني في الله: هذا الدرس عبارة عن تمهيد لما سيأتي معنا عن قصة داود عليه السلام. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.