تفسير آيات الصيام 4

تفسير آيات الصيام 4

الدرس في تفسير آيات الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام صيام المسافر والتخيير بين الصيام والفطر

السفر المبيح للفطر هو الذي لا يقصد به التحيل على إسقاط الصيام، والمسافر مخير بين الصيام والإفطار سواء طال سفره أم قصر، والأفضل له فعل الأيسر عليه استناداً إلى أحاديث أنس وأبي الدرداء وجابر. التيسير هنا مقيد بمقتضى الشرع لا بالهوى، فلا يجوز الإفطار لعذر العمل أو الكسب إلا عند وجود ضرر حقيقي.

التيسير في الشريعة الإسلامية وأمثلته في العبادات

التيسير أصل ثابت في الدين مستند إلى نصوص القرآن والسنة، وقد شرع الله رخصاً في أبواب العبادات كصيام رمضان، والصلاة، والحج، والزكاة مراعاة للمشقة. يجب الالتزام بالرخص الشرعية دون التوسع فيها بغير دليل، مع مراعاة قاعدة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾.

سماحة الدين الإسلامي ويسره

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة، وقد صححه العلامة الألباني. أدلة كثيرة من القرآن والسنة تؤكد يسر الشريعة، منها قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا في تفسير آيات الصيام عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾، ذكرنا شيئاً من أحكام صيام المريض، ثم ننتقل إلى ذكر بعض أحكام المسافر. المراد بالسفر الذي يرخص لصاحبه في الفطر هو السفر إذا لم يقصد المسافر بسفره التحيل على الفطر، كالسفر في زيارة أو حج أو عمرة أو تجارة أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به. أما إذا سافر بقصد التحيل، بمعنى أنه يريد أن يفطر لأمر أراده، كأن يريد أن يطأ زوجته أو نحو ذلك، فهذا لا يحل له الفطر، فإن فعل ذلك فالفطر عليه حرام، والصيام واجب عليه، وقد ارتكب إثماً ومحرماً. فإذا لم يقصد التحيل فهو مخير بين الصيام والفطر، سواء طالت مدة سفره أم قصرت، سواء كان سفره طارئاً لغرض أم مستمراً كسائقي الطائرات والسيارات، سيارات الأجرة والنقل ونحو ذلك، فالرخصة للمسافر مطلقاً. بل سواء أكان شق عليه السفر أم لم يشق عليه، فالأمر في ذلك واسع في حق المسافر. ودليل ذلك ما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعد الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم»، يعني منهم من هو صائم ومنهم من هو مفطر، فلا هذا يعيب على هذا ولا هذا يعيب على هذا، يدل على أن الأمر فيه سعة. إنما اختلف العلماء في أيهما الأفضل للمسافر، في أيهما الأفضل للمسافر، هل الأفضل له أن يفطر أو الأفضل له أن يصوم؟ والصحيح في هذه المسألة أنه يفعل الأيسر، المسافر يفعل الأيسر، إن رأى أن الأيسر له الصيام صام، وإن رأى أن الأيسر له الفطر أفطر. ودليل ذلك ما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد في حر شديد، حتى إن كان أحدنا لا يضع يده على رأسه من شدة الحر، يضع يده على رأسه من شدة الحر، قال: وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة»، رواه مسلم. فغالب الصحابة مفطرون، لماذا؟ لأن الأيسر في حقهم في هذه الحال الفطر لشدة الحر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يستطيع ذلك، كما جاء أن الله عز وجل هو يطعمه ويسقيه، معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه من خبر الوحي ومن ما يكون من مواساة الإيمان واليقين ونحو ذلك، فهذا يسر له أمر الصيام. وعبد الله بن رواحة يحمل أنه يتحمل ذلك وأن هذا لا يشق عليه، مثلاً اعتياده وكثرة صيامه في غير رمضان ونحو ذلك. فإذن هذا استدل به العلماء على أن الأيسر للمسافر أن ينظر إلى ما هو أيسر له، الأفضل للمسافر أن ينظر إلى ما هو أيسر له. وهكذا مما يدل على أنه يفعل الأيسر ما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، موضع يقال له كراع الغميم، فصام الناس معه، صام الناس معه، فقيل له، أي قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن الناس قد شق عليهم الصيام، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون فيما فعلتَ يقتدون بك»، يعني بمعنى أن الصيام يشق على الناس لكنهم صابرون للاقتداء بك، فأنت صائم فهم صاموا بصيامك، فهم ينتظرون ماذا تفعل، هل تستمر في الصيام أو تفطر؟ فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح، مما وعاء فيه ماء، بعد العصر، انظر إلى الوقت بعد العصر، يعني مثل هذا الوقت، قال: «فشرب والناس ينظرون إليه»، رواه مسلم. وفي هذا الحديث أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بعد أن أفطر وأمر الناس بالإفطار أن بعض الناس قد صام، استمروا في الصيام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة». فانظروا كيف يعني وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، لأن الصيام يشق عليهم، لأن الصيام يشق عليهم. بل يحرم الصيام على المسافر إذا كان يضر به الصيام، يضر به الصيام، فقد يكون سبباً في إغمائه أو في كذلك شدة آلامه، فهنا يجب عليه الفطر. لما جاء في حديث جابر في المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل قد ظلّ عليه، قد ظلّ عليه، يعني أصابه شيء من الإغماء، فظلل له الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن استفسر من أمره، فقالوا: إنه صائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر، ليس من البر الصيام في السفر». فالمهم القاعدة في حق المسافر أنه ينظر إلى الأيسر. إن كان الجو طيباً والسفر ليس بالسفر، والسفر ليس فيه مشقة شديدة عليه، فهنا الأفضل له أن يصوم، وذلك لأن الصيام في رمضان ومع عامة الناس يكون أسهل على الصائم مما لو صام منفرداً بعد رمضان. فهنا إن رأى أن الأيسر له أن يصوم صام، وأما إن رأى أن الأيسر له أن يفطر، كان فيه سفر، وهذا السفر فيه حر شديد أو فيه مشقة، مثل ما يعني يكون في هذه الأيام من يذهب إلى العمرة أحياناً يجلسون في المنفذ أربع أيام خمسة أيام بدون طعام، ما يوجد طعام أو طعام يكون قليل، أو ما يوجد هناك نوم كافي، تنام على الكرسي أو تنام يعني على التراب أو نحو ذلك. فإذا شعر الإنسان في هذا السفر بمشقة، لا يكلف نفسه، الدين يسر، فحينئذ هو مسافر فيأخذ بالرخصة، وهذا الأفضل في حقه. المهم القاعدة في ذلك أن ينظر الصائم المسافر فيما هو أيسر عليه، فيما هو أيسر عليه أخذه كما تقدم. ثم قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾. هذا فيه دليل على قاعدة عظيمة من قواعد هذا الدين، وهي قاعدة التيسير، مع التنبيه على أن التيسير في الدين لا يكون بالهوى ولا بالعاطفة، وإنما يكون بمقتضى الشرع، التيسير يكون بمقتضى الشرع. هو يأتي واحد وفي رمضان مثلاً يريد أن يأتي أهله فأتاهم، وقال: الدين يسر، أنا ما استطعت، الدين يسر. لا، الدين يسر ما في هذا الموضع، إنما في الشيء الذي فيه ضرر عليك، وفيه كذلك زيادة ألم أو نحو ذلك من الأمراض ونحو ذلك كما تقدم، أو يتحايل على الشرع فيفطر ويقول: الدين يسر. لا. أو مثلاً، وهذه مثلاً ضربها العلماء على من أجازها، يقول: أنا أريد مال في رمضان وأنا عملي عامل أو بحار صياد، وإذا ذهبت أشتغل يعني يشق علي العمل، إذن أنا سأفطر وأعمل ثم أقضي في أي وقت آخر، أنا جالس في البلاد أو عندي فراغ أو نحو ذلك. لا، هذا ليس من التيسير، هذا ليس من التيسير، لأن هذا العمل تستطيع أن تقوم به في غير هذا الوقت، في غير وقت الصيام، وأنت ما وصلت إلى درجة الإضطرار بحيث أنك إذا ما عملت هلكت وتضررت ضرراً شديداً. لا، لا، ما، ما يصل الأمر إلى هذا الحد. ولذلك انتقد العلماء من أجاز ذلك كسيد سابق في كتابه فقه السنة، فردوا عليه في هذه المسألة لأنه أجاز الفطر لأهل المناجم ونحوهم من من يعملون في الأعمال الشاقة. أناب، فهذا هذا هذا ما جاء في الشرع، كما مر معنا في حق المريض أو في حق الكبير الذي يشق عليه الصيام أو في حق المسافر أو نحو ذلك. هذا هو باب التيسير، ما جاء في الشرع، ما جاء في الشرع، وما لم يأت في الشرع ولم تدل عليه القواعد الكلية لهذه الشريعة فلا يجوز أن يتساهل فيه. فإذا هذا الدين يسر، الدين يسر، بمعنى أن الله عز وجل في جميع الأحكام الشرعية جعل هناك رخصاً يترخص بها، وهذا من باب التيسير. وقد مر معنا في باب الصيام عدة أوجه فيها معنى التيسير، منها كما تقدم معنا أولاً: أن الصيام أيام معدودات، شهر واحد في 12 شهراً، وهي نسبة قليلة جداً، وهذا من التيسير. من التيسير كذلك: الشيخ الكبير والشيخ الكبيرة والمريض والمسافر رخص لهم في الإفطار. كذلك المرضع والحامل رخص لهم في الإفطار إن خافت على نفسها وعلى ولدها، هذا من التيسير. من التيسير كذلك في الصيام: التدرج في فرضيته، ولم يفرض دفعة واحدة. وهكذا من التيسير في الصيام: أن من أفطر ولم يستطع القضاء فله الفدية، لا يلزم بالصيام، كالشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه. فهذا كله من باب التيسير، فالشريعة قائمة على هذا، ليس في باب الصيام فحسب بل في غيرها من الأبواب. فالصلاة: يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صلي قائماً، فإن لم تستطع فجالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب»، الدين يسر. وهكذا في الوضوء: «فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً». وهكذا المريض إذا لم يستطع أن يمس الماء فله أن يتيمم. وهكذا المسافر رخص له في قصر الصلاة، كل هذا من باب التيسير. وهكذا لو نظرت في باب الحج: الحج لم يفرض على المسلم إلا في العمر مرة، فرض عليه في العمر كله مرة واحدة، وهذا من التيسير. كذلك من التيسير في الحج: الرخصة للرعاة ولكبار السن في أن يتقدموا في رمي الجمرة الكبرى ولو من بعد منتصف الليل. وهكذا أحكام كثيرة في الحج مبناها على التيسير: «افعل ولا حرج» في اليوم العاشر، من قدم الطواف على الرمي أو على الحلق أو نحو ذلك، كل هذا من باب التيسير في العبادات. وهكذا حتى في الزكاة: جعل الله عز وجل للمال نصاباً، ليس كل من معه مال أخرج من ماله، لا، إن كان ماله قليلاً لم يأمره الشرع بإخراج زكاة في هذا المال، إنما تكون الزكاة في المال الذي قد بلغ النصاب. وهكذا جعل هذا المال مقداراً معيناً وهو ربع العشر، انظر: ربع العشر، ليس العشر ولا نصف العشر، إنما هو ربع العشر، وهذا أيضاً من التيسير لأن الإنسان جبلة على حب المال. وهكذا لو نظرت وتعمقت في يسر هذه الشريعة لرأيت أحكاماً كثيرة تدل على يسر هذه الشريعة. وقد قال الله عز وجل: ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾. وجاء في مسند الإمام أحمد عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا، يسروا ولا تعسروا»، يعني بما يوافق الشرع. وهكذا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما حين بعثهما إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا»، فهذا أيضاً يدل على هذا المعنى. وجاء أيضاً في الأدب المفرد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة، أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة»، وهذا الحديث صحيح، العلامة الألباني. وجاءت أدلة كثيرة تدل على سماحة هذه الشريعة وعلى يسر هذا الدين، فلله الحمد والمنة: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾. طيب، نكتفي اليوم بهذا، وإلهنا والله تعالى.