ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 6

ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 6

الدرس في ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 6، الحر ورخص الصلاة . الحر وفضيلة الصوم . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أحكام الصلاة في أيام الحر الشديد

يشرح المقطع أحكام الصلاة في الحر وأهمية الإبراد بها، ويشير إلى جواز تأخير وقت الصلاة لتبرد الجو. يشمل هذا الحكم الرجال والنساء على حد سواء.

استحباب الصيام في الأيام الحارة وتأجيل القضاء

يُناقش استحباب صيام الأيام الحارة لما فيه من أجر عظيم، ويُوضح أن قضاء رمضان يمكن تأجيله إلى أيام باردة إذا كانت المشقة شديدة.

تتمة الكلام عن صيام الأيام الحارة وختام الدرس

يُؤكد على استحباب صيام الأيام الحارة ويشير إلى حرص الصحابة على ذلك، ويختتم الدرس بالدعاء بالتوفيق والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا في هذه السلسلة العلمية في ذكر أهم الأحكام المهمة المتعلقة بكيفية الاستفادة والاتعاظ والانتباه لأحكام الحر وارتفاع درجات الحرارة. وإن مما أذكره في هذا المقام الإشارة إلى مسألتين اثنتين، وهي من المسائل التعبدية. أولى هذه المسائل ما يتعلق بأمر الصلاة، إذ أن الصلاة لها أحكام في أيام الحر. منها أولًا ما أشرنا إليه في درس الظهر، أن الحر وقوة الشمس ليست مدعاة لترك الصلاة أو التخلف عنها، لا بل إن الإنسان لا بد أن يصلي، وأن هذه من المشقة التي لا تنفك عن العبادة، فلازم من أدائها. والفائدة الثانية في أمر الصلاة أن الشريعة راعت هذه الحرارة المرتفعة في الأجواء، فجاءت الرخصة بتأخير وقت الصلاة، وذلك عن أول وقتها، وذلك لما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة». فهذا حكم خاص حين ارتفاع الحرارة في الأجواء، ماذا نفعل؟ أبردوا بالصلاة، بمعنى أن نتخذ ونختار لها وقتًا أبرد. الإبراد في إقامة الصلاة يكون على أحد صورتين: إما الإبراد بتأخير الأذان، كما جاء ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام حين أراد المؤذن أن يؤذن، قال له نبينا: «أبرد، أبرد»، أي انتظر، وكان ذلك في جو حار جدًا، فمراعاة لوضع الناس وأحوال الناس، أخر النبي المؤذن عن أذانه قائلًا له: «أبرد، أبرد». والصورة الثانية من صور الإبراد التأخير في إقامة الصلاة، فالأذان يؤذن في حينه، لكن إقامة الصلاة تؤخر مراعاة للناس، إذا وجدت مثلًا أن المساجد أو المسجد ما كان يؤذن يقيم الصلاة بعد الأذان بنصف ساعة، وكانت هذه الفترة الحر شديد جدًا، لا بأس أن يجعل ما بين الأذان إلى الصلاة ساعة، يضيف نصف ساعة أخرى حتى يبرد الجو، هذا من مقاصد الشريعة، ومن سماحة الدين الإعانة على إقامة الصلاة للمصلين. فناسب الإبراد إما أن يكون بتأخير الأذان عن أول وقته، وإما أن يكون بإبراد تأخير إقامة الصلاة عن وقتها، وكل هذا مما جاءت في حقه الأدلة. بقيت مسألة، وهل هذا الإبراد خاص بالرجال على القول الصحيح؟ لا، حتى النساء يمكن للمرأة أن تبرد، وذلك بأن تؤخر الصلاة. مثال امرأة ربما في بيتها أو قل في غرفتها الحرارة مرتفعة في الظهيرة جدًا، فهل لها أن تؤخر ساعة مثلًا؟ الجواب نعم، يجوز تؤخر ولو ساعة بقصد ماذا؟ أن يبرد ويلطف الجو، بدلًا من أن يصلي المصلي وهو يتصبب عرقًا ويتأفف ويتضجر وتلتصق ثيابه به، بدلًا من شدة العرق والتعرق، ما كلف الله عليك ولا عليك يا أمتي، أخري الصلاة عن أول وقتها ولو مدة ولو ساعة أو أكثر حتى بقصد أن يبرد الجو، فيقيم المصلي الصلاة وهو على أحسن حال وعلى أحسن الأجواء. فهذه من المسائل المتعلقة بالحر تتعلق بالصلاة. وأيضًا مما أذكر من مسائل الحر في أداء الصلاة أنه لا ينبغي أن يكون هذا الجو مدعاة للإخلال بأخذ الزينة التي ينبغي أن يكون عليها المصلي عند ملاقاته لربه. فتجد مثلًا أن من الناس مع شدة الحر يريد أن يتنفل أو يركع أو يصلي في مكان ربما يكشف يتعرى الجانب العلوي، فيكون يصلي وهو عاري الصدر، عاري الظهر، ليس على كتفيه شيء، هذه الهيئة قد جاء النهي عنها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يصلي أحدكم في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء». ومن هنا جمهور العلماء على الكراهة على أن هذه الهيئة ما ينبغي أن يقف عليها المصلي إذا أرى ربه، تبقى عاري الصدر والبطن مكشوف الظهر وليس عليك شيء. فأقل الأحوال أن تضع شيء يغطي على عاتقيك أو لو تلبس فليفة أو نحو ذلك ولو خف من الثياب، المهم تكون من أخذ الزينة لإقامة الصلاة، فهذا مما ينبغي أن يراعى في باب الصلاة. وأيضًا ننتقل إلى الفائدة الثانية من الأمور المستفادة من أحكام الحر التعبدية، ما يكون من مشروعية الصيام. فالصوم ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وأعني به الصوم النافل والتطوعي، فهي من أجل الطاعات ومن أفضل القربات، قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له»، وفي رواية: «لا مثل له». لكن أحيانًا يأتي الصوم في فترة الحر كهذه الأزمان، فهنا كيف يفعل الصائم؟ يقال له: يا عبد الله إن استطعت على الصوم فصم واحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الأجر أعظم، والقاعدة: على قدر المشقة يكون الأجر والمثوبة، إنما أجرك على قدر مشقتك. فإذا أدى الإنسان عبادة ما فوجد من ورائها التعب، فإن الله عز وجل يعظم له الأجر. وقد كان هذا من فعل السلف الأوائل أنهم كانوا يحرصون على اختيار هذه الأيام الحارة من دون سائر الأيام لعلمهم بعظيم الأجر، بدءًا بنبينا عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين أن النبي والصحابة قال الراوي: كنا في سفر في يوم حار حتى إن أحدنا كان يضع يده على رأسه من شدة الحر، يريد أن يحتمي من شدة حرارة الجو، قال: وما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة. فنبينا عليه الصلاة والسلام مع سفره ومع هذا الجو الحار المكفهر إلا أنه أصبح صائمًا، إشارة إلى حث الناس وحث عباد الله ممن يقوى على الصيام أن يستمر في تعبده لله جل وعلا بشعيرة الصوم. وقد صح عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: «صوموا يومًا شديدًا حره لحر يوم النشور». أي هذه وصية من هذا الصحابي العابد الزاهد رضي الله تعالى عنه أنك صوموا في كل الأيام، بل ولو في اليوم الحار الشديد، صوموا يومًا شديدًا حره، لماذا؟ قال: «لحر يوم النشور»، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أنك تعظمت على نفسك وألزمتها وأخضعتها على أن تصوم هذا اليوم مع حرته، فالله عز وجل سيدفىء عنه حر القيامة وحر جهنم في ذلك اليوم. فالجزاء من جنس العمل، فما تبذله تحصده يا عبد الله. وأيضًا كان من وصايا أو من مما نقل عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حين جاءته منيته وهو في ساعة احتضاره أنه حزن على أشياء سيفارقها، ومما كان قد حزن عليه أن فارق صيام الهواجر، والهواجر هي الأيام الحارة. فكان رضي الله تعالى عنه سيخرج من هذه الدنيا ويفتقد تلكم الأيام العظيمة وهي أيام صيام الأيام الحارة، لعلمه أنها من أعظم الطاعات ومن أجل القربات التي كان يتقرب بها إلى ربه سبحانه وتعالى، فكان يفتقد صوم يوم الهواجر. فهذه إخواني إشارة وإلماحة إلى أن المسلم ولو في ظل هذه الأيام الشديدة الحرارة فإنه يشرع له فيها الصيام، وخاصة ونحن في هذه الأزمان ولله الحمد والمنة الأمور ميسرة والأوضاع مهيئة من حيث التبريد والتكييف والظلال والاستضلال. صحيح الأمر يحتاج إلى مشقة وإلى مشقة، لكن على ما اعتاد عليه الإنسان، ومن استعان بالله أعانه الله. وأما من كان عليه أيام من رمضان مثلًا قضاء واجب، فحينها نقول له كما قال ربنا: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أنت فيها بالخيار، إن شئت أن تختار لها أيام باردة فتقضي في الشتاء فلك ذلك، لأنه على القول الصحيح وقول جماهير العلماء أن قضاء رمضان موسع، ليس على التوالي وليس على الفورية، بل هو اختياري. وهكذا من غير توالي، فأنت مخير باختيار الأيام، فإن شئت جعلتها في الشتاء، وإذا استطعت أن تجعلها في الصيف اغتنامًا لعظيم الأجر فالأمر كذلك لك، لكن تفعلها برضا، لأن تصوم وأنت تتذمر وأنت تشتكي الأمر ليس هكذا، العبادة تحتاج إلى رضا وإلى فرح وإلى استبشار بفعلها. فهاتين مسألتين أحببت أن أشير إليهما في هذا المقام من المسائل التعبدية مما تتعلق بموسم الحر، في أمر الصلاة في مسألة اختيار وقتها واختيار الهيئة واللباس فيها، وأيضًا ما يكون من الندب في استحباب الصيام في مثل هذه الأيام. وبقية مسائل تترك إن شاء الله إلى درس غد متعلقة كذلك بأحكام الحر، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.