الدرس في ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 7، الاستذكار لنعمة الماء وأجهزة التبريد . الحر والاحتساب لنيل الأجر . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب إلى أهمية نعمة الماء البارد ويشير إلى وجوب شكرها. يُشجع على حمد الله وتوفير الماء للآخرين.
سقي الماء يُعد من أفضل الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله، ويمكن أن يكون بطرق مختلفة مثل تركيب البرادات وتوزيع الماء.
يُبين أن المسلم يؤجر على تحمل الحر والتعب في الصلاة، ويحث على الصبر والاحتساب وشكر الله على النعم.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل حول مسائل الحر ويختم بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازمنا إخواني في الله، في هذه السلسلة وفي هذه المقامات، نستذكر وإياكم أهم المسائل والأحكام التي يستفيدها أهل الإسلام في مثل هذه الأوقات والأزمان من ارتفاع درجات الحرارة في الأجواء. وإن مما أذكره من المسائل المهمة ما ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يستذكر دائمًا وأبدًا لهذه النعمة، ألا وهي نعمة الماء البارد، هي نعمة سيشعر بها المسلم في مثل هذه الأزمان، لربما يفضلها على كثير من أصناف الطعام والشراب، ما هناك لذة كلذة الماء البارد مع الحر الشديد. ولعظيم هذه النعمة سنسأل عنها يوم القيامة، كما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك بدنك، ونسقيك من الماء البارد؟» أول ما يسأل عنه العبد من النعيم ما يتعلق بصحة الأجساد، ألم نصح لك بدنك؟ وأيضًا ونسقيك من الماء البارد؟ أي أن الله عز وجل هيأ لك الطريق والسبيل لأن تتناول هذا الماء وهو بارد نعمة، فأعد لها يا عبد الله جوابًا. وثبت أيضًا في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا على أصحابه، فأكل معهم رطبًا وشرب ماء باردًا، فقال: «والله إن هذا النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، هذا النعيم ما هو؟ ما أكل سوى رطبًا وشرب ماء باردًا، هذا هو النعيم، ولتسألن يومئذ عن النعيم». فالماء البارد، عبد الله، نعمة عظيمة. ومن هنا كان ينبغي علينا جميعًا، معاشر المسلمين، أن نحمد الله جل في علاه في كل آن وحين أن يسر مثل هذه النعمة، والذي أصبحت متناولة في يد الجميع، ليس كما كان من ذي قبل في الآبار وفي أماكن تحتاج إلى نزح، أصبحت الآن متوفرة في كل بيت وفي كل مكان وفي كل محل، ماء بارد بدراهم يسيرة ترتوي منه يا عبد الله، هذه نعمة فاستذكرها وأنت في مثل هذا الجو وفي هذا الصيف، فأحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. ومما يدخل في شكر هذه النعمة، يا عبد الله، أنك تسعى إلى إيصالها إلى غيرك ممن لربما ما تلذذ بهذه النعمة كما تلذذت أنت. ومن هنا، كما سيأتي معنا، عد أنك توفر الماء لغيرك من المسلمين لهو من العبادات العظيمة، بل لا أقول إلى المسلمين والمسلمات بل أقول إلى الحيوانات، إلى البهائم والدواب وسائر الكائنات، كونك توفر لها ماء، فالله عز وجل يؤجر لك الأجر العظيم. وتأمل ما ذكره هذا الصحابي الجليل، كما جاء في حديث سراقة رضي الله تعالى عنه، قال: «يا رسول الله، إني أملأ حوضي -له حوض الذي تدب عليه الدواب وتشرب منه- قال: إني أملأ حوضي فتجيء البهيمة فتشرب منه، فهل لي في ذلك أجر؟ فهل لي في ذلك أجر؟» قال عليه الصلاة والسلام: «قال: لك في كل كبد رطبة أجر». هذه قاعدة، قاعدة: «لك في كل كبد رطبة أجر»، ستؤجر على هذا، هذا في حق من سقى حيوانًا بهيمة. بل أخبر العلماء وذكر أهل العلم على أنه من أفضل ما تغفر به الذنوب وتكفر عنه السيئات ما كان من إيصالك الماء إلى غيرك، ولو إلى الحيوانات. ذكر ابن بطال رحمه الله تعالى عن بعض التابعين أنه قال: «من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء». فإذا غفرت ذنوب الذي سقى الكلب، فما ظنكم بمن سقى رجلًا مؤمنًا موحدًا؟ هذا مثال بديع نقله أولًا عن التابعين على أن من كثرت ذنوبه فأراد أن تغفر، عليك يا عبد الله، بأن تسقي الماء. طيب من أين استدل بهذا؟ استدل بالحديث الصحيح المشهور المعروف في حق ذاك الرجل الذي أصيب بعطش فشرب، ثم وجد كلبًا يلهث من الضمأ والحر، فقام هذا الرجل وسقى الكلب، سقى كلبًا فغفر الله له. سقى من؟ كلبًا، غفر الله له. فقال بعض السلف: إذا كان هذا الرجل غفر الله له بسبب أنه سقى كلبًا، فما ظنك بالذي يسقي عبدًا مسلمًا موحدًا؟ فما ظنكم بذنوبه ستغفر؟ من باب أولى وأحرى وأجدر. ولهذا يذكر العلماء أن من أفضل الأعمال ومن أجل القربات التي يتقرب بها العبد إلى رب الأرض والسماوات ما مثل كسقي الماء. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام حين سئل عن أفضل الصدقة، قال: «سقي الماء أفضل الصدقة». أن تسقي الماء إلى غيرك. وجاء كذلك أن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه -أو سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه- حين توفيت أمه، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يا رسول الله، أفتصدق عنها؟ قد ماتت، أفتصدق عنها؟» قال: «نعم»، فقال: «فأي الصدقة أفضل؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «سقي الماء»، يعني هذه نافع للأحياء ونافع للأموات. أمن أراد أن يتصدق عن أبيه أو عن أمه عليه بسقي الماء، تتصدق عن نفسك عليك بسقي الماء. وسقي الماء، يا عبد الله، لها عدة صور تكون، مثلًا بتركيب البرادات، مثلًا بتعبئة الخزانات، مثلًا بتوزيع الدبب والقارورات، مثلًا بتوصيل الأنابيب المياه إلى البيوت والحارات، هذه كلها من سقي الماء، وكل على قدر قدرته واستطاعته وعلى حسب ماله وما يستطيع عليه، وهذا فضل الله، فضل الله يؤتيه من يشاء. فكونك يا عبد الله تسقي عبدًا مسلمًا، وخاصة في هذا الوقت الحار، ولله فضل عظيم. ولهذا يجد من الناس من يساهم في هذا الخير، فتجد يوزع الماء ويقسم الماء في الأماكن التجمعات الناس في الشوارع في الطرقات عند الفرزة، تركيب الدباء، هذه البرادات الجديدة، سواء كان في المساجد أو يركبها في الحارات وفي الأماكن العامة، هذا كله من سقي الماء، وهي تعتبر من أفضل صدقة. وأدخل العلماء أيضًا الصيانة لها، الصيانة، لولا الصيانة لتلفت هذه البرادات والثلاجات وهذه الأماكن، الصيانة لها تدخل كذلك. فتذكر يا عبد الله نعمة الماء البارد على نفسك، ثم بعد ذلك إذا فتح الله عليك فاستغلها في غيرك. ونحن في باب الاستذكار لهذه النعمة، كذلك نستذكر باقي النعم التي يسرها الله لنا، مثل نعمة المكيفات، نعمة المراوح، نعمة الثلاجات، الفريزرات، البرادات، هذه نعم أجهزة التبريد والتكييف والتجميد، هذا ما كان يعرفها من كان قبلنا، ما عاشوها ولا عاصروها، فتحت علينا، ولله الحمد. وتذكر يا عبد الله حال من كان قبلنا كيف كان يعيشون، تأمل مثلًا لهذا الأثر في بياني كيف كان الناس يعيشون. هذا أنس رضي الله تعالى عنه يقول: «قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر كهذه الأزمان»، قال: «فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته في الأرض بسط ثوبه فصل عليه». تخيل ما وصلنا لهذه المرحلة من شدة الحر، الأرض لا يمكن السجود عليها، تلتهب تشتعل نارًا، فيستعينون بالثياب والكساء فيفرش حتى يسجدون عليه، تخفيفًا لحرارة الأرض على الجبهة. ويقول كذلك جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: «قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر»، قال: «فآخذ قبضة من حصى في كف»، تخيل آخذ شيئًا من الحصى في قبضة يده، لماذا يأخذ الحصى؟ قال: «لأبرده»، يأبرده، قال: «ثم أحوله إلى الكف الثانية»، فإذا يفعل ينقل الحصى من هنا -هو في صلاة- حصى هنا يحولها إلى الحصى ثاني لكي تبرد، لماذا يريد أن تبرد؟ قال: «لكي أبردهم»، فإذا سجدت وضعتها على جبهتي. يفكرون في مرحلة السجود، إذا سجد كيف سيسجد؟ وما هناك عندهم فرش ولا شيء، فما عندهم إلا حصى يتخذوا الوسائل تخفف عليه من وطأة الحر، يأتي بحصى يجعل في هذه اليد إلى أن تبرد ويحول في اليد الثانية حتى تبرد، فإذا سجد فرش ثم سجد عليها، تخفيفًا عليه السجود. أسألكم بالله هل مر أحد منا على هذه المرحلة؟ قل: الحمد لله، لا أحد، عندنا هذه المساجد قد ظللت بإحسان الظلال، نهيك عن المراوح، نهيك عن المراوح الجانبية والمروحة العلوية، نهيك عن المكيفات لمن فتح الله عليه، نهيك عن التهوية، ونهيك عن الفرش الذي يعتبر من أجمل الفرش من حيث الراحة والمتانة والإسفنج، راحة ما بعدها راحة، أما تستوجب هذا الشكر والحمد؟ بلى. لكن للأسف مع هذا كله نجد من الناس التصخط والتذمر وعدم الرضا، لا يا عبد الله، اجعل لسانك شاكرًا حامدًا لنعمة الماء البارد ولسائر النعم التي يسرها علينا الرب عز وجل، وما قد تيسرت لمن ذي قبلنا. ولئن شكرتم لأزيدنكم. وأختم هذا المجلس بل أختم هذه السلسلة بالفائدة الأخيرة، وهي: عباد الله، هل يؤجر المسلم على الحر أم لا؟ الجواب: يؤجر، وهذا من عظيم إنعام الله علينا على هذه الأمة المحمدية، ولا زالت هذه النعم والفضائل تتنزل علينا من دون سائر الملل ومن دون سائر النحل. ذكر العلماء أن الحر وما فيه من شدة وما نعانيه من التعب والعرق والتعرق وما يبتل به الواحد من الأضيق والهم، كل ذلك مما تؤجر عليه. ولهذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم، كما جاء من حديث أبي سعيد ومن حديث أبي هريرة، كما جاء في البخاري وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا أذى ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه». علق الإمام الكشميري رحمه الله تعالى في فيض الباري في شرح صحيح البخاري، قال رحمه الله: «ونحو ذلك عندي الحر، فإنه مما يكفر به»، الحر يدخل كذلك في تكفير الذنوب. لذا عليك يا عبد الله بالصبر والاحتساب، وهذا أمر من الله، هو سبحانه مغير الأحوال وهو المصرف الأكوان، وهو الذي يأتي بهذه الطقوس كما أشرنا في أول الدرس، ونختم به هذه السلسلة المباركة على أننا إخواني في الله لا نبقى متسخطين متذمرين على قضاء الله وكونه، وإنما نرضى ونسلم. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأن يجعل هذه السلسلة المباركة في ذكر أهم مسائل الحر نصب أعيننا، وخاصة في مثل هذه الأوقات التي نحن بحاجة إليها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.