باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 2

باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 2

الدرس في باب اليقين والتوكل من رياض الصالحين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

استجابة الصحابة لأمر النبي بعد غزوة أحد

بعد غزوة أحد حذر المنافقون الصحابة من عودة المشركين، فاستجابوا لنداء النبي صلى الله عليه وسلم متوكّلين على الله. أنزل الله فيهم آيات تثني على إيمانهم وتوكلهم وتعدهم بالأجر العظيم.

ثبات المؤمنين وتوكلهم عند اجتماع الأعداء

يؤكد الدرس أن اجتماع الأعداء لا يعني نهاية الدين، بل الحرب سجال والعاقبة للمتقين. يجب الاقتداء بالنبي وأصحابه في الثبات واليقين والتوكل على الله.

اليقين بنصر الله وعدم الخوف من الأعداء

الصحابة انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، مما يثبت أن النصر من عند الله. الخوف الذي يلقيه الشيطان في القلوب يجب استبداله بخشية الله وحده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. وبعد، فلا نزال في ذكر المؤلف، الإمام النووي رحمه الله تعالى. للآيات الواردة في باب اليقين والتوكل، من الآيات التي ذكرها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، هذه الآية نزلت في الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعدما حصل لهم في غزوة أحد، فقد أصابهم القرح والجروح، وفقدوا سبعين من الشهداء، منهم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة. فلما انتهت هذه المعركة، تكلم المنافقون وقالوا: إن أبا سفيان عزم على الكرة عليكم مرة أخرى، وجمع لكم الناس، وجمع لكم الناس. فالنبي صلى الله عليه وسلم ندب الصحابة الذين خرجوا معه في أحد إلى ملاقات ومقابلة أبي سفيان ومن معه من المشركين. فهل تردد الصحابة؟ وهل تقاعسوا وقالوا: خرجنا من غزوة أصابنا فيها ما أصابنا من القرح والجروح، وقتل منا من قتل؟ أبدًا، سرعان ما بادروا إلى الاستجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، جمعوا لكم فاخشوهم، يعني أن أبا سفيان ومن معه ممن بقي من كبراء قريش جمعوا للرسول يريدون استئصاله، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون. وهذا فيه يا معاشر أهل الحق، أهل التوحيد، أهل السنة، أهل النصرة، أن الحرب سجال، وأن كذلك الحرب كر وفر، وتلك الأيام نداولها بين الناس. فهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبهم ما يصيب الناس من قرح، من استشهاد، من جرح، وإلى غير ذلك، لكن العاقبة للمتقين، والعاقبة للمؤمنين الصادقين. فليس معنى كون المسلمين أديلوا في بعض الحروب، أو كذلك هزموا في بعض الحروب مع أعداء التوحيد والسنة، أن دين الله قد انتهى، وأن العدو قد انتصر، أبدًا. فلا يزال أهل الحق متمسكين بدينهم، ومدافعين عنه، ومجاهدين في سبيل الله سبحانه وتعالى. فما على أهل الحق إلا أن يقتدوا بنبيهم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، لا خور، لا خور، ولا ضعف، ولا استسلام، ولا كذلك تثبيط، ولا خوف، وإنما هو ثبات ويقين وتوكل على الله سبحانه وتعالى. فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أن قالوا: حسبنا الله، يكفينا الله مهما جمع الأعداء الجموع، ومهما جهزوا من عتاد، فالله عز وجل ناصر جنده: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. نكون على يقين من نصر الله سبحانه وتعالى. بعض الناس في هذه الأيام، لما صار ما صار لأهل الحق والتوحيد من الانكسار ونحو ذلك، أصبح يثبت، وكذلك يبث الخوف والرعب في قلوب الناس، وفي قلوب المقاتلين، وهذا من ضعف اليقين، ومن ضعف التوكل على الله سبحانه وتعالى. فيجب على المسلم أن يوقن بنصر الله، وأن يعلم أن العاقبة للمتقين. فانظر إلى صحابة رسول الله، سرعان ما استجابوا لأمر الله، سرعان ما أقبلوا على الجهاد في سبيل الله. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾، ذهبوا للقتال فكتبت لهم غزوة في سبيل الله، لكن لم يجدوا كيدًا ولم يجدوا عدوًا، فأبو سفيان ومن معه ولوا على أدبارهم، لأن الأمر بيد الله، نواصي أولئك بيد الله سبحانه وتعالى، فقد صرفهم عن المسلمين، ولم يكروا على الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه. فكتب الله عز وجل للصحابة غزوة من غير قتال، فقال: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾، ما يعني قابلوا قتالًا، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ لأنهم استجابوا لله وللرسول، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾، سيكرمهم الله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، يخوف أولياء، أي: الشيطان يخوف أولياء الله، يخوف أولياء الله، هذا معنى تفسير قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَ﴾، يعني يخوف أولياء الله، وذلك بأن يلقي في قلوبهم الخوف. لكن ربنا سبحانه وتعالى أمر عباده ألا يخافوا من أولئك، ألا يخافوا من أولئك، ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، لأن كيد الشيطان ضعيف، وكيد أعداء الشيطان ضعيف، كما قال الله عز وجل: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. فعلى الإنسان ألا يخاف لوم لائم، وأن يقول الحق، وأن يقاتل ويجاهد في سبيل الله، وأن لا يسمع لتثبيط المثبطين، ولا لتخذيل المخذلين، بل يقوي إيمانه ويقينه بالله سبحانه وتعالى، ويتوكل على الله، وليبشر بنصر الله سبحانه وتعالى. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.