الأمثال في الكتاب والسنة 2

الدرس في الأمثال في الكتاب والسنة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مثل المنسلخ من آيات الله في سورة الأعراف

يستعرض المحور مثل الرجل الذي آتاه الله آياته فعرف الحق ثم انسلخ منه وآثر الحياة الدنيا فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ويبين أن من عرف الهدى ثم أعرض عنه لشهوة دنيوية يخذله الله فينقلب ضالاً ولا يستطيع الرجوع بسهولة.

تشبيه صاحب الهوى بالكلب وخطر اتباع الشهوات

يشرح المحور خطورة اتباع الهوى والشهوات التي تؤدي إلى إضاعة الصلاة والعبادات، ويشبه صاحب الهوى بالكلب الذي يلهث سواء زُجر أو تُرك. يستدل المقطع بآيات قرآنية وحديث نبوي يحذر من اتباع الهوى ومضلاته.

تحذير السلف من الشهوات المصدّة عن الحق

يحذر المحور من أن كثيراً من الناس يتركون الحق والاستقامة بسبب شهوة البطن والفرج وطول الأمل واتباع الهوى. يستشهد بتحذير النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه من أن هذه الشهوات تنسِي الآخرة وتصد عن الحق وتجعل الإنسان عبداً للدنيا والمال.

دعاء بتزكية النفوس وتطهير القلوب من الهوى

يتضرع الداعي إلى الله أن يطهر القلوب من اتباع الشهوات والهوى، وأن يزكي النفوس. ويسأله أن يجعل الآخرة همّ المؤمن الأكبر ولا يجعل الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في درس الماضي بعض الأمثال التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن، ومن ذلك ما جاء في سورة العنكبوت، بقوله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]. وما جاء في سورة الحج، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣-٧٤]. ومن الأمثال التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن ما جاء في قوله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥-١٧٧]. ففي هذه الآيات ذكر الله جل وعلا مثلاً عظيماً فيمن وفقه الله جل وعلا للحق، وللهدى، وللاستقامة على شرع الله جل وعلا، ووفقه لكتاب الله، ولسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وعرف الحق، لكنه آثر العاجلة على الآجلة، وهي الآخرة. آثر العاجلة، أي الدنيا، على الآجلة، وهي الآخرة، فترك الحق لأجل الدنيا، ولأجل الشهوات، والعياذ بالله. لماذا؟ وقد عرف الحق، وقد عرف دين الله جل وعلا، وعرف سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، استقام، كان على هدى، كان على نور، كان على بصيرة، كان على استقامة، ترك هذا كله لماذا؟ لأجل الدنيا، ركن إلى الدنيا، وأخلد إلى الدنيا، تبع الشهوات، العياذ بالله، فترك الحق، وضل عن الصراط المستقيم، وربما باع دينه بعرض من الدنيا، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». لماذا يبيع دينه بعرض من الدنيا؟ لأجل الدنيا، أجل المال، أجل الشهوات، ترك دين الله، ترك الحق، ترك الاستقامة، وإلا فقد عرف الحق، وقد دخل النور في قلبه، وقد وفقه الله جل وعلا للهدى، لكنه انسلخ، انسلخ من هذا الهدى، وانسلخ من هذا النور، كما تنسلخ الحية من جلدها، وكما ينسلخ الإنسان من ثوبه، انسلخ والعياذ بالله، وأخلد إلى الأرض، عياذاً بالله. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، يعني: علمه الله جل وعلا دينه، وعرف ذلك. ماذا كان الواجب عليه حين وفقه الله جل وعلا للهدى، وللنور، وللصراط المستقيم؟ كان الواجب عليه أن يشكر الله عز وجل على ذلك، وأن يحمد الله سبحانه وتعالى على هذا التوفيق، وهذه الهداية، وأن يثبت على ذلك، ولا يبالي بالشهوات، ولا بالشبهات، ولا يبالي بالدنيا، ولا بزخرفتها، ولا بزخرفها. هذا الواجب عليه، وأن يسأل الله عز وجل الثبات على هذا الحق، على هذا الصراط المستقيم. لكن لم يكن منه ذلك، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾، سلخ من هذه الآيات، سلخ من الحق، سلخ من الهدى، سلخ من النور، سلخ من الاستقامة، ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾، فرح الشيطان، سعد الشيطان، سعداً عظيماً، وفرحاً عظيماً. حين ينسلخ الإنسان من الحق، يفرح الشيطان مباشرة، يلحقه، ويسارع إليه حتى لا يفوته، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ مباشرة، حين رأى ترك الحق، ترك الاستقامة، ترك الصراط المستقيم، والشذاقة، وسوس له حتى ترك هذا، فلما ترك، أتبعه، وأدركه، ولحقه، ولازمه، ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، من الضالين، من المنحرفين، من الزائغين. لماذا زاغ؟ قد عرف الهدى، لماذا ضل؟ قد عرف الرشاد. السبب: حصول الزيغ في القلب، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، لما حصر الزيغ في القلب، لأجل الشهوات، لأجل الدنيا، ولأجل كذا وكذا وكذا، لما حصر هذا الزيغ في القلب، حصر الزيغ بعد ذلك عن الدين، وعن الحق، وعن الصراط المستقيم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، جزاء وفاق، ولا يظلم ربك أحداً، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. الإنسان حين يعرف الحق، يجب عليه أن يلازم هذا الحق، ويثبت عليه، فلا يقول بعد: «أولا اجعلنا نحصل على شيء من المصالح، ومن الأموال، ومن كذا وكذا، الحكمة ما أردناها، موجود، معروف، بعد ما نأخذ ما نريد نرجع». وهذا نسي هذا المسكين، وغفل هذا المسكين عن مثل هذه المواعظ في كتاب الله عز وجل، التي فيها العقاب العاجل في الدنيا، لمن عرف الحق وآثر الدنيا وأعرض عنه، ثم يريد أن يرجع، فلا يستطيع. لماذا؟ لأنه أعرض، فقلب الله جل وعلا أفئدة هؤلاء، وأبصار هؤلاء، وأجعلهم في طغيان، في ظلمات، سبب الإعراض عن الحق. فمثل هذا الذي حكاه الله جل وعلا عن هذا الصنف من الناس، الذي آتاه الله جل وعلا آياته، وبصره بها، وفقهه بها، لكنه انسلخ، والعياذ بالله، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، أي: بهذه الآيات، بهذا العلم، بهذا الدين، بهذا الحق. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾. لو أنه عمل بهذا الحق، بهذا النور، لرفعه الله عز وجل، لأن الله جل وعلا يرفع أهل الإيمان، ويرفع أهل العلم، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ومنازل رفيعة. لكن هذا جاءه الحق من رب العالمين، وبصره الله جل وعلا بشرعه، وبآياته، ولكنه أخلد إلى الأرض، ما عمل بهذا العلم، فما حصل على الرفع، وإنما حصل على الذل والمهانة. فسبب ذلك أنه أخلد إلى الأرض، أي: إلى الدنيا، آثر الدنيا على الحق، وعلى الشرع، وعلى الاستقامة، بسبب اتباع الهوى. ﴿وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، تبع الهوى، ما اتبع الهوى، تبع الهوى، الهوى: الشهوات، الشهوات، النفس الأمارة بالسوء، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، فهو قدم شهوات نفسه، وهوى نفسه، على الحق، وركن إلى الدنيا، وأخلد إلى الدنيا. فالله جل وعلا يقول: مثل هذا ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾، كلب، هذا الحيوان، ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. الكلب الآن إذا حملت عليه، بمعنى: زجرته، طردته، آذيته، يلهث، ينزل لسانه، ويلهث. طيب، لم تحمل عليه، لم زجرته، لم طرته، ولا شيء، هل يترك اللهث؟ لا، لا زال يلهث. ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾، هذا هو حال، ومعنى صاحب الهوى، هو على هذا الحال، متبع الهوى، مهما تذكر له من النصوص، مهما تذكر له من الآيات، مهما تذكر له من الأحاديث، مهما تذكر له من العلم، من الحجج، ومن البراهين، الكلام، لا يفعل، يلهث. وهذا على هذا الحال، متبع الهوى، مقدم هوى نفسه على الحق، مثل الكلب، والعياذ بالله، هذا الحيوان الحقير الذي يستحقره الناس، فجعل الله جل وعلا مثل المتبع للهوى، كمثل هذا الكلب. المتبع للهوى، ملازم لهواه، لا يفارقه، المتبع للهوى، ملازم للهوى، لا يفارق الهوى، يعني: دينه هوى، مات هواه نفسه، فهو ملازم للهوى، كملازمة الكلب لللهث، الكلب ملازم لللهث دائماً، هو على هذا الحال يلهث، ملازم لللهث، وصاحب الهوى ملازم للهوى. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ»، الذي يأتيه من هذا المكان فقط، هو الذي يأخذه، الذي وافق الهوى، وافق هواه، أخذه، ما وافق هواه، تركه، والعياذ بالله. لماذا؟ للشهوة. كثير من الناس تركوا الصلوات، تركوا الصيام مثلاً، تركوا العبادات، تركوا الطاعات، تركوا الصدق، تركوا الأمانة، لماذا؟ لاتباع الشهوة، واتباع الهوى. الذين لا يصلون، لا يؤدون الصلاة التي ترضي الله جل وعلا، ما سبب ذلك؟ السبب: اتباع الشهوة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. فخلف من بعدهم خلف، أضاعوا الصلاة، قد يقول القائل: لماذا أضاعوا الصلاة؟ هل جواب بعدها؟ ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، فإذا لما اتبعوا الشهوات، ضيعوا الصلوات، وضيعوا العبادات، وتركوا الطاعات، وفعلوا المنكرات، واقترفوا السيئات، كل ذلك بسبب اتباع الهوى، وبسبب اتباع الشهوة، والعياذ بالله. فمثل هذا الذي يتبع الهوى، كمثل هذا الكلب، في ملازمته لهذا الحال، من اللهث، عنده الهوى، ولذلك الله سبحانه وتعالى حذر أنبياء، وهم معصومون، من اتباع الهوى. ومع هذا، ومع هذا، يحذر الله جل وعلا من اتباع الهوى، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]. أمر من رب العالمين لنبي من أنبيائه، وهو داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، بأن يحكم بين الناس بالحق، ولا يتبع الهوى، فيضله عن سبيل الله. فكيف بنا نحن؟ يقول الله لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، ويقول الله جل وعلا لموسى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ﴾ [طه: ١٦]. تحذير هؤلاء أنبياء، وحذر المؤمنين: ﴿فَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، فلا تتبع الهوى. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام خاف أن تقع هذه الأمة في هذا الداء العضال، وهذا المرض الخطير، إيه والله، اتباع الهوى مرض خطير، خطير جداً، أخطر الأمر: إنسان إذا ابتلي الله جل وعلا بهذا المرض، فصار والعياذ بالله، لا يبالي، لا يبالي، إنما يأخذ ما يوافق الهوى فقط، فهذا خافه النبي عليه الصلاة والسلام. جاء عند ابن ماجه في السنة، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الْأَمَلِ، أَوْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: شَهَوَاتُ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ، وَمُضِلَّاتُ الْهَوَى». انظروا كيف قرن النبي عليه الصلاة والسلام بين شهوات الغي، شهوات الغي وهي شهوات البطون، وشهوات الفروج، «إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: شَهَوَاتُ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ، وَمُضِلَّاتُ الْهَوَى». هذه الأمور خطيرة جداً. كثير من الناس، لأجل شهوة البطن، يترك الحق، لأجل كسوة العيد، ولأجل اللحم، ولأجل اللبن، ولأجل كذا وكذا وكذا من أطعمة البطون، يترك الحق، يعني: يعرف مثلاً أن هذه الجماعة على غير الصواب، يقول: «أنا أعرف، أنا أعرف أن هؤلاء ما هم على حق، إنما هم أهل دنيا، وأهل أموال، وكذا وكذا وكذا». طيب، لماذا، مادام عرفت أنهم ليسوا على حق، لماذا تلازمهم، ولماذا معهم أنت؟ الجواب معروف، الجواب معروف: شهوات البطون، شهوات البطون، أجل البطن، يتبع الذين يحضرون الموالد. كثير من عامة الناس يقول: «والله بكل صراحة، يقول: والله ما نحضر المولد إلا لأجل ما يحصل من آخر المولد». ما الذي يحصل؟ توزيع الحلوى، وربما يعني وجبة دسمة، الأرز على اللحم، وأجل هذا، ما أجل، أجل المولد، أقول: المولد، أعرف هذا، أنا ما أجلت مشان المولد، إلا جلس، فلما أدري، إيه يقولون، ويتكلمون، لكن بعد الصلاة، خلاص، أنتبه الآن بالأكل والحلوى. هذا تبع شهوات البطن. وهكذا كثير من الناس، ممن يعرف انحراف بعض الفرق، بعض الطوائف، تحذير العلماء منهم، وأنهم ليسوا على منهج للسنة، ومع هذا، ومعهم، يسير معهم، لماذا؟ لأجل بطنه، لأجل شهوة بطنه. وهذا كثير من الناس يقع، العياذ بالله، في الضلال والانحراف، لأجل شهوة الفرج، لأجل شهوة الفرج، والعياذ بالله، من الزنا، أو اللواط، أو غير ذلك، فلأجل هاتين الشهوتين الخطيرتين، شهوة البطن، وشهوة الفرج، وقع كثير من الناس في الضلال، وفي الانحراف، وفي الزيغ، وفي ترك الحق، وفي ترك الاستقامة. وصنف من الناس، كذلك ترك الحق، وترك الاستقامة، وترك المنهج الحق، والصراط المستقيم، لأجل الهوى. فلذلك خشي النبي عليه الصلاة والسلام أن تقع هذه الأمة في هذه الشهوات، التي هي سبب للانحراف، والزيغ، والضلال: «إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: شَهَوَاتُ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ، وَمُضِلَّاتُ الْهَوَى». يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الْأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى، طُولُ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى، فَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ». انظروا إلى هذا الكلام العظيم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه: «إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولُ الْأَمَلِ، طُولُ الْأَمَلِ مَعْنَاهَا: لِلْإِنْسَانِ يُؤَمِّلُ عُمْرًا زَمَانًا طَوِيلًا، وَالْعُمْرُ مَعِي وَاسِعٌ، وَاسِعٌ، غَدًا السَّعِينَ، بَعْدَ كَذَا، بَعْدَ كَذَا، بَعْدَ كَذَا، أَتُوبُ، بَعْدَ الْوَقْتِ، لَا زَادَ الْأَمَلُ مَفْتُوحًا عَظِيمًا، هَؤُلَاءِ ابْتُلُوا بِهَذِهِ الْبَلِيَّةِ، عِنْدَهُمْ مَاذَا؟ هَذَا الْأَمْرُ طُولُ الْأَمَلِ، وَهَكَذَا أَعْرَضُوا عَنِ الْآخِرَةِ، وَعَنِ تَذَكُّرِ الْآخِرَةِ، بِسَبَبِ طُولِ الْأَمَلِ، بِذَلِكَ، قَالَ: فَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي الآنَ طُولُ الْأَمَلِ، أَنَّهُ مَثَلًا سَيَعِيشُ عُمْرًا طَوِيلًا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، هَلْ هَذَا مِنَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ ذِكْرَ الْآخِرَةِ؟ لَا، هَؤُلَاءِ يَقَعُونَ فِي نِسْيَانِ الْآخِرَةِ، لِمَاذَا؟ مِنْ لَأَوْقَعِهِمْ فِي نِسْيَانِ الْآخِرَةِ طُولُهُمْ لِلْأَمَلِ». «طُولُ الْأَمَلِ كَانَ سَبَبًا فِي نِسْيَانِهِمْ الْآخِرَةَ، وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، اتِّبَاعُ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، هَذَا مَا يَقْبَلُ الْحَقَّ، وَيُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ، لَمَّا اتَّبَعَ الْهَوَى أَعْرَضَ عَنِ الْحَقِّ، صَدَّ عَنِ الْحَقِّ». وقال متمماً هذا الكلام: «أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ مُدْبِرَةً، وَالْآخِرَةَ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابٌ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ». الدنيا، الدنيا هذه دار العمل، والآخرة دار الجزاء، إذا أراد الإنسان يعمل في الآخرة عملاً، لا يمكن، حتى إذا جاء أحدكم الموت، قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠]، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. الآن دار العمل، هذه دار الدنيا هي دار العمل، والآخرة دار الجزاء، دار الحساب، فالإنسان يعمل في هذه الدنيا، ويتزود، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فهذا تحذير من علي، رضي الله تعالى عنه، هذه الأمة، من أن تقع في هذه الشهوات، العياذ بالله، شهوات البطون، شهوات، كذلك الهوى، شهوات الدنيا، لأنسان تتعلق بالدنيا، وقدمها، صار يوالي ويعادي عليها، ولأجلها، الولاء والبراء عنده لأجل الدنيا، وصديقه من كان يعطيه من الدنيا، وحبيبه كذلك، فكله لأجل الدنيا. ومن الناس من يصل في هذا الأمر، ويبلغ مبلغاً عظيماً، عياذ بالله، من تبع الهوى، حتى يصير الهوى له كالإله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال جل وعلا: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ لِعِنَانِ فَرَسِهِ، كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ كَانَ فِي الْحَرَاسَةِ». من الناس من صار عبداً للدينار، ومن الناس من صار عبداً للدرهم، ومن الناس من صار عبداً للخميصة، وللخميلة، وللقطيفة، وللريال السعودي، وللدرهم الإماراتي، وهكذا، لماذا؟ صار يوالي ويعادي لأجل المال، والعياذ بالله، وهذا خطر عظيم. وهذا كما سمعتم، من اتباع الشهوات، ومن اتباع الهوى، نسأل الله جل وعلا أن يطهر قلوبنا من اتباع الهوى، وأن يزكي نفوسنا، وأن يجعل الآخرة همنا، ولا يجعل الدنيا أكبر همنا، والحمد لله رب العالمين.