الدرس في الأمثال في الكتاب والسنة 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مثلين قرآنيين للإنفاق في سبيل الله: حبة تنبت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، وجنة بربوة تؤتي أكلها ضعفين، مبينًا أن المضاعفة مشروطة بإخلاص النية وابتغاء مرضاة الله. كما يربط ذلك بحديث صيام رمضان إيمانًا واحتسابًا محذرًا من الإنفاق على البدع والمحدثات الذي يجر الآثام.
يضرب المقطع مثلين: الأول يشبه كلمة التوحيد بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها، وكلمة الشرك بشجرة خبيثة اجتثت لا قرار لها. والثاني يشبه من يحمل العلم ولا يعمل به بالحمار يحمل أسفاراً، مستشهداً بيهود التوراة محذراً من كون العلم بلا عمل لا ينفع صاحبه.
يؤكد المقطع أن الغرض من العلم الشرعي هو العمل به، وأن عدم العمل بالعلم يشبه حال اليهود الذين غضب الله عليهم بينما العبادة بالجهل تشبه حال النصارى، مستشهداً بأقوال السلف وآيات تحذر من قول ما لا يفعل. ويذكر حديث النبي ﷺ عن ثلاثة يسعر بهم النار ومنهم من لم يعمل بعلمه، ومثال الرجل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ثم يخالف ذلك فيعذب في النار كالدوران بالحمار في الرحى.
الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد ذكرنا في دروس ماضية بعض الأمثال التي ذكرت في كتاب الله جل وعلا، وآخر ما ذكرنا عن هذه الأمثال ما جاء في مثل المنفق في سبيل الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى بين أن من أنفق في سبيل الله مثله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. وهذه الآية فيها بيان أن من أنفق في سبيل الله جل وعلا، يعني في مرضاة الله جل وعلا، في أمور فيها نفع دنيوي أو أخروي، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله وغيره، فأجره متضاعف، يضاعف له الأجر كمثل الحبة التي أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، فمن رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة أن جعل لها الأجور المضاعفة، أعمار هذه الأمة قصيرة، والله جل وعلا قد جعل هذه الأجور المضاعفة لأعمالها لأعمارها القصيرة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهذا فضل عظيم من الله سبحانه وتعالى، فلذلك يحرص المسلم على أن يكون إنفاقه في سبيل الله في مرضاة الله جل وعلا، لا ينفق ماله في أمور يترتب عليها فساد أو إحداث بدع، مثل الذين ينفقون أموالا لإحياء الزيارات البدعية أو إقامة الموالد المحدثة، وهكذا يساهمون بأموالهم بالإنفاق من أموالهم في سبيل إقامة هذه البدع والمحدثات، هذا إنفاق في غير طاعة الله جل وعلا يترتب على ذلك الآثام والأوزار. وهكذا الله سبحانه وتعالى بين أن من أنفق أمواله في مرضاته جل وعلا كمثل جنة بربوة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. هذا مثل عظيم ذكره الله عز وجل في القرآن في مثل الذي ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله جل وعلا، فمثله كمثل جنة، أي بستان، بربوة، أي بأرض مرتفعة، بستان على مرتفع، كجنة بربوة أصابها وابل، أي مطر شديد عظيم، فآتت أكلها ضعفين، أي آتت ثمارها، فإن لم يصبها وابل فطل، وهو المطر الخفيف، وهو الرذاذ، وهذا فيه بيان أن المؤمن منتفع بعمله، وما جرى عليه لا بد إذا أدى هذا العمل على يقين وعلى ثبات، ﴿ تَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾، يعني على ثبات أن الله جل وعلا سيجزيه على أعماله هذه، وهذه الآية مثلها ما جاء في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، إيمانا واحتسابا، وهنا في الآية ﴿ تَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾، على ثبات وعلى احتساب، وهكذا على يقين أن الله جل وعلا سيجزيهم على أعمالهم هذه، فأهل الإيمان منتفعون بأعمالهم، ولا بأس إذا توفرت النية الصالحة والاحتساب، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع عمل عباده المصلحين المخلصين له جل وعلا المتابعين لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن الأمثال التي جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا ما ضربه الله جل وعلا مثلا في كلمة التوحيد وكلمة الحق، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾. هاتان الآيتان فيهما بيان مثل كلمة التوحيد ومثل كلمة الشرك والباطل، فكلمة التوحيد أصلها ثابت، وهكذا هو الموحد الذي وحد الله جل وعلا، فإنه قد بنا بنيانه على أساس متين على توحيد الله سبحانه وتعالى، فكلمة التوحيد أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهكذا هو الموحد الذي وحد الله سبحانه وتعالى، بخلاف الكافر الذي أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، أما الموحد فإنه على أساس عظيم، وهذه الكلمة العظيمة تؤتي ثمارها في كل وقت وفي كل حين، وهكذا هو الموحد فإنه على ثبات واستمر بالله سبحانه وتعالى، فيعمل آناء الليل وأطراف النهار، بخلاف الكافر فهو مثل الشجرة التي اجتثت من أصلها، صارت لا شيء، لا نفع فيها ولا خير ولا أساس لها ولا بنيان، هذا هو مآل كل مشرك والعياذ بالله، إن مآله إلى الخسارة وإلى الانقطاع، أما الموحد فهو في الدنيا على عمل صالح لله عز وجل وعلى حسنات عظيمة، وإذا رحل من هذه الدنيا كانت له من الأعمال التي بسببها تأتيه الحسنات وهو في قبره، من علم صالح علمه، أو صدقة جارية، أو ولد صالح رباه تربية حسنة، في آخر ذلك. وذكر الله سبحانه وتعالى أيضا في كتابه الكريم مثلا في من علم ولم يعمل، ولم يعمل بعلمه، مثله الله جل وعلا بالحمار، كما هو الوصف الذي أنزله الله جل وعلا في اليهود الذين علموا ما أنزل إليهم ولكن لم يعملوا بما أنزل إليهم من التوراة، فمثلهم الله جل وعلا بالحمار الذي يحمل الأسفار، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾. اليهود علموا ولكن لم يعملوا، علموا ولكن لم يعملوا، فمن علم لم يعمل فأسوته اليهود والعياذ بالله، والذين يعلمون ولا يعملون كمثل الحمار يحمل الأسفار، الحمار إذا وضع عليه رياض الصالحين وفتح الباري والمنهاج وصحيح مسلم السنن وكتب العقيدة كتب الفقه، وضعت عليه آلاف من الكتب على ظهره، ماذا ينتفع بهذه الكتب؟ وماذا ينتفع بهذه العلوم؟ لا ينتفع بشيء، فهكذا هو مثل الذي يعلم، عنده علم في العقيدة، عنده علم في الفقه، عنده علم في كذا، عنده كثير من العلوم، لكن لا يعمل بهذا العلم، فمثله كمثل الحمار هذا الذي يحمل هذه الأسفار ولا ينتفع بها، وهذا محمل، هذا محمل بالعلوم، كما أن الحمار محمل بتلك الكتب، فالحال واحد، وإن كان هذا حمار وهذا إنسان، إذا كان هذا العلم ليس معه عمل فالحال واحد، لا فرق بينهما، لماذا؟ لأن العلم الذي أنزله الله جل وعلا على عباده الغرض منه العمل، العمل بهذا العلم، وإلا فقد لعن الله جل وعلا اليهود وغضب عليهم وأمر عباده باجتناب طريقهم لابتعاد عنه، ونحن نقرأ في كل صلاة سورة الفاتحة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾، غير المغضوب عليهم وهم اليهود، ولا الضالين وهم النصارى، فعدم العمل بالعلم هو حال اليهود، ومن اقتفى بهذا فقد اقتفى بهذه الصفة السيئة التي كانت عند اليهود والتي لأجلها لعنهم وغضب عليهم، ورحم الله سفيان بن عيينة رحمة واسعة إذ يقول: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى»، الذي يفسد من العلماء، علماء هذه الأمة، علماء الفساد فيهم شبه من اليهود، لأن العالم الفاسد هو الذي لا يعمل بعلمه، لا يعمل بعلمه وإنما يخالف والعياذ بالله ويترك هذا العلم ولا يعمل به، وهذا كشأن علماء الضلال، لأئمة الذين يهدون إلى النار والعياذ بالله، وهم لأئمة الظالمون الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كثير من هؤلاء علماء الضلال واقعون في هذا الأمر، عندهم علم من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومع هذا تجدهم يخالفون هذا العلم ولا يعملون بهذا العلم، عندهم حفظ للقرآن، عندهم حفظ لأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندهم حفظ لقواعد العلماء والأئمة، ومع هذا هم في واد وفي سبيل غير سبيل أهل الإيمان، فرقة الناجية طائفة منصورة، فهؤلاء علماء ضلال علماء فساد فيهم شبه من اليهود والعياذ بالله، وهكذا العباد من هذه الأمة الذين يعبدون الله جل وعلا ببدع ومحدثات، يتقربون الله عز وجل بأذكار محدثة أو بعبادات محدثة، فهؤلاء بهم شبه من النصارى، لأنهم عبدوا الله جل وعلا بجهل كما عبد النصارى الله جل وعلا على جهل، ففي الآية تحذير عظيم من عدم العمل بالعلم. قد جاءت النقولات الكثيرة عن السلف الصالح التي فيها بيان حرصهم على العمل بالعلم، كانوا إذا علموا شيئا من دين الله عز وجل عملوا به، فأبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول كما في مقدمة تفسير ابن كثير: يقول: حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن أنهم لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يعملوا بها، يعني إذا حفظوا عشر آيات عملوا بما تقضيه هذه الآيات، كانوا يعملون بعلمهم، وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: «هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتهن»، هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتهن، القاعد كان يتعلم ولا يعمل، ليش الفائدة؟ ما هي الفائدة؟ يكثر من العلوم ومن التعلم وهو لا يعمل، وهذا ليس فيه التزهيد من طلب العلم الشرعي، لا، إنما المراد أن الإنسان كما أنه يحرص على الاستزادة من العلم يحرص على الاستزادة على العمل بهذا العلم، أما أن يتعلم وعمله ضعيف ولا يعمل بهذا العلم فهذا فيه وعيد شديد، جاء في كتاب الله في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. وهكذا جاء في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام في الثلاثة الذين يسعر بهم النار يوم القيامة، منهم ناس لم يعملوا بهذا العلم، وفي حديث أسامة بن زيد كذلك الرجل الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عنه ويخالف ذلك، معنى أنه لم يعمل بهذا العلم بل كان يخالفه، فكان يدور فيه النار كما يدور الحمار برحاه، وال