الدرس في الأمثال في الكتاب والسنة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع مثلين قرآنيين للمنافقين: مثل المستوقد ناراً أضاءت ثم انطفأت فبقي في ظلمات، ومثل الصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت. يبين أن المنافقين ينتفعون بإظهار الإسلام في الدنيا لعصمة الدم والمال، بينما هم في الآخرة في نار جهنم ويعيشون في خوف دائم من نزول الوحي الذي يفضحهم.
يوضح المقطع أن المنافقين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فيستفيدون ظاهرياً من مرافقة المؤمنين، لكن يوم القيامة تنكشف سرائرهم ويفصل بينهم وبين المؤمنين بسور، فيطلبون النور فلا يُعطَون ويُمنعون من السجود فضحاً لنفاقهم. كما يذكر مثل النبي ﷺ للأربعة: المؤمن القارئ كالأترجة، المؤمن غير القارئ كالتمرة، المنافق القارئ كالريحانة، والمنافق غير القارئ كالحنظلة.
يشرح المقطع أربعة أمثال نبوية تصنف الناس حسب إيمانهم وقراءتهم للقرآن: المؤمن القارئ كالأترجة طيب الطعم والريح، المؤمن غير القارئ كالتمرة طيب الطعم بلا ريح، المنافق القارئ كالريحان طيب الريح مر الطعم، والمنافق غير القارئ كالحنظلة مر الطعم بلا ريح. كما يذكر مثلين للإنفاق: المخلص كحبة أنبتت سبع سنابل، والمرائي كصفوان عليه تراب أزاله المطر فبقي صلباً.
يحذر المقطع من أن الصدقة المصحوبة بالمن والأذى والرياء والسمعة تبطل أجرها، مشبهاً ذلك بمطر يزيل التراب عن الحجر فلا يبقى منه شيء. ويختتم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في دروسنا الحاضرة بعض الأمثال التي ذكرت في كتاب الله جل وعلا. ومن هذه الأمثال التي ذكرناها: المثل فيمن يدعو من دون الله جل وعلا ويشرك بالله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 41]. وضرب مثلًا ربنا جل وعلا أيضًا فيمن يقع في الشرك بالله عز وجل، فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 73-74]. وذكرنا كذلك ما ذكر الله جل وعلا من مثل في حق من يتبع الهوى، كما قال جل وعلا: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ [الأعراف: 176]، بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ [الأعراف: 176]، فمثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث. ومن الأمثال التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: مثل المنافقين، فقال جل وعلا في كتابه الكريم في سورة البقرة: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 17-20]. ففي هذه الآيات ضرب ربنا سبحانه وتعالى مثلًا في المنافقين الذين يظهرون الطاعة ويظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق، والعياذ بالله. فإظهارهم لإسلامهم وإيمانهم يعصم -لسبب ذلك- دماءهم وأموالهم وأعراضهم، فيستفيدون شيئًا في هذه الحياة الدنيا من إظهار هذا الإسلام الذي إنما هو إسلام في الظاهر، وفي الباطن نفاق وكفر، والعياذ بالله. فيحصل لهم من النفع في الدنيا: عصمة أموالهم ودمائهم وأعراضهم. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يترك المنافقين، يترك المنافقين لماذا؟ لأنهم كانوا يظهرون الإسلام، يظهرون الإسلام وأنهم من أهل الإسلام، ويبطنون الكفر والنفاق. هل استفادوا من إظهار هذا الإسلام وهذا التوحيد مع إبطانهم الكفر والنفاق شيئًا؟ نعم، استفادوا فائدة في الدنيا: عصمت دماؤهم لأنهم في الظاهر مسلمون وموحدون، وعصمت أموالهم وأعراضهم. لكن في الآخرة فما لهم إلا نار جهنم خالدين فيها. فهذه الآيات فيها بيان في المنافقين، كما قال جل وعلا: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾، كمثل رجل، كمثل رجل أوقد نارًا، انتفع بهذه النار، بضوء هذه النار فترة معينة، أشعل هذه النار ثم أضاءت له فنظر ما حوله وتبصر لما حوله من أمور، فاستفاد من ذلك، لكن ذهب ضوء هذه النار، فإنه يكون في ظلمات. ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴾، يعني أن الله -عز وجل- إذا كشفهم وظهروا على حقيقتهم كانوا في ظلمات، كانوا في ضلال، وكانوا كذلك على خطر عظيم. فهذا هو مثل المنافق: إذا استفاد من إظهار إسلامه وتوحيده شيئًا، فإنما هو كاستفادة ذلك الرجل الذي أوقد تلك النار فأضاءت له فترة معينة فقط، ولكن لما ذهب ضوء تلك النار صار في ظلمات، وصار في ضلال بعيد، والعياذ بالله. وكذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾. فهم إذا استفادوا شيئًا عاجلهم الظلام والظلمات بعد ذلك، فهم متخبطون، وهم مترددون، وهم حائرون، وهم على وجل. نزول الآيات من رب العالمين على المنافقين كالنزول الصواعق، لماذا؟ لأنهم يخافون أن يكون في هذه الآيات شيء يفضحهم ويبين حالهم، فالآية عليهم مثل الصواعق، لماذا؟ لأنهم على خوف وعلى وجل أن تكشف حقيقتهم وأن يبين حالهم، فلذلك هم على رعب، فيعيشون في ظلمات، ويعيشون في كذلك مهالك، وعلى حيرة عظيمة من أمرهم. لا سعادة معهم، لا سعادة معهم والله، فالمنافق لا سعادة معه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وإن انتفع، وإن انتفع بإظهاره الإسلام شيئًا، إنما هو انتفاع قليل، انتفاع بسببه تعصم ماله ودمه وعرضه كما تقدر، أما أن ينتفع بسعادة وراحة وطمأنينة فهذا محال في حق المنافق أن يتحصل على ذلك، بل هو العياذ بالله على خوف وعلى وجل أن تأتيه المنية وأن يأتيه الموت وهو على هذا الحال من النفاق والكفر. فنزول الآيات كالصواعق على هؤلاء المنافقين، ولذلك يحذرون أن تنزل آية من رب العالمين، كما أخبر الله عز وجل في القرآن، أن تخضعهم وتبين حالهم: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. فمجمل ما نستفيد من هذه الآيات، من هذا المثل العظيم الذي ذكره الله عز وجل في حال المنافقين: أنهم على حيرة، وأنهم على ظلمات، وإن استفادوا شيئًا ونفعًا دنيويًا، لكنه زائل، ومع هذا النفع الحاصل لهم في هذه الدنيا إلا أنهم كذلك على تخبط، يمشون تارة وتارة يقفون، تارة يتخبطون وتارة... وهذا هو حال كل منافق. والنفاق الأكبر هو أعظم وأعظم، الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، والنفاق العملي كذلك خطير على صاحبه، نفاق العملي كذلك خطير على صاحبه. فالإنسان أن يتحرر من النفاق الأكبر وهكذا الأصغر. وأهل النفاق وإن كانوا مع أهل الإيمان في هذه الدنيا في الظاهر، الآن هم لما أظهروا التوحيد وأظهروا الإسلام في الظاهر يمشون مع أهل الإيمان، ربما يصلون معهم، وربما كذلك يجاهدون معهم، وربما يفعلون بعض الأمور من الطاعات والعبادات في الظاهر، لأجل ماذا؟ لأجل أن يعرف المسلمون أنهم على إسلام، وأن المنافقين على... وأنهم على إسلام، وأنهم على توحيد، فيصاحبونهم في الدنيا ويرافقونهم مرافقة في الظاهر فقط، والباطن يختلف. ولذلك يوم القيامة تكشف السرائر، وتبلو السرائر، وتظهر الحقائق. فيوم القيامة يأتي المنافقون ويمشون خلف المؤمنين كما كانوا يمشون خلفهم في الدنيا، في الآخرة كذلك خلف المؤمنين. فأهل الإيمان يمشون، والله جل وعلا قد جعل لهم نورًا يبصرون به الطريق، ويمشون مشيًا سليمًا وسديدًا. المنافقون خلفهم، ظنوا أن الأمر لا زال كما كانوا يمشون وراء أهل الإيمان في الدنيا، فينتفعون بإظهار هذا النفاق، في الآخرة ما ينتفعون، يريدون حتى مثل هذا النفع ما يجدون أبدًا، كما قال سبحانه: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ﴾ [الحديد: 13]، يريدون شيئًا من النور، كانوا في الدنيا يجدون شيئًا من النفع، لكن في الآخرة لا، في الآخرة يخضعون، فماذا يقولون؟ ﴿ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا ﴾ [الحديد: 13]، فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾ [الحديد: 14]، أي في الدنيا، ﴿ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ﴾، ينادونهم: ألم نكن معكم؟ ينادونهم: ألم نكن معكم أي في الدنيا كنا معكم، يعني ربما كنا معكم، يعني في المساجد كنا معكم، في غزوات كنا معكم، في فعل كذا وكذا من الطاعات، نعم كانوا معهم في الدنيا على هذا الحال، لكن في الظاهر، وأما في الباطن فهم على كفر وعلى نفاق. ﴿ قَالُوا بَلَىٰ وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [الحديد: 14-15]. فإذن يفضح المنافقون يوم القيامة، يريدون شيئًا من النور فلا يجدون نورًا، وإنما يحجز بينهم وبين أهل الإيمان، تحصل التصفية يوم القيامة، انتهى وقت... وقت نفاقهم وخداعهم ومكرهم في الدنيا، كانوا يمكرون، فالظاهر مع أهل الإيمان صفًا واحدًا، ومعهم في المجامع، ومعهم في مواقف، لكن كذب، إنما ظاهر الباطن غير الظاهر. فيوم القيامة تظهر الحقائق، يتميز أهل الإيمان عن أهل النفاق، يفصل بين أهل الإيمان وأهل النفاق. في الدنيا يستفيد المنافقون من أهل الإيمان شيئًا مما تعصم به أموالهم ودماؤهم وأعراضهم، ولكنهم يوم القيامة لا ينتفعون، يكشفون. ربما في الدنيا يصلون مع أهل الإيمان، يسجدون ويركعون، يسجدون ويركعون مع أهل الإيمان، لكن يوم القيامة ما يستطيعون، ما يستطيعون السجود. استطاعوا في الدنيا أن يسجدوا كما يسجد أهل الإيمان، ولكن يوم القيامة لا يستطيعون، ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ [القلم: 42]، يفضحهم الله جل وعلا. وكما جاء في حديث سعيد الخدري في صفة المؤمنين، أن الله جل وعلا يكشف عن ساقه يوم القيامة، فيسجد له من كان يسجد له في الدنيا عن طواعية، يعني عن طاعة وعن صدق وعن إيمان، ويأتي المنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، فلا يستطيعون، ينكشفون. في الدنيا الآن يستطيعون، الدنيا يستطيعون أن يسجدوا وأن يركعوا وأن يفعلوا ويفعلوا، لكن يوم القيامة يفضحون. فهذه الآيات فيها مثل عظيم ذكره الله سبحانه وتعالى في بيان حال هؤلاء المنافقين الذين وإن كانوا في الدنيا يضحكون ويمكرون ويخادعون، لكن الله جل وعلا لهم بالمرصاد، فمنهم من يفضح في الدنيا قبل الآخرة، ومنهم من يفضح يوم القيامة. ومن الأمثال التي جاء ذكرها في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام كذلك في المنافقين: في المنافق الذي يقرأ القرآن ويقرأ القرآن، ولكنه عياذ بالله منافق، فهذا مثله النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا حُلْوٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا مُرٌّ». فعندنا مؤمن قارئ للقرآن وعامل بالصالحات، ومؤمن مقصر، وعندنا منافق يقرأ القرآن ولكنه منافق، ومنافق لا يقرأ القرآن. فالمؤمن الذي قرأ القرآن وعمل بما جاء فيه، فهذا على أفضل المنازل، على أفضل المنازل، فهو طيب في ذاته وطيب في ريحه، مثل الأترجة، نوع من الفاكهة طعمها حلو وريحها كذلك طيب، فالمؤمن الذي يقرأ القرآن قد جمع في الطيب بين الطيب في الذات والطيب في الرائحة. والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، قال عليه الصلاة والسلام: كمثل التمرة، تمره طعمها حلو لكن لا ريح لها، خذ التمرة، شم التمرة هذه، ما فيها، ما لها رائحة، لكن طعمها حلو. هذا مثل المؤمن، فهو طيب في أصله، لماذا؟ لأنه مؤمن، معه الإيمان، فطعمه حلو لأنه مؤمن معه الإيمان، ولكن ماذا؟ لا ريح له، لماذا لا ريح له؟ أراد النبي عليه السلام بهذا المثل: أي أنه مؤمن ولكنه ماذا؟ في أعماله تقصير وتفريط، بل ما فيه مخالفة، بل فيه ما يخالف كمال الإيمان، فلذلك كان في أصله طيبًا، لكنه لما لم يتحل بأخلاق الإسلام، ولما لم يكن من العاملين للصالحات، ومن ذلك قراءة القرآن، كان لا ريح له، بخلاف ذلك المؤمن الطيب في أصله وذاته، والطيب كذلك في رائحته لما معه من أعمال وطاعات وقراءة للقرآن. المنافق الذي يقرأ القرآن، كمثل الريحان، طعمها مر، لماذا؟ لأنه منافق، فطعمه مر في أصله، مر، وريحها حلو، أو ريحها طيب، أي الريحانة، إذا شممت الريحانة، خذ الريحانة هذه، شمها، ما شاء الله، ما يحتاج أن تقربها، ريحها يعني يأتيك ولو كانت بعيدة منك، لكن اطعم الريحانة هذه، ذق هذه الريحانة بفمك بلسانك، مر، طعمها، الريحانة طعمها مر. وهذا مثل المنافق الذي يقرأ القرآن، فطعمه مر لأنه منافق، والعياذ بالله، وإن كان له هذا الريح مثل الريح لتلك الريحان، فهذا الريح لا ينفع، لا ينفع هذا المنافق ما دام أنه يقرأ القرآن نفاقًا وهو على نفاق أو على رياء، ما ينتفع بذلك. والمنافق الذي لا يقرأ القرآن، فهذا مثل الحنظلة، حنظلة، طعمها مر، وريحها كذلك... ماذا؟ مر، أو لا ريح لها، لا ريح لها وطعمها مر، لا ريح لها وطعمها مر. طيب، ولذلك يقول بعضهم: «لا تسقني كأس الحياة بذلة، بل فاسقني بالعز كأس الحنظل، بل فاسقني بالعز كأس الحنظل، كأس الحنظل، وإن كان هذا الحنظل شديد المرارة، شديد المرارة، لكن أنا سأشربه مدام ذلك فيه عز على عز، ولكن تسقني بالعز كأس الحنظل، ولا تسقني كأس الحياة بذلة، تأتي لي بكأس الحياة، كأس يعني فيه شيء من الشيء الحلو أو الشيء الطيب أو الشيء الجيد الغالي، لكن بذلة، ما أريده، يعني هذا به دم للذل، فهو يرضى أن يشرب كأس الحنظل، وإن كان شديد المرارة، لكن وهو عزيز، ولا يشرب كأس الحياة وهو ذليل». فالشاهد: أن الحنظل هذا يعني شديد المرارة، فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا يمثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن بهذا المثل، كمثل الحنظلة، فطعمها مر ولا ريح لها. ولذلك يحصل المؤمن على أن يكون في أعلى المنازل، في أعلى المقامات، أن يكون من أهل الإيمان الذين أخذوا القرآن وعملوا به وتعلموه ونشروه، حتى يكون مثلهم كمثل الأترجة، فيكونون طيبين في ذواتهم وطيبين كذلك في روائحهم، ويجمعون بين الطيبين. ومن الأمثال التي جاء ذكرها في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو في القرآن أولاً، كذلك مثل في الذي ينفق في سبيل الله، يعني ينفق، لا ينفق رياء سمعة، وإنما ينفق في سبيل الله، فهذا مثله كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]. هذا مثل الذين ينفقون ويتصدقون إخلاصًا، لا رياء ولا سمعة، فإن أجورهم تضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهكذا الله أصل يضاعف الأجور. لكن الذي ينفق رياء، ماذا مثله؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۚ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264]. هذا مثل الذي ينفق رياء، العياذ بالله، قال ربنا عز وجل: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾، حجر أملس، الصفوان هو الحجر الأملس، كمثل صفوان عليه تراب، يعني على هذا الحجر الأملس تراب، فأصابه وابل، يعني مطر، نزلت على هذا التراب الذي على هذا الحجر الأملس، فأصابه وابل، فتركه صلدًا، إذا نزل المطر على تراب موضوع على حجر أملس، هل يبقي منه شيئًا؟ لا، التراب هذا الذي كان على الحجر، لما نزل المطر أزاله، وذهب، مثل الذي ينفق رياء، فإنه ماذا؟ يبطل عمله، فهو ذهب يتصدق وينفق، لكن يرائي، والعياذ بالله، فيبطل عمله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾. فلذلك يحذر الإنسان أن يرائي، أو أن يمن، أن يمن في صدقته، يعني مثلًا يتصدق ثم يقول لذلك الذي تصدق عليه: ألم أتصدق عليك في كذا وكذا؟ أو يظهر من أفعاله كأنه يمن عليه، يمن عليه بتلك الصدقات التي كان يعطيها إياه. لا، لا تجعل في صدقتك منًا ولا أذى ولا رياء ولا سمعة، إذا كنت تتصدق منًا وأذى ورياء وسمعة، فاعلم أنك تبطل عملك، كما يبطل ذلك المطر ذلك التراب ويزيله، الذي على الحجر لم يبقَ طيب. صلى الله عليه وسلم وبارك على محمد.