الدرس في الأمثال في الكتاب والسنة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الصلوات الخمس كنهر يغتسل فيه المسلم خمس مرات فتكفر الصغائر بشرط اجتناب الكبائر. وتكفير الكبائر يتطلب التوبة النصوح ورد الحقوق إلى أهلها.
يجب اتباع السيئة بالحسنة من استغفار وتوبة وعمل صالح لتكفير الذنوب، مع تحذير من الإصرار على المعصية. الحياة الحقيقية تتحقق بذكر الله والاستجابة لأمره، والغافل عنه كالميت.
البيوت الحقيقية هي التي يعمها ذكر الله وتلاوة القرآن وإقامة العلم والصلاة لا الزخارف المادية. المؤمن يشبه بالنخلة الثابتة الأصول الراسخة في التوحيد التي لا تهزها رياح الفتن.
المؤمن الصادق كنخلة لا تضرها الرياح، فالفتن لا تضر من ثبت على شرع الله. يختتم الدرس بإعلان وقت الصلاة مع وعد بمواصلة الشرح في دروس قادمة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فقد ذكرنا في دروس ماضية بعض الأمثال التي ذكرت في كتاب الله جل وعلا، ونواصل في هذا الدرس بذكر أحاديث من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فيها أمثالاً. وكما تقدم أن هذه الأمثال لها فوائد عظيمة قد سبق الكلام عليها، ومن ذلك: الاعتبار، والتدبر، وأنها كذلك لها الوقع في نفوس الناس، غير ذلك مما ذكرها للعلم. مما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام من أمثال: ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه من شيء؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا». مثل النبي عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس: إذا حافظ عليها المسلم كانت سبباً في تكفير سيئاته وخطاياه، فلا تبقى سيئة ولا تبقى خطيئة. والمراد بهن الصغائر، الصغائر التي يقترفها الإنسان، فإن الصلوات الخمس محافظة عليها تكفر هذه السيئات الصغائر. هذا هو الصحيح، وهو مذهب جمهور أهل العلم. أما الكبائر فلابد لها من أمور: لابد من توبة صادقة من هذه الكبيرة، والندم على فعلها، والعزم على عدم العود إليها. وإن تعلقت بحقوق الناس رُدَّت هذه الحقوق إلى أصحابها. فحينئذ يكفر الله جل وعلا عن عبده هذه الكبيرة إذا جاء بشروطها، حقق شروطها، فإن الله جل وعلا يقبل توبة عبده. أما الصغائر فليست هذه الشروط تُقال فيها، وإنما الصغائر تكفرها الأعمال الصالحة والحسنات، الحسنات تكفر السيئات وهي الصغائر، إلا بعض الأعمال ذُكر بعضها عند أهل العلم أنها تكفر الكبائر، مثل الحج. الحج: لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». فقال طائفة من أهل العلم: لا يكفر الكبائر إلا الحج. وهذا فيما يتعلق بالكبائر التي ليس فيها ارتكاب ظلم في حقوق الناس من أخذ مال أو غير ذلك، فهذا لابد يُرجع إلى أهله. ولكن المراد أن الحج يكفر الكبائر، هذا مذهب جماعة من أهل العلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام يبين في هذا الحديث أن المحافظة على الصلوات الخمس سبب لتكفير الخطايا والسيئات، مثل الإنسان إذا اغتسل كل يوم خمس مرات من نهر، أو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى عليه شيء من الوسخ؟ لا. أو اغتسل بعد الفجر، اغتسل بعد ذلك بعد ساعتين غسلة أخرى، وهكذا ثالثة ورابعة وخامسة، هل يبقى عليه وسخ؟ لا يبقى عليه شيء. وهكذا الصلوات الخمس إذا حافظ عليها الإنسان في جماعة في بيوت الله، إلا من كان معذوراً، فإن الله جل وعلا يكفر عنه السيئات الصغائر على الصحيح من أقوال أهل العلم. ولذلك ثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله في حديث عبد الله بن مسعود: أن رجلاً قبل امرأة لا تحل له، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام نادماً، قد شهد معه الصلاة، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما فعل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل شهدت معنا هذه الصلاة؟» قال: نعم يا رسول الله. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل أن صلاته هذه سبب لتكفير تلك السيئة. ونزل في هذا قول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114]. فالإنسان عليه أن يسارع بالحسنة، عليه أن يحافظ على الصلوات الخمس، عليه أن يحافظ كذلك على النوافل، فإن المحافظة على النوافل كذلك سبب لتكفير السيئات. قد قال عليه الصلاة والسلام: «الصلوات الخمس، والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». إذا اجتنبت الكبائر: هنا أيضاً شرط على الإنسان ينتبه له. إذا أردت يا عبد الله أن يكفر الله جل وعلا عنك السيئات وهي الصغائر، عليك أن تجتنب الكبائر، عليك أن تجتنب الكبائر. فإن تكفير السيئات الصغائر مشروط باجتناب الكبائر. وهذا أيضاً مذكور في كتاب الله جل وعلا، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. فهذه الآية فيها شرط: شرط في حق من أراد تكفير سيئاته الصغائر، عليه أن يجتنب الكبائر. وفي حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي سمعتم: «مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». فعلى الإنسان أن يبتعد عن الكبائر، ويبتعد كذلك عن الصغائر. لا يقول: هذه صغيرة، لا يعبأ الله. لا تنظر إلى حجم المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت ومن تعصي. فأنت إذا عصيت الله جل وعلا بصغيرة فإنك قد عصيت الله، وهكذا إذا عصيت الله جل وعلا بكبيرة. لكن المعنى والمراد: أن الإنسان قد يزل، تحصل منه الزلات، تحصل منه صغائر، تحصل منه هفوات، لأنه ليس بمعصوم، لأنه ليس بمعصوم. فبحمد الله جل وعلا قد فتح الله جل وعلا لعباده أبواباً كثيرة لتكفير هذه الزلات وهذه الخطايا وهذه الصغائر، سوى التي اقترفتها العيون أو اقترفتها الأيدي أو الأرجل أو اللسان أو الجوارح الأخرى. فعلى الإنسان أن يأتي هذه الأبواب ويطرق هذه الأبواب ليكفر ربنا جل وعلا عنه سيئاته. ومن ذلك كما سمعتم: المحافظة على الصلوات الخمس، ومتابعة السيئة الحسنة، فإن الحسنة تمحو السيئة. كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح: «طائفة من أهل العلم تُروى له: حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». فإن الإنسان إذا اقترف سيئة ثم أتبع هذه السيئة بالحسنة من استغفار ومن توبة، أو صدقة، أو كذا وكذا من الأعمال الصالحة، من قراءة قرآن، من صلاة ركعتين أو أربع ركعات، أو هكذا من ذكر لله سبحانه وتعالى، فإذا جاء بحسنة أتبع بها تلك السيئة التي اقترفها، فإن الله جل وعلا يكفر عنه هذه السيئات. وكلنا ذو خطأ، وليس أحد منا بمعصوم. فالإنسان يقع في الخطيئة، لكن عليه أن لا يصر عليها، وعليه أن يجتهد في الإتيان بما يكون سبباً في محوها. قد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 133-135]. من صفات المتقين: أنهم إذا فعلوا فاحشة لم يصر عليها. من صفات المتقين: أنهم إذا فعلوا فاحشة استغفروا الله سبحانه وتعالى، ذكروا الله جل وعلا، وأنابوا إلى الله وتابوا إليه. فالمؤمن ليس بمعصوم، قد يقع في الخطيئة، قد يقع في الزلة، لكن العيب كل العيب أن يصر الإنسان على المعصية، وأن يستمر في هذه الخطيئة، ولا يسارع بالتوبة والإنابة إلى الله جل وعلا. فأهل الإيمان وأهل التقوى يسارعون في التوبة وفي الرجوع إلى الحق، لا يصرون على الباطل، ولا يصرون على المنكر. قد يأخذون بأمر ويكونون عليه، ولكن يتبين لهم بعد ذلك خلاف هذا، فلا تأخذهم العزة بالإثم، ولا كذلك يأخذهم كلام الناس: «ماذا سيقولون عنك؟ بالأمس كنت تقول كذا، وبالأمس كنت تفعل كذا». لا، لا يبالي، يراقب ربه سبحانه وتعالى، ويدين الله جل وعلا بما علم من دين الله جل وعلا الحق. أما أن يقول: «ماذا يقول الناس، وماذا كذا، وماذا كذا، وماذا كذا»؟ لا، لا تصر. ما دام ظهر لك الحق بدليله وبراهينه، وانشرح صدرك بهذا الحق، فالزم هذا الحق. فالرجوع إلى الحق خير من التمادي على الباطل، بل هو واجب. الرجوع للحق، ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54]. فلابد من الإنابة والرجوع إلى الحق، والإنسان لا تأخذه في الله لومة لائم. فربما الآن ظهر لك الحق وأنت قد عرضت عنه، وفي ظنك أنك في مهلة وفي فسحة من أمرك، وليس الأمر كذلك. ليس الأمر كذلك. فأنت لست في فسحة من أمرك، أنت لست في فسحة من أمرك إذا ظهر لك الحق. إذا ظهر لك الحق فأنت لست في فسحة من أمرك، بل الواجب عليك التزام هذا الحق الآن، الآن، من غير تأخير ولا لحظة. إلزم هذا الحق مباشرة. فلا تقل: إنه في فسحة من أمري، غداً إن شاء الله، غداً إن شاء الله ألتزم هذا الحق وأترك هذا الذي أنا عليه. لا، ما يدريك يا عبد الله؟ لعلك بعد لحظات من ظهور هذا الحق لك يأتيك ملك الموت، وأنت قد عرضت عن هذا الحق ولم تأخذ به، واستمعت لنداء الشيطان لأنك في فسحة من أمرك، ولا يحتاج هذا الأمر إلى أن تبادر إليه؟ لا. ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 133]. لابد المسارعة والمسابقة. فليس كل أمر الإنسان والمسلم هو في فسحة من أمره فيه. لا، هناك أمور ليس للمسلم فيها فسحة، بل الواجب عليه المبادرة بالتوبة والإنابة والاستغفار، حتى لا يحرم الوصول إلى الحق بعد ذلك. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]. ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]. لم يؤمن به أول مرة، من أول الأمر لم يؤمن به، ماذا كانت النتيجة؟ حرموا، حرموا الهداية، وحرموا الوصول إلى هذا الحق. لماذا؟ لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة، وأول ما ظهر لهم لم يؤمنوا بذلك ولم يلتزموا ذلك، فكان ذلك نتيجته الحرمان. فلذلك، كما سمعتم، بارك الله فيكم: الإنسان يسارع بفعل الحسنات وفعل الطاعات والإتيان بالنوافل، حتى يكفر ربنا جل وعلا عنه السيئات والخطايا. وما من إنسان إلا وله خطايا وزلات، كما سمعتم. ومن الأمثال التي ذكرت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره، كمثل الحي والميت». مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره، كمثل الحي والميت. هذا الحديث: ضرب النبي عليه الصلاة والسلام فيه مثلاً عظيماً بمن يذكر الله عز وجل، فهذا حي. فالذي يذكر الله جل وعلا هو الحي حقاً، وأما الذي لا يذكر الله جل وعلا فهذا ميت في حقيقة أمره، وإن كان يمشي بين الناس، وإن كان يأكل ويشرب، وإن كان يتحرك، ولكنه في حقيقة أمره ميت. لماذا هو ميت؟ لأنه غافل عن ذكر الله جل وعلا، ولأنه معرض عن ذكر الله جل وعلا. فالذي لا يذكر ربه فمثله كمثل الميت، والذي يذكر ربه جل وعلا فهو كمثل الحي. ذلك لأن الحياة الحقيقية إنما هي بذكر الله جل وعلا، وإنما هي بامتثال أمر الله جل وعلا وامتثال أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبالاستجابة لهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. إذا دعاكم لما يحييكم. والمعنى أن استجابتنا لأمر الله جل وعلا ولأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام فيها حياتنا. فالله جل وعلا لا يدعونا إلا لحياتنا، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يدعونا ويأمرنا بشيء إلا لحياتنا. فإذا أردنا الحياة الحقيقية فإنما تكون بذكر الله جل وعلا، وبالاستجابة لأمره سبحانه وتعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وأما الغافل والمعرض فهو ماذا؟ فهو ميت. وهكذا كذلك البيوت والدور: فإن البيوت إذا كانت عامرة بذكر الله عز وجل فهي بيوت حية. وهذا أيضاً حديث آخر، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فيه مثل الذي يذكر الله جل وعلا في بيته، ومن لا يذكر الله جل وعلا في بيته. فالبيت الذي يذكر الله جل وعلا فيه فهو بيت حي، وهو بيت معمور حقاً. وأما البيت الذي لا يذكر الله جل وعلا فيه فهو بيت غير معمور، وإن رآه الناس معموراً: فيه الفرش، وفيه الستائر، وفيه كذلك الألوان المزخرفة، وفيه النوافذ الذهبية، وفيه الأبواب أشكال وألوان، وفيه من المكيفات، وفيه من الأثاث الشيء العظيم. ولكن هذا البيت لا يذكر الله جل وعلا فيه، وإنما والعياذ بالله فيه تلفاز، وفيه دش، فأصحاب هذا البيت يتقلبون من بين قناة وأخرى، ومن فيلم إلى مسرحية، ومن أغنية إلى تمثيلية، ومن كذا إلى كذا، والعياذ بالله. وذكر الله جل وعلا في هذا البيت: ماذا؟ غير حاصل وغير موجود. فربما كثير من الناس يقولون: «ما أسعد هؤلاء الناس! فقد دخلنا بيوتهم، ما شاء الله، رأينا الستائر، ورأينا الفرش، ورأينا ورأينا ورأينا ورأينا». وجهلوا، مساكين، أنهم والله أخسر من مثل هؤلاء، وإن كانت بيوتهم ليس فيها إلا الحصير، الحصير القديمة، وليس فيها إلا النافذة الواحدة، وليس فيها إلا الباب الضعيف من الخشب، وليس فيها هذه البويات، وإنما فيها النورة إلى آخر ذلك. بل ربما هم من يسكن العريش الذي هو من هذا القصب، ومن هذه يعني سعف النخل وغير ذلك. ولكن هذا البيت المتواضع، وهذا البيت الذي ليس فيه هذه الزخارف، ما شاء الله تتلى فيه سورة البقرة لطرد الشيطان من هذا البيت، وفيه حلق القرآن تقام، ويدرس فيه العلم الشرعي من كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وتصلى فيه النوافل من أهل هذا البيت، من الرجال ممن حرص على أداء النوافل في البيت امتثالاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا، فهذا البيت والله حي، ولو كان من عريش، ولو كان من طين، ولو كان من كذا وكذا وكذا. وهذا البيت الذي هو ربما خمسة طوابق أو عشر طوابق أو كذا أو كذا أو كذا، ولكن لا يذكر رب العالمين فيه، فهو بيت ميت. فلذلك، احرص يا عبد الله أن تجعل بيتك معموراً بذكر الله جل وعلا. إذا أردت أن يكون بيتك معموراً فالعمارة الحقيقية لبيوت إنما تكون بذكر الله جل وعلا. كم من الناس اليوم من أهل الإسلام، هداهم الله، من يحرص على شراء هذه الكماليات من هذه الأمور، ولا عيب إذا كانت هذه الأشياء مباحة، ومن الوسائل المباحة: من ثلاجة أو غسالة أو مكيف أو كذا أو كذا، أو من كذا من الخشب، من هذه يعني ما يسمى بالكبة، وغير ذلك من الأواني، وغير ذلك، من غير إسراف، ومن غير تبذير، ومن غير كذلك مباهاة. لكن العجب: أنك تجد كثيراً من الناس لا يحرص على عمارة بيته العمارة الحقيقية، وهي ذكر الله جل وعلا في هذا البيت. فمن من أهل الإسلام اليوم من يجعل في بيته لأولاده حزباً من القرآن يستمع فيه إليهم؟ من من الناس اليوم من يجعل لأهله حلقة يقرأ فيها كتاب الله، أو أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، أو فتاوى لأهل العلم؟ من من أهل الإسلام يعني اليوم إلا من رحم الله من يحرص كذلك على تعليم أولاده شيئاً من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك مما هو من ذكر الله سبحانه وتعالى؟ أكثر الناس على حرص على العمارة هذه المادية والزخرفة، وأما الحرص على العمارة الحقيقية التي تكون بها البيوت حية حقيقية، فإن أكثر الناس على خلاف ذلك. فهذا الحديث ضرب النبي عليه الصلاة والسلام به مثلاً عظيماً في مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه سبحانه وتعالى. ومن الأمثال في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام: ما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: كنا عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أخبروني، أخبروني عن شجرة تشبه أو كالرجل المسلم، لا يحات ورقها صيفاً ولا شتاءً، وتأتي أكلها كل حين بإذن ربها». قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: فوقع في نفسي أنها النخلة. قال: ولكن نظرت في القوم: أبا بكر وعمر، فلم يتكلما، فكرهت أن أتكلم. فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أن أحداً لم يتكلم، قال: «هي النخلة». فقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه لأبيه عمر بعد ذلك: «يا أبتاه، لقد وقع في نفسي أنها النخلة». فقال عمر: «وما منعك أن تتكلم؟» فقال: «رأيتكما لم تتكلما». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «لئن كنت تكلمت كان أحب إلي من كذا وكذا، كان أحب إلي من كذا وكذا». والناس أخذوا في شجر البوادي، منهم من يقول كذا وكذا وكذا. وعبد الله بن عمر وقع في نفسه أنها النخلة، لكن كما سمعتم: لما رأى أبا بكر وعمر لم يتكلما، كره أن يتكلم، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. هذا الحديث فيه مثل عظيم: مثل فيه النبي عليه الصلاة والسلام المؤمن بالنخلة. وجاء في بعض الروايات قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمن كمثل النخلة». ففي هذا الحديث بيان أن مثل المؤمن كمثل النخلة. ونستعرض أموراً فيها بيان هذه المماثلة. فمن أعظم هذه المماثلة بين النخلة والمؤمن: أولاً: أن النخلة أصولها ثابتة، أصولها ثابتة في الأرض. وهكذا المؤمن: أساسه ثابت، لأن أساسه التوحيد. فهكذا النخلة: أصولها ثابتة في الأرض، قوية، وهكذا هي صلبة، لا تهزها الرياح. مهما هبت الرياح القوية، فهذه النخلة ثابتة، النخلة قوية، لا تتحرك ولا تتزعزع. وهكذا المؤمن: إذا جاءت الفتن، وإذا جاءت كذلك البلايا، المؤمن الصادق لا تضره هذه الفتن، بل هو ثابت مستقيم على شرع الله عز وجل، فلا تضره الفتنة، كما أن هذه النخلة لا تضرها هذه الرياح. وأوجه المماثلة كثيرة، ولكن بقي بنا المقام، وقد حضر وقت الصلاة. وإن شاء الله في دروس قادمة نواصل في هذا. والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. شكراً.