الصحيح المسند من دلائل النبوة  42

الصحيح المسند من دلائل النبوة 42

الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 42، الدرس الثاني والأربعون:من( قال الإمام أحمد رحمه الله:حدثنا يزيد بن هارون ... من حديث محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة عن عبدالله بن رباح به ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تأخير صلاة الفجر في السفر وقضاء الفائتة

يشرح الحديث عن تأخير صلاة الفجر أثناء السفر وحكم قضاء الصلاة الفائتة عند التذكر، ويبين أن التفريط في الصلاة يكون في اليقظة لا في النوم.

بركة الماء ببركة النبي صلى الله عليه وسلم

يروي قصة وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الماء وبركته فيه، ويبين جواز النوم قبل الفجر لمن اشتد عليه التعب مع الأخذ بالأسباب للصحو.

فوائد حديث أبي قتادة مع النبي صلى الله عليه وسلم

يلقي الضوء على فوائد الحديث، حيث يبرز صبر وبذل الصحابة، ويشير إلى بركة الله في الماء القليل واستخلاص فوائد أخرى من الحديث.

ختام الحديث وبيان العلم عند الله

يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، مع الإشارة إلى أن العلم الكامل عند الله تعالى.

  • 12 جمادى الأولى 1430هـ - 06/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: «إنكم إلا تدركوا الماء غدًا تعطشوا». وانطلق سرعان الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمالت برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته، فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فدعمته، فأدعم. قال: فدعمته، فأدعم. ثم مال، فدعمته، فأدعم. ثم مال حتى كاد أن ينجفر عن راحلته، فدعمته فانتبه. ومعنى أنه أعانه حتى لا يسقط من راحلته؛ لأنه نعس وهو راكب على الراحلة. قال: فقال: من الرجل؟ قلت: أبو قتادة. فكأنه كان في الليل. قال: منذ كم كان مسيرك؟ قال: قلت: منذ الليلة. قال: حفظك الله. فما حفظت رسوله. ثم قال: «لو عرسنا». فمال إلى شجرة فنزل. ومعنى عرسنا: يعني بتنا. ويقال: لنوم آخر الليل تعريس، تشبيهًا بنوم العروس. قال: فقال: «انظر هل ترى أحدًا؟» قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة. يعني أنهم كانوا يمشون في أسفارهم، فربما تقدم واحد وتأخر آخر، وهم في قافلة واحدة وطريق واحد. فقال: «احفظوا علينا صلاتنا». ومعنى: «احفظوا علينا صلاتنا»: تركوا لنا حارسًا أو أحدًا ينتبه لأمر الصلاة. وفيه مشروعية استعمال وسائل الإيقاظ، وأنه لا ينافي التوكل. قال: فنمنا، فما أيقظنا إلا حر الشمس. فانتبهنا لشدة تعبهم في سفرهم. فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار، وسرنا هنيهة. يعني مسافة يسيرة. فسرنا هنيهة، ثم نزل. فقال: «معكم ماء؟» قال: قلت: نعم، معي ميضأة فيها شيء من ماء. قال: «ائت بها». فأتيته بها. فقال: «مسوا منها، مسوا منها». فتوضأ القوم، وبقيت جرعة. فقال: «ازدهر بها يا أبا قتادة، فإنه سيكون لها نبأ». ومعناه: احفظها؛ فهو قليل، ومع ذلك هذا الفضل سيكون له نبأ: يعني شأن عند حاجة الناس. قال: ثم أذن بلال، وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا. وفي دليل أن الراتبة تصلى ولو بعد إشراق الشمس لمن فاتته صلاة الصبح. قال: ثم ركب وركبنا. فقال بعض لبعض: فرطنا في صلاتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإلي». قلنا: يا رسول الله، فرطنا في صلاتنا. فقال: «لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة. فإذا كان ذلك فصلوها من الغد وقتها». قال الشيخ: هذا إذا لم يذكر إلا من الغد. وأما إذا ذكرها: قال: هذا إذا لم يذكر إلا من الغد، وأما إذا ذكرها قبل وقتها، عندي: نعم. قال: إذا ذكرها. وأما إذا ذكرها قبل فوقتها، حين يذكرها. كما في الصحيح: يعني قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها إذا ذكرها». يعني: إذا ذكر الصلاة صلاها في الوقت الذي يذكر. وإذا نسي الصلاة، فإنه حين يذكرها يصليها. وعلى هذا يحمل قوله: «فإذا كان ذلك فصلوها من الغد». قال: ثم قال: «ظنوا بالقوم». فقال: «إنك قلت بالأمس: إلا تدرك الماء غدًا تعتشوا». يعني: استقلوا الناس. قال: فالناس بالماء. فقال: أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم. فقال بعضهم لبعض: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء. وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيها الناس، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم. يعني: إما يخلفكم يترككم خلفه، وإما يخلفكم أي في وعدي لكم. قال: وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا. قالها ثلاثًا. ومعناه: أن قومًا تقدموا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وقوم تأخروا مع أبي بكر وعمر. وهذا يدل أن هذه القصة غير القصة التي فيها جعل بلال حارسًا على صلاة الفجر، فنام الناس، وكان أول من قام أبو بكر، ثم عمر، ثم صرخ عمر: الصلاة الصلاة. أو كما قال. فيدل أن القصة تكررت أكثر من مرة. فالشاهد: ظن من تأخر عن النبي عليه الصلاة والسلام أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى الماء، وأنهم ضلوا الطريق، فخافوا على أنفسهم أن يهلكوا. قال: فلما اشتد الظهيرة رفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشًا، تقطعت الأعناق. فقال: «لا هلك عليكم». ثم قال: «يا أبا قتادة، ائتي بالميضة». يعني: الوعاء الذي يتوضأ به، وفيه ذاك الماء الذي قال: «ازدهر به». قال: فأتيت بها. فقال: «أحلل لي غمري». يعني: قدحًا. فحللته، فأتيت به. فجعل يصب فيه ويسقي الناس. فازدحم الناس عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، أحسنوا الملأ، فكلكم سيصدروا عن ري». يعني: لا تبخلوا على أنفسكم، خذوا ما يكفيكم، والكل سيأخذ نصيبه وفرة من الماء. قال: فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصب لي. فقال: «اشرب يا أبا قتادة». قال: وقلت: اشرب أنت يا رسول الله. قال: «إن ساق القوم آخرهم». فشربت وشرب بعدي، وبقي في الميضة نحو مما كان فيها. وهم يومئذ ثلاثمئة. فبارك ربنا جل وعلا في هذا الماء القليل ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. قال عبد الله: فسمعني عمران بن حسين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرجل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري. قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث. فإني أحد السبعة تلك الليلة. فلما فرغت، قال: ما كنت أحب أن أحدًا يحفظ هذا الحديث غيري. قال حماد: حدثنا حميد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن رباح، نبي قتادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. وزاد: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه، وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده. ومعنى عرس الصبح: يعني والصبح قريب. وهذا يدل أن المسلم إذا نام من آخر الليل واشتد وقرب الفجر واشتد نومه عن صلاة الفجر، فلينم نومة غير المطمئن. فإن كان معتادًا ينام على زيادة التبريد، يقلل التبريد. أو على إغلاق النافذة، يفتح النافذة ليسمع الأذان. أو إذا كان ينام على فرش، يجعله يستعين به على نشاطه في صلاة الفجر. وفيه كذلك جواز النوم قبل الفجر لمن اشتد عليه التعب، ولكن يبذل الأسباب للصحو، لا يكلف نفسه. يعني: ربما يضر بنفسه. أحيانًا يكون الإنسان مرهقًا جدًا، فيكون الفجر بقي له الوقت القصير القليل. فإذا زاد في إرهاق نفسه ربما أضر بنفسه، حتى لو دخل إلى صلاة الفجر ربما أغمي عليه، ويصلي من شدة التعب والأرق. لكن لو نام نومًا يسيرًا يستعين به على نشاطه في صلاة الفجر، كان هذا أولًا: السنة. وثانيًا: هو الرفق بنفسه، مع الأخذ بالأسباب للصحو كما قد سبق معنا وذكرها هنا. قال رحمه الله: قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقد رواه مسلم، وأخرجه أحمد من حديث شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح به. وأخرجه أحمد أيضًا من حديث محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح به. قال مزلم رحمه الله: طيب، هذه قصة أخرى. فالحاصل: قصة بأبي قتادة رضي الله تعالى عنه أرضاه، فيها ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم من صبرهم وبذلهم، وأشياء أخرى كثيرة. لكن الشاهد للترجمة: أن الله عز وجل بارك بالماء القليل للناس الكثر. فما يسير بقي من وضوء ناس وجماعة، وهو شيء يسير جدًا. ومع ذلك بارك الله عز وجل فيه حتى صار النبي عليه الصلاة والسلام يصب للرجال ما يكفيهم ويرويهم، وهم أكثر من ثلاثمائة. اليوم أكثر من ثلاثمائة. إيش من وعاء يحمله؟ وعاء ضخم جدًا لا يحمله رجل. ومع ذلك كان هذا من ميضة صغيرة، وفي فضلة ماء يسير. وهذا دليل من دلائل صدق نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. وقد أيد بمؤيدات كثيرة تدل على صدق رسالته ونبوته صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث فوائد كما مر معنا كثيرة، منها ما سبقت الإشارة إليه. ومنها كذلك ثلاثة فوائد تضاف من ذلك: فيه جواز تفرق المسافرين في سيرهم إذا كان الطريق معهود ومعروف ومأمون، وكان سيرهم في تتابع. فإن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم مع أبي قتادة وسبعة كما مر معنا: رجل، رجلان، وهم اثنان، خمسة. ثم تبع اثنان كما في رواية عمران بن حصين، فكانوا سبعة. والجيش خلفهم، فيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم. وفيه كذلك جواز تقدم الأمير أحيانًا إذا كان يحتاج إلى استيثاق الطريق واستكشافه. وإلا فكان الغالب في أسفار النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون في آخر القوم. أنه يكون في آخر القوم. وهذا هو الأصل في سيره عليه الصلاة والسلام. ويسير في آخر القوم؛ لأجل أن يتفقد الجيش، وضعفه، وعجز من يعجز فيه، ويتتبع ويعين الساقة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في وصف المؤمن الذي كمل إيمانه وارتفع درجته: «أنه حيثما وضع يرضى». حتى أنه إن وضع في الساقة فهو في الساقة. ومن الساقة: يعني من مؤخرة الجيش. أت، يا أبا محمد. ويش مهمتهم؟ نعم، هم الذين يكونون في مؤخرة الجيش، ويقومون بتفقد حوائج الجيش. فإن كان متاع زائد حملوه، وإن كان شيء يحتاج إلى تنظيف فعلوه، وإن كان مريض أعانوه. فهم عليهم أثقل المهمات وأشدها. وهم مع ذلك لا يظهر لهم اسم؛ لأن الاسم في القتال لمن للمقاتلين الذين يكونون في المقدمة: الفرسان والرجالة ونحوهم، ممن يكون لهم القتال في المقدمة. وهؤلاء لهم عمل عظيم وكثير، لكن ما تذكر شجاعتهم، ولا يذكر كذلك جهدهم، يغفل عنه. والغالب أن الناس يطلبون غير هذا العمل. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كان في الساقة كان في الساقة». وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا وغالب أمره أنه يكون في آخر الجيش. لكن بهذا الحديث كان في أوله؛ لما سمعنا يحمل على أنه كان يستكشف الطريق، خصوصًا وأنه قال لهم ما قال في البحث عن الماء. فهو تقدم يبحث عن الماء عليه الصلاة والسلام. وقد اشتد بهم العطش. وأخيرًا فيه من المسائل كذلك مشروعية الانتقال من مكان النوم في أمر الصلاة: صلاة الفجر وغيرها. فمن نام عن صلاة في مكان، فيستحب له أن لا يصلي في نفس المكان، بل يصلي في مكان آخر. فاتكأ صلاة الفجر، وقد بدل الجهد؛ لأن تقوم مثلًا فنمت في غرفتك التي تنام فيها. إذا صليت الفجر لا تصلي في نفس الغرفة، انتقل إلى غرفة أخرى وصلي فيها؛ لأنه كما جاء في الحديث الآخر: «موضع بات فيه الشيطان». طيب، لهنا والله تعالى أعلم.