الدرس في توجيهات تربوية 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع منهج النبي صلى الله عليه وسلم في حل الخلافات بين أصحابه باستخدام قواعد عامة راسخة. استخدم النبي قواعد مثل المنة لله ولرسوله والأخرى خير وأبقى.
يجب الرجوع للأصول العامة المؤصلة بالكتاب والسنة والإجماع في حل النزاعات والفتن. يجب الجمع بين الإنكار على المخطئ وجمع الكلمة دون إهمال جانب الإنكار.
ينبغي الجمع بين إنكار المنكر وتأليف القلوب مع مراعاة حجم المخالفة والمخالف. يجب النظر في عاقبة الإنكار وتأثيره على جمع الكلمة وتجنب التفرقة.
المقطع يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلذلكم إخواني في الله في ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وكيف أن نبينا عليه الصلاة والسلام خطر بأصحابه وذكر لهم تلك الموعظة العظيمة البليغة التي أثرت في قلوب أصحابه حتى ما خرجوا من ذلك المجلس إلا وكلهم رضا ويقين وإذعان بقسمة نبينا عليه الصلاة والسلام. وذكرنا من ذلك أشياء كثيرة من الفوائد التي ينبغي التنبه إليها، فإنها من منهجه ومن فعله ومن حكمه عليه الصلاة والسلام التي ينبغي أن أتأسى بها. وهكذا أخواني في الله، مما يذكر من المناقب والفوائد في هذا الحديث أنه من تأمل في خطاب نبينا عليه الصلاة والسلام لأصحابه، فيه بيان لأمر عظيم، ألا وهو أن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة التي وقعت في قلوب الصحابة من الأنصار، أنه عليه الصلاة والسلام ذكرهم بالقواعد العامة والأصول الثابتة والركائز المهمة التي لا اختلاف فيها، والتي ما ينبغي لشخص ما أن يتزحزح عنها. فذكرهم عليه الصلاة والسلام أن المنة والفضل لله ولرسوله، ليس هناك أحد يتجنى أنه يمن على الله أو يمن على رسوله عليه الصلاة والسلام. لا يقول أحد: كيف ذا أنا فعلت كذا وقلت كذا وقمت بكذا؟ لا أحد يمن المنة لله ولرسوله. يمنون عليك أن أسلموا، قل: لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان. فالمنة لله ولرسوله. ينبه نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذا المقام مقام التمني والفضل، إنما يكون لله ولرسوله، ليس لأحد من الخلق. لا أحد يقول: لماذا لا أعطى وأنا أفعل كذا؟ لماذا لا أرزق وأنا أصلي الليل وأقوم النهار وأفعل كذا؟ لماذا أنا لا أعطى كما أعطى فلان؟ إلى الله الحمد. لا تمن يا عبد الله، لا تمن على الله ولا على رسوله. فهذه قاعدة عامة يؤصلها نبينا عليه الصلاة والسلام في قلوب أصحابه. كذلك من تلكم الدعائم ومن تلكم الأمور العامة أنه عليه الصلاة والسلام ذكرهم أن الآخرة خير وأبقى. فقال لهم: «يا معشر الأنصار، أوجدتم في أنفسكم على لعاعة من لعاعة الدنيا؟ أتألف بها أقوامًا أسلموا حديث عهد بكفر؟» أراد نبينا عليه الصلاة والسلام أن يرفع فيهم هذه القاعدة: أن الذي عندهم دنيا، وأنتم الذي تريدون آخرة، وأن ما عند الله خير وأبقى. فهذا أصل لا يتغافل عنه. وهكذا ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام أن المسلم يعلم أن نعم الدين أعظم من نعم الدنيا، حين ذكرهم بتلكم الفضائل. قال: «يا معشر الأنصار، ألم تكونوا ضُلالًا فهداكم الله به؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ وفقراء فأغناكم الله به؟» ذكرهم عليه الصلاة والسلام بنعم تعتبر من نعم الدين، وأن هذه نعم الدين لا تقارنها نعمة ولا شيء يلويها أو يساويها أو يدانيها من نعم الدنيا. يذكرهم نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه القاعدة. كذلك ذكرهم بمبدأ الصبر، قال: «إنكم تجدون من بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». فالشاهد إخواني في الله أنهم من تأملوا في حوار نبينا عليه الصلاة والسلام وفي خطابه، أنه أراد أن يحل هذا الاختلاف وهذا الإشكال بأن يرسخ في قلوب أصحابه قواعد عامة لا ينبغي أن يتغافل عنها أحد، مهما وقعت الأمور والإشكالات والخلافات، فالقواعد تبقى قواعد. الآخرة خير من الدنيا، نعم الدين أعظم من نعم الدنيا، الصبر مبدأه أن الله عز وجل يأجر عليه العبد في الآخرة، أن المنة والفضل لله ولرسوله. هذه القواعد لو رسخت في قلوب الناس وقلوب هؤلاء الصحابة، فإن ما في نفوسهم سيزال. وهذا الذي صار. وفي هذه فائدة على أن الشخص إذا أراد أن يحل النزاع، وإذا أراد أن يحل الإشكال والخصومات، وإذا أراد أن يقضي في أيام الفتن، فإياك إياك يا عبد الله أن تأتي بالمتشابه، تأتي بالمحكم، بمحكم يقيني من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. اعتنى بقواعد عامة راسخة لا يتنازع فيها اثنان، بهذه الأصول تأتي الغلول وترتفع الأزمات. انظر مثلًا أخواني بالله، ما لو جاءت الفتن إما فتن الشهوات أو الشبهات، تتصارع وتأتي كالأمواج فوق قلوب العباد وفي عقولهم، وأصبح الناس موجودين في بحار من الفتن، والكل يخوض والكل يدعو في هذه الفتن بأفكاره، بعواطفه، بمبادئه. ذاك يأتي بقاعدة وذاك يأتي بقاعدة في المصطلح، وآخر بقاعدة أصولية، وذاك يأتي بمبدأ. دعونا من ذلك، ونرجع إلى أصول أصول محكمة، قواعد عامة. نذكر أنفسنا وإخواننا ما الذي نفعل في أيام الفتن؟ دلت الأدلة على أشياء، ما هي الأشياء التي ينبغي أن نرجع إليها في أيام الفتن؟ في أيام الخلافات؟ في أيام الشقاقات؟ في أيام النزاعات؟ دلنا الشرع على أن العبد في أيام الفتن ينشغل بعبادة، هذا الأصل أصيل ندندن به، نذكر بها أنفسنا وإخواننا. حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالعبادة في الفتن، قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي». نأتي بما أمر به نبينا عليه الصلاة والسلام. دعونا من بنات الأفكار، نبقى على الأصل الرباني، على المنهج النبوي. كذلك مما دلنا عليه الشرع أن العبد يبتعد عن الفتن، إن كانت الفتنة أمامك فارجع إلى الخلف، إن كانت عن يمينك فكن في يسارك، لا تتلاقى مع الفتن. قال عليه الصلاة والسلام: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن». بل أمر نبينا أن الواحد منا إذا ابتلي بأيام الفتن وما استطاع أن ينشغل بشيء ينشغل بدنياه، تبقى في مطعمك، تبقى في مقهى، تبقى في بحر، تبقى في مزرعة، ابق في دنياك ولا، تنشغل بفتنة. جاء في مسلم من حديث أبي بكرة قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إنها ستكون فتن، ثم إنها ستكون فتن، ثم إنها ستكون فتن. القائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي. ألا فإذا وقعت، فمن كان له أرض فليلحق بأرضه، ومن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه». إن شغل عن الفتنة، هذا أصل أصيل ندندن عليه، كما فعل نبينا في صلحه مع الصحابة، ذكر وذكر بمبادئ عامة ينبغي أن تفعل في حل النزاع. وهكذا في كل فتنة ندندن على أصول، ليس نحن بالذي نبتكر في أيام الفتن بقواعد أو بمناهج أو بمبادئ أو بأفكار. دعونا، دعوا عنا بنات الطريق، ونأخذ بما جاء عن كتاب الله وعن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. فهذا إخواني في الله عمل ناجح. وانظروا في كل خلاف، في كل جدال، في كل مخاصمة، في كل نزاع بين الأقارب، بين الأرحام، بين الجيران. إنك لا تتوسع في حل المشكلة، رجع الناس إلى الأصل الأصيل. مشكلة تراها بين الأقارب، عظم من الذي عظمه الشرع. فتنة بين أبناء وآباء، لا تدخل فيها فرعياتها، أصل في نفوس الكل أن طاعة الأب هي المعظمة في الشرع، أنه يطاع وينقاد، فيكف ما فعل. هذا أصل أصيل ندندن عليه. بين الجيران، ذكرهم بما جاء في الشريعة من تعظيم حق الجار، وذلك عنك التفريعات. فهذا كان أصلًا عظيمًا، وهو أن الرجل إذا أراد أن يحل النزاعات، فعليه أن يذكر من وقع في هذا البلاء أو في هذا الاختلاف بالمبادئ العامة المؤصلة بالكتاب والسنة والإجماع. متى ما اجتمع الناس على هذه الأصول، كفاهم الله شر ذاك الاختلاف وتلكم الأسهم. فهذه فعلًا فائدة عظيمة تؤخذ من هذا الحديث، ومن أمره عليه الصلاة والسلام حينما رأى من الأنصار أهل الود الذي وقع جمعهم، فما الذي فعله؟ ذكرهم بالأصول العامة. «ما تريدون يا أنصار؟ ألم تعلموا أن ما عند الله خير من الدنيا؟» هذا أصل عظيم تنبهوا إليه. «أما تعلمون أن نعم الدين الذي أنتم فيها من هداية بعد شرك، ومن غنى بعد فقر، وكذلك من اجتماع بعد فرقة؟ أليس هذا أفضل وأنعم من شاغ بعير؟» هذا أصل، فنبه، يذكرهم بالأصول. فلما علموا به اقتنعوا به. فينبغي إخواني في الله أن يكون المسلم على هذا الحال في جميع أموره، وفي حل وفي سفره وترحاله، وفي رخائه وفي شدته، وفي أيام فتنه، يرجع للأمور المحكمة. وهكذا إخواني في الله ممن استفاد من هذا الخطاب الذي ألقاه نبينا عليه الصلاة والسلام، أنه قام على مبدأ عظيم وركز على أصلين عظيمين من أصول الإسلام، لم يفكك عنهما كثير من الناس، لربما ما يوفق إليهما. ألا وهو القيام بالإنكار مع تجميع القلوب أو جمع الكلمة. نبينا عليه الصلاة والسلام علم بالذي وقع من هؤلاء الرجال من الأنصار، وما تلفظ به مما لا ينبغي أن يتلفظ به، فقام نبينا بالقيام بالإنكار. ومن معاني الإنكار: التصريح والترشيد والتوجيه والتعليم والتأديب والتوبيخ والتأنيب، كل هذا من وسائل الإنكار على من وقع في زلل، على من وقع في خطأ. فهذا الذي قام به نبينا عليه الصلاة والسلام، قام وعلم الصحابة وأدب الصحابة ووجههم وأرشدهم بالذي ينبغي أن يفعل في هذا المقام. مع هذا القيام بهذا المبدأ الإنكار، مع ذلك قام عليه الصلاة والسلام بمبدأ عظيم آخر، ألا وهو جمع القلوب. كان يظن أن هذا المبدأ يأتي بشيء من التمييز بين الأنصار وبين رسول الله، إذا رأوا منه شيئًا عليه الصلاة والسلام أنه ما أعطاهم حقهم. لكن إذ بهذا الخطاب جعل من قلوب الصحابة في قلوبهم من التعليق، من التعلق، ومن التعظيم والمحبة برسول الله، أنهم ما فرحوا بشيء في تلكم الساعة وفي ذلكم اليوم، بإذن ما قاله عليه الصلاة والسلام من ذكر الفضائل. قال: «الناس شعار والناس دثار، والأنصار شعار. لو سلك الناس شعبة وسلك الأنصار شعبة، لسلكت شعبة الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». قال الراوي: فقام القوم وأخذوا لحاهم بالبكاء، وقالوا: «رضينا بالله ورسوله حظًا وقسمًا». كيف القلوب اجتمعت؟ اجتمعت باجتماع أعظم ممن كانوا عليه من قبل. إذا ما الذي فعله نبينا؟ قام بمبدأين: أنكر، ومع إنكاره جمع وألف بين القلوب. فينبغي إخواني في الله التفطن للأمرين اثنين. ولهذا ما نظر إلى حال كثير من الناس، أنه موفق موفق في الجمع بين الأمرين، بين الإنكار وبين جمع كلمة من الناس. من يأخذ طرف دون الآخر. بعض الجماعات من لو ربما تنادي بالشطر الثاني، ألا وهو جمع الكلمة في خطبهم في محاضراتهم: «نحن أمة واحدة، كلنا على خط واحد، ليس هناك حزبي، ليس هناك مبتدع، ليس هناك ضال، كلنا على قلب واحد. دعوا جماعات الكل يخدم بعضها، دعوا ذاك السلفي في مجاله، وهذا الإخواني في مجاله، وذاك التكفيري في مجاله، وذاك الصوفي في رقائقه، وذاك يجعل الكل كلهم على هذا المبدأ، مبدأ التجميع ومبدأ رص الصف دون إنكار، لا ينكر أحد على أحد». ونسي بذلك الأدلة الكثيرة التي في إنكار المنكر، فأصبح في جماعتهم، بل أصبح في منهجه أن يأتي الرافضي والشيعي والخوارج والجهمي والصوفي والقبوري والماترديي، يأتي من كل حد حتى وصف فبالله عليكم أين ينزل وأين يأتي نصر الله وهم على هذه الشاكلة؟ بعضهم سمعت ذلك عن بعض هؤلاء الدعاة يحدث عن نفسه في ندم الأدوات. قالوا: كنت في يوم من الأيام في طائرة، فبينما أنا في طائرة، فدخل رجل راكب بجواري، أقاومه وتلمست فيه سمات الإسلام، فقلت: من أين أنت؟ فقال: إنه من شرق آسيا من تلك البقاع. ثم قال: ما مذهبك؟ على ماذا تدين الله به؟ قال: أنا قلت: إنه قدياني. القدياني يا إخوان، فرقة مرتدة، فرقة مرتدة، لا يجد من فرق المسلمين. المهم دخل هذا الداعي مع هذا القدياني في الحوار، ثم استنبط أن هؤلاء القديانية في تلك البلاد يعدون بمئات الألوف، بل بالملايين. فيذبح بهذا الشريط يقول: «انظروا لماذا لماذا ترك هؤلاء؟ لماذا لا يبنى جسور مع هؤلاء؟ هؤلاء منا ونحن منهم، يا أخي في الله». كافر مرتد، أنت من ونحن منك. هذا منهج فاسد، منهج قذر، جمع الكلمة على غشاوة، على ضلالة، على هوى. وكم رأينا وسمعنا عن هؤلاء، ونسوا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه من أوصافه أن محمدًا فرق بين الناس، كما جاء في الصحيح: «أنا محمد فرق بين الناس». ومحمد فرق بين الناس، يفرق نبينا بين الناس بين الكافر والمسلم، وبين المحق والباطل. لابد من تمييز ما كان. «الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب». لا بد من تفصيل ومباينة، لا يكون كل على غشاوة واحدة. ولهذا حذر صلى الله عليه وسلم من أهل البدع، كما جاء في الصحيح عن عائشة، قال: «يا عائشة، إذا رأيت هؤلاء، إذا سمعت عن هؤلاء، حينما قرأ تلكم الآيات في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، ثم قال نبينا: «يا عائشة، أو إذا رأيتم هؤلاء فإياكم». وفي رواية: «فاحذروهم». أمر نبينا بالحذر من أهل البدع، من أهل الزلل، من أهل الضلالة. فهؤلاء لا مجالسة، وهؤلاء لا محاكبة، ولا محبة بيننا وبينهم. وعلى هذا قام إجماع السلف قديمًا وحديثًا على بغضهم، وعلى معاداتهم، وعلى الابتعاد عنهم، أي عن أهل الأهواء والبدع. فهذا أصل، وهو جمع الكلمة، لابد أن يكون فيها النوع من المفاصلة. هذا قتل من الناس أخذوا بجمع كلمة دون إنكار، وطائفة أخرى من الناس من لربما قاموا بالإنكار، بغض الطرف عن جمع كلمة المسلمين، همه أنه يتكلم، لا يفكر بعواقب الأمور، لا يفكر بمعالجاتها. هذه الكلمات وهذا الإنكار، بماذا يجر على هذه الأمة؟ بماذا يجر على هذا المنهج؟ أي يجر بتفرق وتشتت وتمزق. فلابد للواحد منا أن يجمع بين الأمرين، كما جمع عليه الصلاة والسلام: إنكار مع تجميع القلوب. ونظر أخواني في الله إلى ما ذكره ربنا عز وجل في قصة هارون عليه السلام مع موسى، حينما ذهب موسى إلى ذاك الميعاد، حينما أوعده ربه جل وعلا به، فلما سمع أن قومه عبدوا العجل، فرجع موسى عليه السلام، ولما رأى تلكم العبادة غضب وألقى الألواح المقدسة من يده، ثم عاتب أخاه هارون عليه السلام. ثم قال: «يا هارون، ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني؟ أفعصيت أمري؟» قال هارون: «يا ابن أمة، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». ما الذي منع هارون عليه السلام من أنه يدخل مع هؤلاء في توجيه أو في إنكار؟ خشي هذه المفسدة أن يفرق. يخشى هارون أن يفعل شيء فهذا الكلام يؤثر على جمع الكلمة، فيفرق. فتأتي المعاتبة. قال: «إني خشيت أن تقول لي: تعاقبني وتعاسبني على هذه الفعلة، أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». هكذا كان السلام، فالأنبياء يحملون هذا الهم. ليس كل كلمة تكون في قلبك تكون جهرًا، النطف لا، يا عبد الله. ليس كل ما كان في العقل أو في الذهن أو في القلب يقال، فانظر إلى عاقبته، إلى مآله. فانظر: هل هذا يجر باتحاد وتعاون، أم يأتي بتمزق وتشتت؟ ولهذا إخواني في الله، فمن تأمل إلى فعل نبينا عليه الصلاة والسلام، راع المصالح، راع أشياء ينبغي فيها لمن أراد أن يطبق بين المصلحتين، وهو هذا. لا يتأكل لك الأحد، ليس كل أحد يوصف في مثل هذه النزاعات وهذه الأمور أن يأتي بالأمرين: إنكار مع تأليف القلوب. ولهذا هناك ضوابط ينبغي الواحد منا إذا أراد أن يطبق هذه القواعد وهذه المصالح أن يهتم بهذه الضوابط. منها أنك إذا أردت أن تنكر المنكر يا عبد الله، عليك أن تنظر: هذه المخالفة ما حدها؟ ما حجمها؟ هل تصل هذه المخالفة إلى حد التجريح؟ إلى حد التشهير؟ إلى حد التضليل؟ فينبغي إخواني في الله لمن أراد أن ينكر على خلاف أن ينظر: ما هذا الاختلاف؟ هل هذا الاختلاف يسوغ لك أنك تنكر، أنك تضلل، أنك تبدع؟ فإن كان كذلك فينبغي الاهتمام بهذا الأمر. الثاني إخواني في الله: أنك في هذا الباب إذا أردت أن تجمع بين المصلحتين، في مثال النزاع، وأنك تقوم بالإنكار بعدما تنظر في المخالفة، انظر في المخالف. من هو هذا المخالف؟ تنظر: هل هذا متعنت؟ هل هذا معترض؟ هل هو متمرد على شرع الله؟ هل هو عابد زاهد، زلت قدمه في هذا الباب؟ الشرع ليس في محاباة، لكن فيه مراعاة، تراعي الناس، تراعي مكانة الناس، أعمالهم. رب رجل يقع في زلة، لكن زلته بها يهجر ويبعث، ولا نبالي به. ولفس الزلة تفعل من شخص آخر، لكن تغمس في ماذا؟ في بحث حسناته، إن كانت له فضائل، له سيرة حسنة، استقامة جليلة في دين الله. فليس الناس كلهم يعاملون بمعاملة واحدة، بل أنظر أخواني في الله في نفس القصة. نبينا سمع من بعض الأنصار ممن قال: «يغفر الله لرسول الله، يغفر الله لرسول الله، يغفر الله لرسول الله قريشًا ويمنعنا». فالذي فعل ما عابهم، ولا عاتبهم، جمعهم وذكرهم بتلك الفضائل. جاء في البخاري أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سمع بمقالة تلكم الرجل الذي قال: «إن تلكم القسمة ما يرى بها وجه الله». فأخبر ابن مسعود رسول الله بهذه المقالة، فأحمر وجهه، وتغير عليه الصلاة والسلام. قال: «رحمة الله على أخي موسى، ابتلي أوذي فصبر. رحمة الله على أخي موسى، أوذي فصبر». انظروا هنا تغير وجهه، وهنا تغير لونه، لأن المخالف ليس سواء. هؤلاء أنصار لهم سابقة، لهم قدم صدق عند الله عز وجل، لهم جهاد، لهم بذل، لهم عطاء، لهم تضحية، لا يقاس أي أحد. فليس المخالف أخواني في الله لا يقول: إنكار المنكر على حد السواء. رجل قد يقع في زلة، نعم يقع، وقع فيها هفوة، زلة هينة، وقعت من فعله أو قوله، فليعامل كما يعامل أي أحد. وعلى هذا فعل علماء رحمه الله تعالى. رب عالم جليل تزل قدمه في باب، يفتي بفتوى على خلاف الشرع، لكن باجتهاد، بعد بحث، وبعد تحري، ويُعذر. وهذه الفتوى يفتي بها آخر لا يرحم، يشهر به، ويجرح. فرق بين هذا وذاك. فان بإخواني في الله أتأمن في هذا الأمر؟ فينبغي كذلك النظر إلى المخالف. وبقى كذلك من قواعد أخرى وضوابط ينبغي أن نهتم بها في هذا المثال. والذي إخواني متى ما روعيت مثل هذه المبادئ، فإن الله عز وجل يجعل لهذا العبد هذا الفعل الذي كان من نبينا عليه الصلاة والسلام، أنك تجمع بين مصلحتين، أنك تنكر وتصحح المسار وتبين الخطى والزلل، مع هذا التبيين، مع هذا التوضيح، بإمكانك أن تجمع القلوب. فاسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.