الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 116، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتم التركيز على أهمية إصلاح البيوت والحفاظ عليها من الحيات، مع اختلاف آراء أهل العلم حول حكم قتل الحيات في البيوت. يُشدد على ضرورة التحريج على الحيات قبل قتلها وفقًا للأحاديث النبوية.
يناقش المقطع أحكام البناء والعمل مع العمال، ويشير إلى أن العمل مع العمال يمكن أن يكون من عمل الله تعالى إذا كان صاحبه متواضعًا. يُوضح أيضًا أن البناء الزائد عن الحاجة قد يُعتبر إسرافًا.
يُبرز أهمية التواضع عند العمل مع العمال، ويشير إلى أن هذا التواضع يمكن أن يجعل العمل من عمل الله تعالى، مؤكدًا على الأجر الذي يحصل عليه صاحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، باب إصلاح المنازل، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، وهو القعنبي، قال: حدثنا الليث، ومن سعد، قال: حدثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كان عمر يقول على المنبر: يا أيها الناس، أصلحوا عليكم مثاويكم، وأخيفوا هذه الجنان قبل أن تخيفكم، فإنه لن يبدو لكم مسلموها، وإنا والله ما سالمناهن منذ عاديناهن. وهذا الأثر حسنه شيخ الألباني رحمه الله. وفي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، أصلحوا عليكم مثاويكم، يعني منازلكم، فالمثاوي جمع مثوى، وهو المنزل. وأخيفوا هذه الجنان، والجنان جمع جان، وهي الحية الصغيرة، وقيل: الحيات التي تكون في البيوت، وقيل: هي الرقيقة الخفيفة، وقيل: هي الدقيقة البيضاء، يقال لها جنة. قال: أخيفوا هذه الجنان قبل أن تخيفكم، يعني قبل أن تظهر عليكم فتخيفكم، فإنه لن يبدو لكم مسلموها، وإنا والله ما سالمناهن منذ عاديناهن، يعني لن يبدو لكم من أسلم من الجن الذين يتمثلون بصورة هذه الحيات. وقال: ما سالمناهن منذ عاديناهن، يعني لم نسالم هذه الحيات منذ أن حصلت العداوة. وفي هذا الأثر إرشاد من عمر رضي الله تعالى عنه إلى إصلاح البيوت، والحفاظ عليها. أصلحوا عليكم مثاويكم، تصلح البيت بأن تجعله صالحا للسكن، فتمنع دخول ما يكون سببا في الضرر على من يسكن في البيت. ولهذا قال: وأخيفوا هذه الجنان. وفيه أيضا الحذر من الحيات، وأن المسلم ينبغي عليه أن يحذر منها، وأن يمنع وصول هذه الحيات، ومن ذلك أن يصلح بيته ويحسن بناءه، أو كذلك سد ما يمكن دخول هذه الحيات منه. فإذا وجد في بيته شيئا منها، فكيف يصنع بها؟ ورد في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتحريج عليها قبل أن تقتل، كما جاء في مسلم أن فتى من الأنصار قتل حيًّا فقتل فمات في الحال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تقتلوا، أو قال: من وجد حية فلا يقتلها حتى يحرج عليها ثلاثا. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن قوما من مسلمي الجن أسلموا في المدينة، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالتحريج عليها قبل قتلها. ووردت بعض الأحاديث التي فيها الأمر بالقتل من غير تحريج، ومنها حديث ابن عمر وعائشة: خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، وذكر منها الحية، ولم تقيد بالتحريج. فاختلف أهل العلم في هذه المسألة: هل يحرج على الحية إذا وجدت في البيت أم لا؟ فمنهم من قال: إنه إذا وجدت في البيت فإنه يحرج عليها، وذلك مطلقا في كل بيت، سواء كان في المدينة أو في غير المدينة. وأما إذا كانت في الصحاري، فإنه لا يحرج عليها، يعني تقتل مباشرة. ومن أهل العلم من قال: إن هذا الحكم خاص ببيوت المدينة، وبالجنان التي تكون في المدينة. وأما في غير المدينة، فإنه تقتل مباشرة من غير أن تحرج. واستدلوا بالأحاديث الواردة بالأمر بقتل الحية مطلقا من غير تقييد. وأما التحريج فهو خاص بالمدينة، لأن لفظ الحديث: أن قوما من الجن أسلموا في المدينة، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن لا تقتل حية حتى يحرج عليها. قالوا: هذا خاص فقط ببيوت المدينة. وهذا القول هو الأقرب والأصح: أنه لا يحرج إلا على الحيات التي في بيوت المدينة، وأما في غيرها فإنها تقتل مباشرة، لإطلاق عامة الأحاديث، ولم تقيد بالتحريج. قال: باب النفق في البناء، قال: حدثنا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارث بن مضرب، عن خباب، قال: إن الرجل ليؤجر في كل شيء إلا البناء. صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وأصله في صحيح البخاري، وسيأتي بعد أبواب. وفي أن خباب رضي الله تعالى عنه مرض، فعاده بعض التابعين، وكان يصلح جدارا، ثم قال: إن الرجل ليؤجر في كل شيء إلا شيئا يضعه في التراب. وفي هذا اللفظ: إلا البناء، يعني المراد به ما كان زائدا على قدر الحاجة. فوضع المال فيه لا يؤجر عليه الإنسان. وأما ما يحتاج له مما يستره، يستر عورته، ويحفظه كذلك في البرد والحر، فهذا يؤجر عليه. وما زاد على ذلك، فهو كما قال رحمه الله تعالى عنه: إن الرجل يؤجر في كل شيء إلا البناء. هذا شيء زائد، والتفاخر فيه مما لا يؤجر عليه، بل ربما يأثم إذا وصل به الحد إلى التبذير والإسراف، كما يفعل بعض الناس. ربما يبني الطابق بعد الطابق، وهو لا يحتاج له، ربما لا يسكن في البيت إلا هو وأسرته الصغيرة، وتجده يتفاخر بالبناء: الطابق الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، يريد بذلك الفخر. فهذا لا يؤجر، بل قد يأثم على ذلك، لأن هذا إسراف وتبذير لا حاجة له. إلا إذا كان له حاجة يريد مثلا الانتفاع بهذا البناء لتأجيره مثلا، أو نفع من يحتاج إلى سكن، فهذا قد يؤجر. وأما من غير حاجة، فإنه لا يؤجر. قال: باب عمل الرجل مع عماله، قال: حدثنا أبو حفص بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عمر بن وهب الطائفي، قال: حدثنا غطيف بن أبي سفيان، أن نافع بن عاصم أخبره، أنه سمع عبد الله بن عمر، قال: لمن أخ له خرج من الوهط. والوهط هي البستان، وكانت أرضا عظيمة لعبد الله بن عمر، أو لعمرو بن العاص، قال: أن يعمل عمالك؟ قال: لا أدري. يعني عبد الله بن عمر قال لابن أخ له خرج من البستان: أيعمل عمالك؟ يعني في هذا البستان، قال: لا أدري. قال: أما لو كنت فقيرا لعلمت ما يعمل عمالك. ثم التفت إلينا، فقال: إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره. وقال أبو عاصم: في ماله، كان عاملا من عمال الله عز وجل. وهذا الأثر صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفيه أجر عمل الرجل مع عماله. إذا كان لك عمال يعملون في مزرعة أو في بناء أو في مصنع أو معمل أو غير ذلك، فإذا عملت معهم، فإنك تؤجر على ذلك. وهذا معنى قوله: كان عاملا من عمال الله عز وجل. وهذا أيضا فيه إذهاب للكبر الذي ربما يصاب به الإنسان إذا كان عنده أعمال كثيرة: كمزارع أو مصانع أو نحو ذلك، ربما يأنف ويأخذه الكبر أن يعاون أحدا من عماله إذا كان يحتاج إلى معاونة، ويرى نفسه أكبر من ذلك وأعظم. وهذا في الحقيقة ليس منه بتصرف صحيح، بل ينبغي له أن يتواضع، وأن يعلم أن عمله معهم مما يؤجر عليه ويثاب عليه. وهذا هو الشاهد من ذكر هذا الأثر: أن عمل الرجل مع عماله سبب في أن يكون من عمال الله عز وجل، يعني ممن يعمل لله سبحانه وتعالى ويؤجر على عمله. طيب نقف إن شاء الله هنا، ولكم في درس القادم. والله تعالى أعلم.