الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الدرس أن خير الأمة هم الصحابة ثم التابعون ثم تابعوهم، مستدلاً بالأحاديث الصحيحة ونقل الإمام مالك لفضلهم على الحواريين. كما يبين أن الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة، وأن الجماعة تُعرف بموافقة الكتاب والسنة لا بالكثرة.
يوضح المقطع أن نصر الطائفة المنصورة يكون بنوعين: نصر بالحجة والبرهان وهو مستمر لا يتأخر، ونصر بالسيف قد يتأخر ابتلاءً كما في أحد وحنين. ويشير إلى أن حديث «لا تزال طائفة من أمتي منصورة» يعني الظهور بالحجة، وأن خذلان الناس لا يضرهم.
يقرر أهل السنة أن ما جرى بين الصحابة من قتال كان عن اجتهاد وتأويل، فهم مأجورون سواء أصابوا أو أخطأوا، ويحرم الطعن فيهم أو سوء الظن بهم. ويستدل بالآيات والأحاديث على رضا الله عنهم ووعدهم بالجنة.
يحذر الدرس من الزندقة والطعن في كتاب الله وسنة رسوله، مبيناً أن الآية تضمنت الجزاء الحسن للصحابة الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده. ويؤكد أن استكمال الشرح سيتم في درس لاحق.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: ونؤمن بأن خير هذه الأمة الصحابة، ثم التابعون، ثم تابعوهم. تقدم الكلام فيما يتعلق بأن خير هذه الأمة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فهم خير الناس كما قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم». والصحابة كانوا في قرن النبي عليه الصلاة والسلام، فهم من خير الناس. فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خير الناس، ومنزلتهم حتى في الكتب السابقة، كما نقل عن إمام مالك رحمه الله أنه قال: بلغني أن النصارى يقولون في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: هؤلاء أفضل من الحواريين. فيما بلغنا، الحواريون أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام، فمعلوم عند النصارى أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هم أفضل من الحواريين. ذكر ذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى فيما بلغه عن الذين فتحوا بلاد الشام، ولقوا بعض النصارى في تلك البلاد، فهذا يدل على فضل الصحابة حتى في الكتب السابقة. ذكر فضلهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وبعد ذلك التابعون، وهم القرن الثاني الذي بعد قرن الصحابة، ثم بعد ذلك القرن الثالث وهم أتباع التابعين. فهذه القرون خصها النبي عليه الصلاة والسلام بالفضل، خص أهلها بالفضل عن غيرهم، كما في حديث عمران بن حسين رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم» وهم التابعون، «ثم الذين يلونهم» وهم أتباع التابعين. فهؤلاء هم خير الأمة: الصحابة، ثم التابعون، ثم أتباع التابعين. قال رحمه الله: ونؤمن بأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل. وهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين وغيرهما: بأنه لا تزال طائفة من أمته عليه الصلاة والسلام على الحق ظاهرين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». في بعض الألفاظ: «لا تزال طائفة من أمتي منصورة». فهذه الطائفة منصورة، وهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة، وهم السلف. ففي حديث الافتراق قال عليه الصلاة والسلام: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، افترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». سئل عنها عليه الصلاة والسلام، قال: «الجماعة، الجماعة». وهم أهل الحق، جماعة الحق الذين اجتمعوا على الحق، على كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى ما كان عليه السلف الصالح. فهؤلاء هم الجماعة، قلوا أم كثروا، كانوا قلة أو كثرة. وهذا يتفاوت في بعض الأزمنة، يكون عدد الطائفة المنصورة كثير، وفي أزمنة يقلون، لكن الذي يتميزون به أنهم على الحق. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في السير: «الجماعة، الجماعة ما وافق الحق، ولو كنت وحدك». الجماعة بموافقة الحق، بموافقة الحق، الدليل كتاب والسنة، وملازمة نهج السلف الصالح. فمن كان على ذلك فهو من الجماعة، فهو من الجماعة، سواء كان في شرق البلاد أو غربها، ما دام أنه على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلى منهج السلف الصالح، فهو من الجماعة. فليست الجماعة المراد بها الكثرة، أكثر الناس، لا. بل جاءت النصوص في كتاب الله في ذم الكثرة: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. أكثر من في الأرض إذا أنت تطيعهم ضللت. فبهذا يتبين لنا أن الحق، وأن الجماعة ليس معناه الكثرة، لا، وإنما المراد موافقة الحق: الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح. فمن كان على ذلك فهو من الجماعة. إبراهيم كان أمة في وقته لأنه على الحق: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. هو واحد لكنه جماعة، لماذا؟ لأنه على الحق، على الحق، وعلى الهدى الذي أرسل به وأمر بتبليغه. وهكذا الأنبياء الذين أرسلوا هم على الحق مع قلة أتباعهم، يأتي النبي معه الرهط، والنبي معه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. أممهم كذبوهم، نعمهم كثر، ومعادهم على الحق. هذا النبي الذي جاء وليس معه أحد هو جماعة لأنه على الحق، وذلك الذي معه الرجل، والذي معه الرجلان، والذي معه الرهط والرهيط، هؤلاء جماعة لأنهم ماذا؟ على الحق. فمن كان على كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، متبعا لمنهج السلف الصالح، فهو الجماعة، وهو من الجماعة، وهو من الطائفة المنصورة، ومن الفرقة الناجية، ومن الفرقة الناجية. وهذه كلها مسميات لمسمى واحد: طائفة منصورة، فرقة ناجية، سلفية، أهل الحديث والأثر، الجماعة. كلها مسميات لمسمى واحد، وهم أهل الحق. لا تفريق بين الطائفة المنصورة ولا الفرقة الناجية. فالذين فرقوا بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، لما حصل عندهم خلل ومخالفة لمنهج الطائفة المنصورة، قالوا: ولكن نحن على نجاح، وعلى سبيل نجاح، ونحن من الفرقة الناجية، وإن لم نكن من الطائفة المنصورة. يوجد عندنا بعض الأمور التي هي ليست نعم على ما كان عليه مثلا السلف الصالح، لكن نحن من الذين نجوا، ومن الفرقة الناجية. فيقال: لا، الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية. نعم، الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية، والفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة. فمن عنده خلل، نعم، فإذا ليس هو من الطائفة المنصورة، وليس هو من الفرقة الناجية، وليس هو من السلفيين، وليس هو من أهل الحديث والأثر. يعني إذا وقع فيما يخالف منهج السلف الصالح، فلا يسمي نفسه بهذا الاسم، ويظن أن هذا الاسم يشمله، نعم، ولو لم ينطبق عليه الاسم الآخر من مسميات أهل السنة والجماعة. نعم، فإذن الطائفة المنصورة هم الفرقة الناجية، وهم أهل الحديث والأثر، وهم كذلك السلفيون، إلى آخر ذلك من هذه الأسماء. إنما هي أسماء لمسمى واحد، وهم أهل السنة والجماعة، وأهل الحديث والأثر، إلى آخر ذلك. قال: وبأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين. ظهور هذه الطائفة قد يكون ظهورا بالسيف والسنان، وقد يكون ظهورا بالحجة والبيان. والظهور بالحجة والبيان هو في كل وقت وزمان. في كل وقت وزمان، أهل السنة والجماعة والطائفة المنصورة ماذا؟ ظاهرون. ظاهرون بما عندهم من الحجة والبيان أنهم على الحق. الحق ظاهر، واضح، وجلي. نعم، وهم متميزون، متميزون بهذا الحق. نعم، وظاهر أمر استقامتهم وثباتهم على الحق بالحجة والبيان. من عارضهم ردوا عليه بكتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهكذا استشهدوا بما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فهم على حجة وعلى بيان. هذا لا يتخلف، ظهور الطائفة المنصورة بالحجة والبيان لا يتخلف عنهم، هم ظاهرون بهذا في كل وقت وزمان. لكن قد يتأخر ظهورهم بالسيف والسنان، بمعنى لا تكون لهم الغلبة بالسيف والقوة. هذا قد يتأخر. النصر بالحجة بالسيف والسنان، وإلا فهم منصورون كما بينا. الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تزال طائفة من أمتي منصورة». لكن هذا النصر لهذه الطائفة، هل مراد به نصر بالحجة والبيان وبالسيف والسنان؟ النصر بالحجة والبيان في كل وقت وزمان، لكن النصر بالسيف والسنان قد يتأخر، قد يتأخر بسبب بعض الأمور، فتحصل الهزيمة مثلا لهذه الطائفة، تحصل لهم الهزيمة من قبل أعداء الإسلام، من قبل أعداء الإسلام، وما تكون عندهم القوة على فتح بلاد الكفار وغير ذلك. هذا قد يتأخر، قد يتأخر، والله جل وعلا الحكمة في ذلك. تأخر النصر عن النبي عليه الصلاة والسلام، عن الصحابة في غزوة أحد، في آخر هذه الغزوة حصلت الهزيمة. نعم، فهنا يتأخر. وهكذا بعض الغزوات التي صارت الهزيمة فيها بالطائفة المنصورة وأهل الحق، حتى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا هذا أمر قضاه الله سبحانه وتعالى. لكن نصرهم بالحجة والبيان والدليل والبرهان هذا واضح، بيِّن، لا يستطيع أحد أن يغلبهم في ذلك، هم الغالبون لأنهم على نور من ربهم، وعلى حجة وبيان وبرهان ودليل من كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهم منصورون كما وعدهم ربنا سبحانه وتعالى. وهكذا بين النبي عليه الصلاة والسلام أنه في آخر الزمان يكون النصر لهذه الأمة، النصر يكون لهذه الأمة ولهذه الطائفة في آخر أيام الدنيا، ينتصر أهل الحق، ما تكون الحرب سجال، نعم، بين أهل الحق وأهل الباطل، وإنما في آخر الزمان يستقر النصر لأهل الحق، حتى يقاتل أهل الإسلام اليهود، وينطق الحجر، ويقول: يا عبد الله، يا مسلم، هذا يهودي ورائي، تعالى فاقتله، إلا شجر الغرقد. الحديث كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. والنصر في الدنيا بالسيف والسنان هذا فيه امتحان، هذا فيه امتحان وابتلاء. فقد يبتل الله سبحانه وتعالى أهل الحق والطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، لماذا؟ بالهزيمة من قبل أعداء الإسلام. لكن العاقبة لأهل الحق، العاقبة لأهل الحق. هذه الهزيمة ابتلاء من الله سبحانه وتعالى لتصحيح المسار، والأخذ بأسباب النصر. يوم حنين، لما حصل الاغترار بالكثرة، كان سببا للهزيمة، كان سببا للهزيمة. وهكذا في أحد، لما حصلت المخالفة، كانت سببا للهزيمة. بل شج النبي عليه الصلاة والسلام في رأسه، وكسرت كسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، ودخلت في وجنتيه عليه الصلاة والسلام شيء من المغفر الحديد. هذا كل من الابتلاء، وسجد من خيرة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، حمزة بن عبد المطلب، وغيرهم من الشهداء الذين يعني استشهدوا في تلك الغزوة. فهذا ابتلاء وامتحان، وهذه سنة الرحمن، كما قال ابن قيم رحمه الله تعالى: «والحق منصور وممتحن، فلا تعجل». فهذه سنة الرحمن: حق منصور، لكن ممتحن، ممتحن، ممتحن، بابتلاءات، بهزيمة تقع في بعض الأحيان. لكن النصر المستمر الذي تتميز به طائفة المنصور، والفرقة الناجية، في كل زمان وفي كل وقت، ولا يتأخر، هو النصر بالحجة والبيان والبرهان. كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله». وهم على ذلك. وهذا فيه بيان أنه سيوجد من يخذلهم، ومن كذلك يخالفهم، لكن ذلك لا يضرهم، الحمد لله، ما دام متمسكين بكتاب ربهم، سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. لا يضرهم، يعني من خذلهم، قد يحصل خذلان من بعض الناس، من بعض الناس، فلا يضرهم، بحمد الله. وهكذا إذا حصل من بعضهم مخالفة للحق وأهل الحق، فلا يضرهم ذلك، بحمد الله جل وعلا. وإن كان ذلك يحصل به أذى، يحصل به أذى، وتألم، يتألم الإنسان عندما يجد من يخذله، ومن كذلك يخالفه، من كان معه مثلا في الطريق وفي السير، ثم بعد ذلك يحصل منه خذلان أو مخالفة، هذا يحصل منه تألم وأذى. وأما الضرر فلا، لا يضر الحق بمخالفته، ولا بخذلانه، إنما يخذل نفسه، وإنما يضر نفسه. والحق سائر، والسفينة تمشي، هو الذي تخلف فهلك وتأخر. فبحمد الله الحق منصور، ومن نصره كانت العزة له، فنصره للحق هو عز له، هو وشرف له، هو. وإذا خذل أو تأخر، فيضر نفسه، ولا يضر الحق شيئا. وأهل الحق سائرون، صابرون، محتسبون على هذه المخالفات، وعلى هذا كذلك الخذلان الذي يحصل ممن يخذلهم أو يخالفهم. وقوله عليه الصلاة والسلام: «حتى يأتي أمر الله عز وجل»، المراد بذلك الأمر: هبوب الريح التي تقبض، أو تقبض أرواح المؤمنين، كما جاء في الصحيحين، في صحيح مسلم، في آخر الزمان: يأمر الله جل وعلا، ويأذن بهبوب الريح، تقبض أرواح المؤمنين، وهم آخر أفراد الطائفة المنصورة على الأرض، آخر أفراد الطائفة المنصورة على الأرض، لذلك من الزمان قبل قيام الساعة، تهب هذه الريح، فتقبض أرواح المؤمنين، آخر أفراد الطائفة المنصورة، فلا يبقى على الأرض إلا الكفار. كما جاء في صحيح الإمام مسلم أيضا: حتى لا يقال في الأرض: الله الله، ما يذكر رب العالمين جل وعلا في الأرض، فلا يبقى إلا شرار الخلق، عليهم تقوم الساعة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق». فيدل هذا أن أهل الطائفة المنصورة في ذلك الزمان، قرب قيام الساعة، تقبض أرواحهم، تقبض أرواحهم، فلا يبقى إلا شرار الخلق. ففي الحديث: «حتى يأتي أمر الله عز وجل»، ليس المراد القيامة والساعة، ليس المراد الساعة حتى يأتي أمر الله عز وجل، يعني تقوم القيامة، لا، المراد قبل هذا، قبل قيام الساعة، لأن الساعة تقوم على شرار الخلق، حيث لا يوجد في الأرض أحد من أفراد الطائفة المنصورة، من أهل الإيمان. نعم، فالمراد: حتى يأتي أمر الله عز وجل، هو ما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام في هبوب الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على الأرض إلا هؤلاء شرار الخلق، حتى أنه كما أخبرنا سلم: لا يقال في الأرض: الله الله. قال رحمه الله تعالى: ونعتقد أن ما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم من الفتن، فقد صدر عن تأويل اجتهدوا فيه. فمن كان منهم مصيبا كان له أجران، ومن كان منهم مخطئا فله أجر واحد، وخطؤه مغفور له. هذا الواجب في اعتقاد ما جرى بين الصحابة. فأهل السنة والجماعة، وطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، اعتقادهم في ما جرى بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من الفتن، أنهم معذرون فيه، فقد صدر منهم عن تأويل واجتهاد، فهم بين أجر وأجرين. فالمصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر واحد، لأنهم أهل اجتهاد، كلهم أهل اجتهاد. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح في حديث عبد الله بن عمر: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد». والصحابة رضي الله تعالى عنهم كلهم أهل اجتهاد، فما حصل بينهم من فتن، من قتال وغير ذلك، نتج هذا عن اجتهاد، عن اجتهاد منهم. فتن تحصل بين أهل الحق، وبين أهل الإيمان، وهم أهل إيمان، مع حصول هذا الذي حصل بينهم، كما قال عز وجل: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾. سماهم مؤمنين، مع حصول القتال، وهم أهل الإيمان، وهم أهل الحق. لكن هذا من حكمة الله جل وعلا، من الابتلاء. ما حصل بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، هو عن اجتهاد، وعن تأويل، وهم أهل اجتهاد، فهم بين أجر وأجرين، بين أجر وأجرين. هذا الواجب في اعتقاد ما جرى بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من الفتن. أما أن يعتقد الإنسان اعتقادات فاسدة في ذلك، يعني يسيء الظن ببعضهم، نعم، أو يطعن فيهم بهمز أو كلام أو غير ذلك، نعم، أو يظن ظن سيئا، ولو لم يتلفظ به، ولو لم يتلفظ به، يظن ظن سيئا بالصحاب فيما جرى بينهم، نعم، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، نعم، لأنه فيه ذم لهم، وفيه عدم إحسان بهم. بل هذا من الأذى، وقد أمرنا بالإحسان مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أمرنا أن نتبعهم بإحسان، وهكذا أن نحسن بهم، كما قال جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾. فهذا الواجب: الترضي عنهم، وعدم إساءة الظن بهم، وعدم الطعن فيهم، وعدم الكلام. وتعجب ممن يصدر منه يعني بعض الكلام الذي فيه شيء من الطعن لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وإلى أسف أن يصدر هذا ممن يتزعم يعني الدعوة، وربما يغتر به كثير من الناس، ويظنونه عالما وإماما، وهو يقع في الطعن في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فيطعن في خلافة عثمان مثلا، ويقول: هي يعني فجوة، أو أنه مثلا قرب يعني أتباعه، أو جامل، أو كذا، أو يطعن في بعض الصحابة من صدر منه بعض الأمور التي هو مجتهد فيها. هذه زلات عظيمة، ليست بهينة. والواجب تطهير الألسنة، نعم، كما قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه، وهاذ عمر بن عبد العزيز، وغيرهم من السلف الصالح، في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، يقولون: تلك دماء طهر الله منها أيدينا، فعلينا أن نطهر منها ألسنتنا، أن نطهر منها ألسنتنا. فألسنتنا لا تذكرهم، لا تذكرهم إلا بالجميل الحسن، والترضي، والثناء، وما نقل مما وقعوا فيه، فيعتذر لهم فيه، نعم، وهو مغمور كذلك في بحر حسناتهم، مغمور هذا في بحر حسناتهم، عندهم من الحسنات العظيم، أمثال الجبال. فكيف إنسان يتناول الصحابة بشيء من طعن، أو كذلك يعني التغليط، أو الإساء، أو غير ذلك؟ فكل ذلك يخالف اعتقاد أهل السنة والجماعة في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ويخالف ما أمر به في كتاب ربه جل وعلا، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. ولذلك قال المصنف رحمه الله تعالى بعد هذا: ونرى أنه يجب، أنه يجب أن نكف عن مساوئهم، عن مساوئهم، فلا نذكرهم إلا بما يستحقونه من الثناء الجميل، وأن نطهر قلوبنا من الغل والحقد على أحد منهم، لقوله تعالى فيهم: ﴿ لَّا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ﴾. فالله سبحانه وتعالى وعد الجميع بالحسنى، نعم، والحسنى فسرت بالجنة، وبالعاقبة الحسنى. فإذا كان كذلك، فلماذا إذن الطعن؟ فالله سبحانه وتعالى وعدهم بالحسنى، فهذا يدل على ماذا؟ يدل على رضاه جل وعلا عنهم. وهو جل وعلا قد علمهم، وهو جل وعلا قد علم أنهم يقعون فيما وقعوا فيه من القتال، وما حصل بينهم من الفتن، ومع هذا وعدهم بالحسنى، فيدل على أنه جل وعلا لم يواخذهم في ذلك، لم يواخذهم في ذلك. ومن هؤلاء من شهد بدرا، ومن هؤلاء من شهد الحديبية، قد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل الجنة. ولما جاء عمر رضي الله تعالى عنه، يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: «دعني، دعني أضرب، أضرب عنقه»، يعني حاطب بن أبي بلتعه، قال: «وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». فكم من النصوص في كتاب الله، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، التي فيها الترضي عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والوعد بالجنة، وبالجزاء الحسن، والثناء عليهم، كما قال جل وعلا: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾. وهم عدد كثير من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال جابر بن عبد الله كما في البخاري: كنا ألفا وأربعمائة، كنا ألفا وأربعمائة، يعني من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين بايعوا تحت الشجرة. وهؤلاء قد بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». مراد بها بيعة الرضوان. فهذا يدل على رضا رب العالمين جل وعلا عنهم، وتزكيتهم، وثناء عليهم. كيف بعد ذلك يأتي شخص يتناول الصحابة بشيء من الطعن، أو الهمز، أو اللمز، أو غير ذلك؟ هذا جاهل بكتاب ربه، ما يقرأ هذه الآيات، ما قرأ هذه الآيات. وإذا قرأ هذه الآيات، ماذا فهم منها؟ ماذا فهم من هذه الآيات إذا قرأها حقا وتمعنا ما فيها؟ ماذا استفاد من هذه الآيات؟ ما استفاد من هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى قد رضي عن هؤلاء القوم، وأثنى عليهم، وزكاهم، وقد علم جل وعلا ما يحصل منه. الله سبحانه وتعالى لا يجهل ما يحصل، ما قد يحصل بين الصحابة، كما يقول الضلال: كان ذلك قبل ما يحصل منهم. هذا طعن في علم الله سبحانه وتعالى، يعني كأنه جل وعلا لم يعلم ذلك، فتربى عنهم، وزكاهم، وأثنى عليهم، وهو لا يعلم أنهم سيقعون في هذا. هذا طعن في علم الله سبحانه وتعالى، نعم، وطعن في اسم الله جل وعلا العليم، وأنه قد أحاط بكل شيء علما. فهذا من الضلال الكبير الذي يقع فيه هؤلاء الذين يصلون في هذا الحجل، الزندقة، والعياذ بالله، في الطعن في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا، كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى، هذه الآية التي فيها بيان الجزاء الحسن، الجزاء الحسن من رب العالمين سبحانه وتعالى، الذي وعد به الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، أو الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، الجميع طيب. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.