عقيدة أهل السنة والجماعة 3

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة

يستعرض المحاضر معنى توحيد الألوهية مستدلاً بآيات قرآنية وقصة إبراهيم عليه السلام، مؤكداً أن الله وحده المستحق للعبادة دون سواه. ويبين أن ما يعبد من دون الله باطل لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا يخلق ولا يرزق.

دعوة الرسل لتوحيد الألوهية والأسماء والصفات

يشرح المقطع أن الغاية من بعثة جميع الأنبياء هي دعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة ونبذ الشرك، مشيراً إلى تكذيب أكثر الأمم لرسلهم. كما يُعرّف بالقسم الثالث من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات المختصة بالله وحده.

تفرد الله بالأسماء والصفات والرد على التعطيل والتشبيه

يؤكد المحاضر وجوب إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى لله كما أثبتها لنفسه بلا تمثيل ولا تعطيل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وينتقد مذهب الأشاعرة في اقتصارهم على سبع صفات بدعوى موافقة العقل، مبيناً فساد تفريقهم بين الصفات.

خاتمة الدرس واستفهام حول صفات الإنسان

يختتم المحاضر الدرس بطرح سؤال استفهامي حول امتلاك البشر للسمع والبصر والحياة والعلم تمهيداً للدرس القادم. ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، في كتابه "عقيدة أهل السنة والجماعة": قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بألوهية الله تعالى، أي بأنه الإله الحق، وكل معبود سواه باطل". فالله جل وعلا هو المعبود الحق، كما قال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. فكل معبود عُبد مع الله جل وعلا فقد عُبد بباطل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. سموها آلهة، واشتقوا لها أسماء من أسماء الرحمن جل وعلا: "اللات" من الله، و"العزة" من العزيز، و"مناة" من المنان، إلى آخر ذلك. فالله منفرد بألوهيته، ولا يعارضه أنه جل وعلا أثبت وسمى تلك المعبودات التي عُبدت معه آلهة؛ فهي سُميت آلهة وعُبدت مع الله جل وعلا بباطل، عبادتها كانت بباطل، والله جل وعلا هو المعبود الحق جل وعلا، وهو المنفرد بالألوهية. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. وقال سبحانه وتعالى أيضاً في كتابه الكريم: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وهكذا. كذلك قال جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. والنصوص كثيرة في كتاب الله جل وعلا الدالة على أن المتفرد بالألوهية هو الله جل وعلا وحده لا شريك له. ولذلك جاءت الآيات الكثيرة التي فيها قوله جل وعلا: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. لا يوجد إله مع الله جل وعلا يستحق أن يُعْبَد. كل هذه الآلهة لا تستحق شيئاً من العبادة؛ هي لم تخلق شيئاً، ولم ترزق أحداً، ولم تحيِ أحداً، وهكذا، ولا تنفع أحداً. فلذلك لا تستحق، لا تستحق أن تكون آلهة. الذي يستحق أن يكون إلهاً هو الله جل وعلا وحده لا شريك له، لأنه الذي خلق وهو الذي رزق. ولذلك نجد النصوص الكثيرة في كتاب الله جل وعلا، بعد أن يذكر الله جل وعلا الخلق يذكر العبادة، لبيان أن الذي يستحق العبادة هو الذي يخلق. فمن كان يخلق كان هو الذي يستحق العبادة، والذي لا يخلق لا يستحق شيئاً من العبادة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. تعليل هنا: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، أي لأنه خلقكم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾. قد يقول: لماذا؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾، لماذا نعبد ربنا؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، الجواب: أي لأنه خلقكم. فمدام أنه خلقكم، إذن عليكم أن تعبدوه. ألا خُلق سيئة، العزة، مناة، هبل، الولي الفلاني، الحجر، الشجر، الأصنام، الكواكب، الشمس، القمر؟ لم تخلق شيئاً، إذن لا تستحق أن تُعبد، لا تستحق أن تُعبد. وانظروا في دعوة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، إمام الحنفة وإمام الموحدين: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وكذلك ﴿وَنُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أي: لا أوجه وجهي لهذا النجم، ولهذا القمر، أو لهذه الشمس. لماذا؟ لأنها لم تفطر السماوات والأرض، وإنما أوجه وجهي للذي فطر السماوات والأرض، يعني الذي خلق السماوات والأرض. كانوا يُقال لهم: هل هذا القمر، وهل هذا النجم الذي تعبدونه، فطر السماوات والأرض؟ خلق السماوات والأرض؟ لا، ولم يخلق أدنى من ذلك. وهكذا هذا القمر، وهكذا هذه الشمس. فإذا كيف تعبدونها وهي لم تفطر السماوات والأرض، أي لم تخلق السماوات والأرض؟ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، يعني الذي خلق، هو الذي يستحق هذا، الذي يستحق أن يوجه العبد إليه وجهه، وهو الذي يستحق أن يُعْبَد، هو من فطر السماوات والأرض. فهكذا بيّن لهم أن الألوهية إنما هي حق الخالق، فمن كان خالقاً كان هو الذي يستحق أن يُعْبَد، وليس ذلك لأحد، وليس ذلك لأحد إلا لله جل وعلا وحده لا شريك له. فالله جل وعلا هو الذي خلق وحده، ولذلك هو الذي يستحق أن يُعْبَد وحده جل وعلا، لأن العبادة حقه جل وعلا على عباده، كما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: لما كان رديف النبي عليه الصلاة والسلام على الحمار، قال: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وحق العباد على الله؟» قال معاذ: الله ورسوله أعلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله» - أي الحق الذي تفضل به جل وعلا وامتن به وتفضل به على عباده - «ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً». فالله جل وعلا هو المتفرد بالألوهية، وهو المستحق للعبادة جل وعلا وحده لا شريك له. وما دعوة الأنبياء والرسل إلا لأجل هذه الغاية. لماذا بعث الأنبياء، ولماذا بعثت الرسل؟ لهذه الغاية العظيمة والأجل. هذه الغاية العظيمة أنزلت الكتب، وجردت السيوف. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. "أن" هنا تفسيرية. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، تفسير لدعوة الرسل الذين بعثهم الله جل وعلا في الأمم. ما هي؟ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. هكذا قال نوح، وقال هود، وقال شعيب، وقال موسى، وعيسى، وكل الأنبياء والرسل. أرسلوا لأجل، أرسلوا لأجل الدعوة إلى هذه الكلمة العظيمة، إلى "لا إله إلا الله". ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. كل الأنبياء والرسل أرسلوا لأجل دعوة الناس إلى إفراد الله جل وعلا بالعبودية. ومع هذا كان أكثر الأمم منكرة لهذا التوحيد، ولهذا النوع من أنواع التوحيد. مع أنه هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم. ما كان النزاع فيما يتعلق بتوحيد الربوبية، وإنما كان النزاع أشد في هذا الباب: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. ﴿إِنَّ لَتَارِكَ آلِهَتِنَا لَشَاعِرٌ مَجْنُونٌ﴾. ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. هكذا هنا كان النزاع. ﴿أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ﴾، قالها أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، حين دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عمه أبي طالب في آخر لحظات حياته يدعوه لهذه الكلمة: «قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، وهما يقولان له: ﴿أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ﴾. هنا صار النزاع. ومع هذا كانت أكثر الأمم جاحدة لهذا القسم من أقسام التوحيد. يدلك على هذا النصوص الكثيرة في كتاب الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ﴾، ﴿كَذَّبَتْ﴾، كم الآيات التي فيها ﴿كَذَّبَتْ﴾، ﴿كَذَّبَتْ﴾، هؤلاء الأقوام، هؤلاء الأمم كذبوا الرسل. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. كثير، أمم كثيرة كذبت الرسل في ماذا؟ في هذا الباب، في الإقرار بإفراد الله جل وعلا بالعبادة وبالعبودية، فلم يحققوا ذلك. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين، رأى الأمم وعرضت عليه الأمم، ورآها عليه الصلاة والسلام رؤية منامية، وهي حق؛ لأن رؤية الأنبياء حق. قال عليه الصلاة والسلام: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط» - هم جماعة دون العشرة، كما قال النووي رحمه الله - «والنبي ومعه الرهط» في رواية، في لفظ: «والنبي معه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد». لأن هؤلاء أنبياء جاءوا إلى الدعوة، جاءوا بالدعوة إلى إفراد الله جل وعلا بالعبودية، ومع هذا نبي معه أقل من عشرة، ونبي معه رجل، وآخر معه رجلان، بل من الأنبياء من ليس معه أحد، يعني لم يستجب له ولا واحد من قومه، ولا واحد، كل قومه كذبوه. ومن الأنبياء من استجاب له من قومه اثنان، ومنهم عشرة. هذه حصيلة دعوة الأنبياء والرسل التي رآها النبي عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر أتباع موسى: «فنظرت فإذا سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه. ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». فدخل النبي عليه الصلاة والسلام منزله، فخاضوا في أولئك، فقال بعضهم: «فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئاً»، وذكروا أشياء. فخرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال لهم: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون»، إلى آخر الحديث. فهذا دلنا على أن أكثر الأمم كانت مكذبة لهذا النوع، ولهذا القسم من أقسام التوحيد، وهو أعظم هذه الأقسام. وأفضل هذه الأمم أمة موسى، وأفضل منها أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أفضل من سابقتها من الأمم، يعني أفضل الأمم حقاً للتوحيد، توحيد العبادة، أمة موسى، وأفضل منها أمة النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة للأمم التي سبقتها، لأن الأمم السابقة كانت ضعيفة في تحقيق هذا النوع من أنواع التوحيد، ألا وهو توحيد الألوهية. قال رحمه الله تعالى: "ونؤمن بأسمائه وصفاته"، أي بأن له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا. وهذا هو القسم الثالث من أقسام التوحيد، هو توحيد الأسماء والصفات. فالله جل وعلا، كما أنه متفرد بربوبيته، وأنه منفرد بملكه وخلقه وتدبيره، وهكذا، كما أنه متفرد بألوهيته جل وعلا، فهو كذلك متفرد بأسمائه وصفاته. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، هذه الآية في سورة الأعراف. فالأسماء الحسنى إنما هي لله جل وعلا. وهكذا قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي ليست لغيره، ليست لغيره، ليس لأحد أسماء حسنى، وإنما هي لله جل وعلا وحده. بمعنى: الأسماء الحسنى التي لا يلحقها نقص ولا عيب، لا يلحقها... أسماء الله جل وعلا وصفاته لا يلحقها نقص ولا عيب. البشر وإن سُمّوا بأسماء حسنة، لكن يلحقها النقص، ويلحقها العيب، وهي أعلام مجردة، أعلام مجردة. قد يسمى الإنسان "عزيزاً" وهو من أذل الناس، وقد يسمى "كريماً" وهو من أبخل الناس، وهكذا. قد يسمى "جميلاً" وهو ليس بجميل، يسمى "حسناً" وليس بحسن. لكن أسماء الله جل وعلا أعلام وأوصاف، وهي أسماء بالغة في الحسن غايته، وليس مع ذلك أن لها حتى تنتهي، لا. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنت الأول الذي ليس قبله شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعده شيء». فهو أول في أسمائه، وهكذا أول في صفاته، وهو كذلك آخر في أسمائه وآخر في صفاته. ومعنى "آخر" ليس معناه أنه ينتهي لأحد. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس بعده شيء». فليس معنى "آخر" يعني ينتهي هنا، الحسن لأسماء الحسنة والجمال. ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي الوصف الأعلى الذي لا حد له، لا حد له. فلذلك علينا أن نثبت الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. لا يماثل الله جل وعلا أحد في أسمائه أو في صفاته. فالله جل وعلا هو الواحد والأحد في أسمائه وصفاته، متفرد بذلك. والذين ضلوا في هذا الباب إنما ضلوا لأنهم لم يحققوا إفراد الله جل وعلا بأسمائه وصفاته على ما جاء الأمر به في كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام. فالذين عطلوا، لماذا عطلوا؟ عطلوا الأسماء، أو عطلوا الأسماء والصفات، أو عطلوا الأسماء فقط. السبب في ذلك أنهم توهموا التمثيل، توهموا التمثيل، أنهم إذا أثبتوا أسماء لله جل وعلا جعلوا الخالق كالمخلوق. لكن لو تقرر عندهم عقيدة، تقررت في نفوسهم عقيدة راسخة كرسوخ الجبال، أن الله جل وعلا لا يماثل أحداً من خلقه، لا في أسماء ولا في صفاته، هذه أولاً، لا بد قاعدة راسخة أن تكون عند المسلم. إذا حصل الخلل هنا، ولم ترسخ هذه العقيدة في نفس المسلم، فإنه يقع الزيغ والانحراف. لكن عنده قاعدة راسخة ثابتة: أن الله جل وعلا لا يماثله أحد، لا في أسماء ولا في صفاته. فإذا أثبت الأسماء لله جل وعلا، علم أن الله جل وعلا متفرد بهذه الأسماء، لا يماثل أحداً من خلقه في هذه الأسماء. وإذا أثبت لله جل وعلا الصفات، علم يقيناً أن هذه الصفات متفرد ربنا عز وجل بها، لا يماثل أحداً من خلقه، سواء كانت صفة السمع، أو صفة البصر، أو صفة الكلام، أو صفة الأصابع، أو صفة الساق، أو صفة الوجه، أو صفة اليد، إلى آخر الصفات. لا تتوهموا صفات المخلوقين، لا تظنوا النقل. إذا قلت: أثبت لله جل وعلا صفة الساق، قلت: مثل ساق المخلوق؟ لا. الله جل وعلا متفرد بهذه الصفة، الله أعلم بكيفيتها، ما عندنا علم بكيفيتها، لكنها صفة ثابتة لله جل وعلا، وهو متفرد بها سبحانه وتعالى، ولا يماثله أحد في هذه الصفة. خلاص، الحمد لله. وهكذا بقية الصفات. لكن إذا صار الإنسان يتوهم التمثيل، هو الذي... ماذا يحصل عنده الخلل؟ ورضي الله تعالى عن حبر الأمة، ترجمان القرآن، عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: «ما فرق هؤلاء؟ ما فرق هؤلاء؟» يعني: ما سبب خوف هؤلاء؟ يخافون، وإذا ذكرت الصفات، رب جل وعلا، يهلكون عند متشابهه، ولا يكونون كذلك عند محكمه. يعني: إذا ذكرت النصوص المحكمة في كتاب الله، ما يتحركون، ولا... لكن ذكرت الصفات، لكن ذكرت الصفات، حصل عندهم الهلع والفزع والخوف. لماذا؟ إنما بسبب عدم رسوخ هذه العقيدة. «ما فرق هؤلاء؟ يؤمنون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه». بمعنى: إذا ذكرت الصفات التي يظنون فيها المشابهة والمثلية. فإذا علم الإنسان يقيناً أن الله جل وعلا واحد في أسمائه وصفاته، فإنه لا يقع عنده تمثيل، لأنه إذا توهم التمثيل، عنده الآية يجعلها نصب عينيه، آية محكمة في كتاب الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. إذن أثبت، لماذا تعطل فراراً من التمثيل؟ لا، عندك قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. إذن أثبت كما أثبت الله، وكما أثبت النبي عليه الصلاة والسلام، من غير تمثيل. وهكذا الذين عطلوا، والعياذ بالله، عطلوا الأسماء والصفات بسبب التمثيل. والذين مثلوا، هؤلاء ضلوا كذلك في هذا الباب. أين هم من قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؟ وأين هم من قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾؟ وأين هم من قوله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾؟ لا سمي لله جل وعلا، ولا مكافئ. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فعلى المسلم أن تكون عنده عقيدة راسخة، خاصة في هذا الباب، لأن هذا الباب النزاع فيه كثير، والفرق فيه كثيرة. وللأسف الشديد أن أكثر، أكثر، أكثر الناس اليوم على وجه الأرض على غير الصواب. أكثر الناس اليوم على وجه الأرض على غير الصواب فيما يتعلق بهذا القسم من أقسام التوحيد، هو توحيد الأسماء والصفات. ما أكثر مذهب الأشاعرة! ربما يشكل اليوم نسبة 70%، مذهب الأشاعرة السائد في بلاد أهل الإسلام، وربما أكثر، فيما يتعلق بباب الأسماء والصفات. ما يثبتون إلا الصفات العقلية، الصفات السبع التي زعموا أنها توافق العقل، ولذلك أثبتوها، وهي: الحياة، والعلم، والكلام، والسمع، والبصر، والقدرة، والإرادة. هذه سبع صفات أثبتها الأشاعرة، لزعم أنهم توافق العقل، ولا يستحيلها العقل، ولا ينكرها. ومذهبهم باطل. لماذا أثبتتم صفات السمع والبصر والكلام والحياة والعلم والقدرة والإرادة، ونفيتم تلك الصفات؟ إذا قالوا: تلك الصفات تقضي المثلية، نقول: طيب، صفة الكلام، أليس البشر يتكلمون؟ أليس البشر يسمعون، يبصرون، وعندهم حياة، وعندهم علم؟ نواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر