عقيدة أهل السنة والجماعة 15

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات صفة النزول لله تعالى والرد على التأويلات الباطلة

يقرر المصنف وجوب الإيمان بنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة كما ورد في السنة الصحيحة، مؤكداً أنها صفة فعلية حقيقية تليق بجلاله لا تُعلم كيفيتها إلا به. ويرد على من يؤولون النزول بنزول ملك أو رحمة معتبراً ذلك تعطيلاً للنصوص وجهلاً بقدرة الله، مستدلاً بأقوال السلف في وجوب التسليم للخبر دون تمثيل أو تعطيل.

الرد على المعطلة وبيان استحالة خلو العرش عند النزول

يبين المقطع بطلان قول المعطلة الذين ينفون نزول الله الحقيقي ويزعمون نزول ملك، محذراً من أن ذلك يؤدي إلى الشرك، ويثبت نزول الرب ثابت بالسنة والإجماع. ويناقش مسألة خلو العرش عند النزول مرجحاً قول شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الله مستوٍ على عرشه وينزل في آن واحد، لأن الاستواء صفة ذاتية لازمة لا ينفك عنها.

ثبوت النزول لكل بلد ورد الاعتراضات المكانية والزمانية وخاتمة الدرس

يؤكد المقطع أن نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير ثابت لكل بلد حسب توقيتها ولا يعجز الله ذلك، مستدلاً بقول ابن تيمية ووجوب التسليم للنصوص دون قياس على المخلوقين. وينتقد منهج المتكلمين في إثارة اللوازم الباطلة، ويرد افتراء ابن بطوطة على ابن تيمية بتمثيل نزول الرب بنزول المخلوق مبيناً كذبه تاريخياً، ويختتم بالصلاة على النبي والشكر للمشاهدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله ورحمة الله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بما أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له». ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن من الإيمان بالله جل وعلا الإيمان بما أخبر به رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ربه جل وعلا، ومن ذلك أنه ينزل جل وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير. فأهل السنة والجماعة يثبتون لله جل وعلا صفة النزول، وأن الله جل وعلا ينزل حين يبقى ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا، وذلك لما جاء في الأحاديث الكثيرة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان هذا الأمر، فأجمع أهل السنة والجماعة على هذا، وأن الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير نزولاً يليق بجلاله جل وعلا، فلا نعلم الكيفية، فلا نعلم كيفية هذا النزول. ولذلك قال بعض السلف: إذا قيل لك: كيف ينزل الله؟ فقل له: كيف صعد؟ إذا قال: كيف ينزل؟ قل له: كيف صعد؟ لا نعلم كيفيات غير معلومة، كما قال إمام مالك رحمه الله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». وهنا نقول: النزول معلوم، والكيف غير معقول، غير معلوم، ما عندنا خبر لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف ينزل ربنا جل وعلا، لكن عندنا علم من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه جل وعلا ينزل، فنقول كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: الله جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا في هذا الوقت. والنزول صفة فعلية من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئة الله جل وعلا، فالأمر بمشيئة الله جل وعلا، لما شاء أن ينزل في هذا الوقت وهو الثلث الآخر من الليل، ينزل ربنا عز وجل، يفعل ما يشاء، فعال لما يريد جل وعلا. وهكذا ينزل عشية عرفة، لما شاء الله عز وجل أن يقرب من عباده عشية عرفة، فإنه يفعل ذلك جل وعلا، فهو يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى، وأفعاله تابعة لمشيئته جل وعلا. ومن ذلك نزوله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير. لا نقول كما يقول أهل التعطيل: إنما ينزل ملك من ملائكته. هذا باطل، تفسير نزول ربنا جل وعلا بنزول ملك من ملائكة الله جل وعلا هذا تعطيل، تعطيل للنصوص. النبي عليه الصلاة والسلام أفصح العرب وأفضل من نطق بالضاد عليه الصلاة والسلام، لا يعجز عليه الصلاة والسلام أن يقول: ينزل ملك من ملائكة الله حين يبقى ثلث الليل الأخير. ما الذي يمنعه من ذلك؟ هل هم أفصح من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ هل هم أنصح من رسول الله عليه الصلاة والسلام لعباد الله؟ هل هم أصدق من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ كل ذلك ممتنع ومحال. فإذا النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو أفصح الناس يقول: ينزل ربنا، فأضاف النزول إلى الله جل وعلا، وهذا يدل على أنه نزول حقيقي يليق بالله سبحانه وتعالى. ما نقول: ينزل الملك. لنا ينزل الملك، الرسول يقول: ينزل ربنا، ونحن نقول: لا، الرسول ما أراد ذلك، ماذا أراد؟ أراد أنه ينزل الملك. يقول: ما الذي منعه؟ ما عنده فصاحة أن ينطق بهذا؟ عجز أن يقول يعني ينزل الملك من ملائكة الله؟ حتى أنتم تأتون في هذا الوقت المتأخر بعد هذه القرون المفضلة والثلاثة وتقولون: لا، ليس المراد نزول ربنا، وإنما المراد نزول ملك من ملائكة الله. سبحان الله، هذا تعطيل. لماذا لا تقولون: ينزل ربنا عز وجل؟ نعم، السبب - والعياذ بالله - أنهم يقولون: إذا قلنا ينزل ربنا مثلناه بالمخلوق، وأن ذلك يستلزم الحركة من مكان إلى مكان، وأنه فوق العرش كيف ينزل والعرش يخلو منه، إلى آخر ذلك من هذه الظنون السيئة بالله جل وعلا. الله جل وعلا على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، ويفعل ما يشاء، لا يلزم أحد ربنا جل وعلا بشيء من هذه اللوازم، لوازم باطلة، هذه لوازم باطلة. الله جل وعلا يفعل ما يشاء. فيأتي شخص يقول: لا، ما يفعل ما يشاء، إنه إذا فعل ما يشاء هذا يستلزم إنه يتحرك. سبحان الله، طيب، إذا تقول أنت: الله ما يفعل ما يشاء؟ جوابك أن الله ما يفعل ما يشاء بسبب أنك إذا قلت يفعل ما يشاء يستلزم ذلك الحركة، فتأتي بلوازم باطلة في حق الله سبحانه وتعالى. أتظن الله جل وعلا مثلك أنت أيها المخلوق الضعيف؟ إذا نزلت يستلزم ذلك حركة، وإذا جلست أو قعدت يستلزم ذلك حركة، جعلت الله مثلك. سبحان الله، وما قدروا الله حق قدره، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، ما قدروا الله حق قدره. هذا الذي يأتي بلوازم فيعطل ربنا جل وعلا عن صفات الكمال، وعن صفات أثبتت في الكتاب والسنة، بحجة أن ذلك يستلزم منه ويلزم منه لوازم، وصاروا يتحكمون - والعياذ بالله - في النصوص ولا يستسلمون لها، والواجب التسليم. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. أين التسليم؟ أين التسليم لخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ينزل ربنا، ينزل ربنا. الله أعلم كيف ينزل، لكن نقول: لا، ما ينزل، المراد كذا، هذا مجاز، إلى آخر ذلك المجاز الذي عطلوا به صفات رب العالمين. ورحم الله الإمام ابن القيم حين حكم على المجاز بأنه طاغوت، صدقه الله: المجاز طاغوت. لماذا؟ لأن بالمجاز توصل المعتزلة - وهم القائلون بالمجاز، هم أول من أظهر المجاز، وإلا لا مجاز عند السلف، وإنما أظهره المعتزلة - نعم، فتوصلوا بذلك إلى تعطيل صفات الله جل وعلا. فإذا ذكرت الصفة لله جل وعلا في النص قالوا: لا. لله جل وعلا صفة اليدين، قالوا: لا، هذا مجاز، المراد نعمة، المراد القدرة. وهكذا النزول، لا، هذا مجاز، نعم، والمراد نزول ملك، أو نزول رحمة رب العالمين، أو نزول أمر الله جل وعلا، وكل ذلك من التفاسير الباطلة. فأهل التعطيل لا يثبتون صفة النزول لله جل وعلا، نعم، وإنما يقولون: ينزل ملك من ملائكة الله. إذا قلنا: ينزل ملك من ملائكة الله، هل يجوز للملك أن يقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له؟ الملك يغفر للناس؟ هذا شرك بالله جل وعلا، هذا شرك بالله جل وعلا. إذا قال الملك: من يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له، لا يغفر الذنوب إلا الله جل وعلا، نعم، ولا يعطي سائل، ولا يتوجه بالدعاء إلا إلى الله سبحانه وتعالى. ونزول الأمر، أمر رب العالمين نازل في كل وقت، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. فالأمر نازل من الله سبحانه وتعالى ليس في هذا الوقت وهو ثلث الليل الأخير، بل ما من أمر يحدث في ملكوت الله جل وعلا إلا بأمر الله الذي أمر الله جل وعلا به، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، فأوامر الله جل وعلا بما أراد أن يكون جل وعلا في كل وقت، وليس في ثلث الليل الأخير. وهكذا رحمة رب العالمين ليست هي نازلة في ثلث الليل الأخير، وإنما رحمة الله سبحانه وتعالى نازلة في كل وقت، ولولا رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده التي لا يستغنون عنها لحظة ولا طرفة عين، لا ما قامت للناس قائمة، ولا قام للخلق قيام إلا برحمة الله سبحانه وتعالى العامة والخاصة التي مقتضاها النصر والتأييد والإعانة والتوفيق، فرحمة الله جل وعلا في كل وقت وحين. فنزول الرب جل وعلا ثابت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبإجماع أهل السنة والجماعة. وهذه المسألة، وهو الكلام في: هل يخلو العرش من رب العالمين إذا نزل في ثلث الليل الآخر؟ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتابعون لهم بإحسان، لم يتكلموا في هذه المسألة. الصحابة الذين أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال لهم: ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الأخير، ما قالوا: يا رسول الله، إذا نزل ربنا في ثلث الليل الأخير هل يخلو منه العرش؟ ما قالوا هذا، سلموا. لماذا؟ لأنهم يعلمون، وهم عرب أقحاح، نعم، يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام ما دام أنه قال: ينزل ربنا، وأضاف النزول إلى الله جل وعلا، فمعنى هذا نزول حقيقي يليق بجلال الله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يعرفوا كيفيته، والواجب التسليم، وعدم السؤال بكيف، وعدم كذلك وضع لوازم: يلزم منه كذا، يلزم منه كذا، يلزم منه كذا. تسليم لخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام. نعم، لكن لما ظهر هؤلاء أهل التعطيل من أهل البدع، فالسلف رحمة الله تعالى عليهم كانت لهم الأقوال في هذه المسألة، في مسألة: إذا نزل الله سبحانه وتعالى في ثلث الليل الأخير هل يخلو منه العرش؟ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كما سمعتم يقول: وأنا أرى أن الكلام في هذه المسألة لا يجوز لنا، بمعنى: نسأل هل يخلو منه العرش وإلا لا يخلو؟ ولكن قال: مع هذا كان لأهل العلم في هذه المسألة أقوال. وكما سمعتم، السبب ظهور أهل التعطيل الذين عطلوا رب العالمين جل وعلا عن هذه الصفة، صفة النزول، بلوازم من تلك اللوازم: أنه إذا نزل خلاء منه العرش، والله استوى على العرش، ومادام أنه استوى على العرش إذا لا ينزل، لأنه إذا نزل خلاء منه العرش. فهنا جاء الكلام من أولئك العلماء الذين عاصروا هؤلاء أهل التعطيل، فتكلموا في هذه المسألة لبيان الحق في هذا. فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: لا يخلو منه العرش، إذا نزل ربنا جل وعلا في ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا لا يخلو منه العرش، أي أنه ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، وهو كذلك مستوٍ على عرشه، مستوٍ على عرشه، وينزل. كل ذلك نثبته، لأن النصوص في استواء الله جل وعلا على العرش نصوص محكمة، ولأن كذلك النصوص في نزوله، في نزوله جل وعلا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير نصوص محكمة، فنثبت هذه النصوص وتلك النصوص. فنقول: ربنا عز وجل مستوٍ على عرشه، عالٍ على خلقه، استواءً يليق بجلاله سبحانه وتعالى، وهكذا ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير. وحقق هذا الكلام ورجحه في رسالته العظيمة، الرسالة، أو الرسالة العرشية. القول الثاني لأهل السنة في هذا الباب في هذه المسألة: أنه يخلو منه العرش، أنه يخلو منه العرش. والقول الثالث: التوقف، قالوا: لا نقول يخلو منه العرش أو لا يخلو، نقول: ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش؟ لا نتكلم، لا نقول يخلو، ولا نقول لا يخلو، نتوقف. والذي يظهر - والله أعلم - أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الصواب، أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه، وهكذا ينزل إلى السماء الدنيا. نعم، وذلك أن صفة الاستواء لله جل وعلا صفة ذاتية، قبل استوائه على العرش صفة فعلية، لكن بعد استوائه جل وعلا على العرش هذه الصفة صارت صفة ذاتية بمعنى لازمة، لا ينفك عنها ربنا سبحانه وتعالى. فإذا استواؤه جل وعلا على عرشه من الصفات الذاتية، قبل استوائه من الصفات الفعلية لأنها تعلقت بمشيئته، وبعد استوائه فهي صفة ذاتية بمعنى لازمة، أين الله جل وعلا متصف بها أبداً. فلذلك هذا يدل على ترجيح هذا القول، وهو أن استواء الرب جل وعلا على عرشه ونزوله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا كلاهما ثابت، ونزوله لا يلزم منه خلو العرش منه، بل هو مستوٍ على عرشه وينزل ربنا سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا. وهناك أيضاً من اللوازم التي يذكرها هؤلاء الذين يتلاعب بهم الشيطان، يتلاعب بهم الشيطان فيقول: كيف ينزل ربنا سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل؟ طيب، نحن في اليمن مثلاً ثلث الأخير عندنا في الليل، مثلاً ثلث الليل الآخر مثلاً من الساعة مثلاً الرابعة، أو من الساعة مثلاً الثالثة إلى الساعة الرابعة مثلاً، وهناك في الغرب في فرنسا أو في بلاد كذا أو بلاد كذا ثلث الليل الآخر عنده من الساعة كذا إلى الساعة كذا، وفي بلاد كذا عنده من الساعة كذا إلى الساعة كذا، وفي بلاد كذا من الساعة كذا إلى الساعة كذا. فمعنى هذا أن الله سبحانه وتعالى نزوله دائم، نزوله دائم، وقتنا يختلف عن البلاد الأخرى. وهذا الكلام قد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى، ورد هذا وقال: الله سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه جل وعلا، وهو على كل شيء قدير. فنحن نسلم لخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، نقول: ثلث الليل الأخير عندنا ينزل فيه ربنا سبحانه وتعالى، وثلث الليل الأخير الذي هو في بلاد كذا ينزل فيه ربنا سبحانه وتعالى، فكل بلد ثلث ليلها الأخير ينزل فيه ربنا سبحانه وتعالى، وليس ذلك على الله بعزيز، وليس ذلك على الله بعزيز، فالله جل وعلا لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، وهو فعال لما يريد سبحانه وتعالى. فالواجب عباد الله أن يخلص الإنسان نفسه من هذه الأوهام ومن هذه اللوازم الباطلة، عليه أولاً أن يرسخ عقيدة أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وهو فعال لما يريد سبحانه وتعالى، وليس كمثله شيء. ليس إذا ذكرت له صفة صار يقارنها بين صفات المخلوقين، كيف هذا، ما يكون هذا، لا يا عبد الله، هذا شرع ولابد فيه التسليم والاستسلام، ربما عقلك لا يتسع إلى معرفة هذه الأمور وكيف هي. نعم، فالواجب التسليم. أنت أمرت بالتسليم، جاءك الخبر من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قل: آمنت، قل: آمنت بذلك، إن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء. لا تأتي تقول: بلاد كذا ثلث ليلها كذا، وبلاد أخرى ثلث ليلها كذا، أين يكون النزول، أين كذا، أين كذا، وهذا يستلزم... سبحان الله، أنت تجعل لوازم في حقه، أتظن أن الذي يفعل هذه الأشياء، وأن الذي ينزل حين يبقى ثلث الليل الآخر هو فلان بن فلان أو علان بن علان؟ هذا رب العالمين سبحانه وتعالى الذي يخبر عنه رسوله عليه الصلاة والسلام أنه يفعل ذلك، فالواجب التسليم، الواجب التسليم، كما سلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم ورضاهم. هل الصحابة قالوا: يا رسول الله، كيف ينزل في ثلث الليل الأخير، وثلث الليل الأخير يختلف، عندنا ثلث الليل الأخير في وقت كذا، وفي بلاد كذا كذا، وفي بلاد كذا وكذا؟ ما كان منهم هذا الكلام، لماذا؟ لأنهم يعلمون حقاً أن الله على كل شيء قدير، وأن الله جل وعلا لا يعجزه شيء. إنما الذي يقع في هذه الأشياء وفي هذه اللوازم الباطلة هو الذي ما قدر الله حق قدره، وإن لم يكن كافراً لكن ما قدر الله حق قدره. نعم، ولذلك لما جاء حبر من الأحبار كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود، فقال: يا رسول الله، إنا نجد - أي في التوراة - أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول هذا الحبر، ثم تلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. نعم، ما في هذا شيء، الله على كل شيء قدير، يجعل هذه السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع. لماذا لا يعجز الشيء سبحانه وتعالى؟ فهل بعد ذلك يقول: كيف ينزل؟ إذا نزل يستلزم أن يكون كذا، إلى آخر ذلك من هذه اللوازم الباطلة. فأهل البدع إنما ضلوا حين ما فتحوا أذهانهم لوساوس الشيطان الذي جاء وقال لهم: هذا يلزم كذا، وهذا يلزم كذا. وإلا لو أغلقوا الباب على أنفسهم وقالوا: صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذبت أيها الشيطان، لسلموا. فالواجب في نصوص الصفات خاصة التسليم والرضا والقبول، وعدم إيراد اللوازم الباطلة على ما جاء في نصوص الله، في نصوص الكتاب والسنة، وفي خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام. بهذا يسلم الناس. ولذلك كان مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم. نعم، ليس كما يقولون: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم. هذا باطل، أبداً، والله ما يمكن أن يكون مذهب الخلف أعلم وأحكم من مذهب السلف. فجعلوا في مذهب السلف السلامة، وجعلوا في مذهب الخلف العلم والحكمة. نعم، وهذا باطل، بل مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، لأن الأسلم هو الأعلم والأحكم. لماذا مذهب السلف أسلم؟ لأنهم سلموا، قبلوا الأخبار الواردة في الكتاب والسنة، ولم يعرضوها على عقولهم، نعم، فسلموا. لتسليمهم، الخلف هؤلاء الذين ماذا؟ ما حصل عندهم التسليم الكامل، وأقحموا عقولهم في هذه المسائل، نعم، ضلوا وأضلوا، ضلوا وأضلوا. أما من كان تابعاً للسلف فهو على السلامة التي كان عليها السلف الصالح، رضي الله تعالى عنهم. وابن بطوطة هذا القصاص المعروف الرحالة، افترى على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله افتراءً، قال: دخلت دمشق، فرأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يخطب من على المنبر، وقال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كنزول هذا، ونزل من على المنبر. قال: نزل من على المنبر قبل ذلك، قال: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كنزول هذا من على المنبر. انظروا الافتراء على شيخ الإسلام، جعل شيخ الإسلام يمثل نزول رب العالمين بنزول المخلوق، وهذا كذب. أولاً: دخول ابن بطوطة هذا، وهذا ابن بطوطة يعني من من يؤيد مذهب التصوف، نعم، على مذهب التصوف، ولذلك أراد الطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما دخل ابن بطوطة دمشق كان في السجن، وما خرج رحمه الله من السجن إلا بالجنازة، يعني مات في السجن. شيخ الإسلام رحمه الله في سجن القلعة، الوقت اللي دخل فيه ابن بطوطة دمشق كان شيخ الإسلام في السجن، وما خرج شيخ الإسلام ابن تيمية من السجن حتى مات، مات في السجن رحمه الله. نعم، فانظروا هذا الكذب والافتراء. وما يدل على كذب هذا الرجل أن لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رسالة عظيمة في النزول، قرر فيها مذهب السلف الصالح في ذكر نزول الرب سبحانه وتعالى نزولاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ذكر ذلك في هذه الرسالة العظيمة التي اسمها «النزول». فيجلي على كذب هؤلاء وافتراء هؤلاء على شيخ الإسلام ابن تيمية. رحم الله قال: ما معنى عشية عرفة؟ يعني ليلة عرفة، ليلة عرفة. وهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. صلى الله عليه وسلم. شكراً للمشاهدة.