عقيدة أهل السنة والجماعة 47

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رد حجة الاحتجاج بالقدر على المعصية ووجوب العمل بالطاعة

يبين المقطع بطلان احتجاج العاصي بالقدر مستدلاً بحديث علي رضي الله عنه الذي يأمر بالعمل وعدم الاتكال على القدر، لأن العبد مجهول المقدور ومكلف بالجهاد على الطاعة. كما يضرب الشيخ أمثلة عقلية وشرعية كاختيار الطريق الآمن والوظيفة الأفضل ليؤكد أن الإنسان بفطرته يختار ما ينفعه، فيلزمه اختيار طاعة الله في أمر آخرته.

حسن الظن بالله والأخذ بأسباب السعادة

يؤكد المقطع أن العبد لا يعلم قدره وعليه أن يجتهد في الطاعة مع حسن الظن بالله، مستشهداً بدعاء عمر بن الخطاب أن يُمحى من الأشقياء ويُكتب من السعداء. ويحذر من سوء الظن الذي يفتح باب الوساوس، مبيناً أن الصدق والاستقامة سبب للخاتمة الحسنة بينما الرياء والإصرار على المعصية يؤديان إلى سوء الخاتمة.

مقارنة السعي للدنيا بالتقصير في الدين

يوضح المقطع كيف يبذل الناس الجهد حثيثاً لنيل متطلبات الدنيا كالزواج والوظيفة، بينما يتقاعسون عن بذل مثل ذلك الجهد في أمور الدين. يدعو الشيخ إلى مراجعة النفس والموازنة بين السعي للدنيا والعمل للآخرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدراً أن الله تعالى قد كتبها لك؟ فإنه لا فرق بينها وبين المعصية في الجهل بالمقدور قبل صدور الفعل منك. ولهذا لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن كل واحد قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، قالوا: أفلا نتكل وندع العمل؟ قال: «لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له». ذكر المصنف رحمه الله تعالى في سياق بياني أن المحتج بقدر الله عز وجل على المعاصي، يقال له: لماذا لا تقدم على الطاعة؟ لماذا تقدم على المعصية؟ فإذا فعلتها ووقعت فيها قلت: قدر الله علي هذه المعصية. لماذا لا تفعل الطاعة؟ لماذا لا تفعل الطاعة مقدراً أن الله جل وعلا قد قدرها عليك؟ لأنه لا فرق بين أن تقدر المعصية وأن الله جل وعلا قدرها عليك ففعلتها، وبين فعل الطاعة فتفعلها على أن الله جل وعلا قدرها عليك؛ لأن الأمر سواء في الجهل بالمقدور قبل فعله. فأنت تجهل ما قدر الله جل وعلا عليك من طاعة، وتجهل ما قدر الله جل وعلا عليك من معصية. فلماذا تقدم على المعصية وتحتج بالقدر؟ أقدم على الطاعة وقل: قدر الله جل وعلا علي فعل هذه الطاعة. لا يفعل ذلك أحد. نعم، وإنما يفعل المعاصي ويصر عليها ويبقى عليها محتجاً بقدر الله جل وعلا عليه، أن الله جل وعلا لو لم يقدرها عليه لأقلع عنها ولم يصر عليها. نعم، فهو على حاله من تفريط وتقصير ووقوع في انتهاك محارم الله. نعم، نفسه تسول له أنه ما دام على هذا التفريط وهذه المعاصي وهذا التقصير، نعم، إنما هو دليل على أن هذا هو قدر الله الذي قدره عليه. ولو أن الله جل وعلا قدر عليه غير هذا وغير فعل المعاصي لأقلع عنها. لكن من الذي يفعل الطاعة ويستمر عليها؟ نعم، ويثبت عليها ويقول: أنا سأستمر على الطاعة، وواصل هذه الطاعة، وأستقيم عليها، ولو قدر الله جل وعلا علي المعصية فإنني سأقع فيها عن طريق زلة لسان أو عن طريق نظرة إلى حرام أو غير ذلك. للأسف أن غالب الناس، إلا من رحم الله، إنما يفعلون المعاصي ويصرون عليها ويبقون عليها ولا يتوبون ولا يقلعون عنها بحجة أن هذا قدر الله، أن هذا قدر الله جل وعلا عليهم، ولولا أنه قدر الله لما حصل منهم الإقلاع عن هذه المعاصي وعن هذه الذنوب. وكأنهم يريدون من يجرهم، من يجرهم ويمنعهم ويحول بينهم وبين فعل المعصية. نعم، هذا عندك أنت يا عبد الله، أنت الذي تمنع نفسك، أنت عندك إرادة تمنع بها نفسك عن الوقوع في المحرمات، نعم، وعندك القدرة التي تجعلك تفعل هذه المعاصي، وعندك اختيار. إذن عندك قدرة، وعندك اختيار، خلقهم الله جل وعلا فيك، خلق فيك قدرة، وخلق فيك اختياراً تختار به الخير من الشر، والهدى من الضلال، والطاعة من المعصية. نعم، فلا بد من أن تجاهد نفسك وأن تفعل الطاعة، وتترك المعصية، ولا تفعل هذه المعاصي والذنوب وتقول: هذا قدر الله. من الذي أعلمك بهذا؟ افعل الطاعات، استمر عليها، أقول: هذا قدر الله علي أن أفعل هذه الطاعات وأستمر عليها، وادع الله جل وعلا أن يثبتك عليها وأن يسر أمرها لك. نعم، فإذا حصل بعد ذلك التقصير والتفريط، فعليك بالاستغفار والتوبة، ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين﴾. هذا هو الصواب، وهذا هو الإنصاف مع النفس: أن تعود على الطاعة، وتدعو إلى الطاعة، تجاهد على الطاعة، وتستقيم على الطاعة. نعم، وتروض على ذلك، ويدعو العبد لنفسه بالثبات على ذلك والاستقامة. إذا حصلت الزلة، فالحمد لله، باب التوبة لم يغلق، باب التوبة مفتوح، سارع بالتوبة والإقلاع عن المعصية. نعم، حق التوبة النصوح، نعم، بشروطها وما يتعلق بأحكامها. قال رحمه الله تعالى: طيب. وذكر هنا ما حصل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث علي في الصحيحين: «ما من نفس منفوس إلا وقد كتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ يعني: إذا كان أمر هكذا، نعم، معلوم مقعده من الجنة ومن مقعده من النار، إذا نترك العمل. فإذا كنا من أهل الجنة فنحن من أهل الجنة، وإذا كنا من أهل النار فنحن من أهل النار. هذا قاله الصحابة رضي الله تعالى عنهم. نعم، انظروا الجواب على هذا. هذا يقع، هذا يقع عند كثير من الناس، ربما يقول: قد كتبنا أشقياء أو سعداء ونحن في بطون أمهاتنا، فإن كنا من السعداء فنحن من السعداء، عملنا أو لم نعمل، وإن كنا من الأشقياء فنحن من الأشقياء، عملنا أو لم نعمل. طيب، ما هو الجواب على هذا؟ الجواب الشرعي، الجواب الشرعي الذي هو بإخبار النبي عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى، ولا جواب صحيح إلا هذا. نعم، الجواب الشرعي لا الجواب العقلي. إذا فكر الإنسان بالعقل فلن يصل إلى الحق في هذا، لكن إذا أراد الصواب في هذا، إذا علم أنه قد كتب شقي أو سعيد، وأنه من أهل الجنة أو من أهل النار، فهل هذا يجعل العبد يترك العمل اتكالاً على المقدور السابق والقدر السابق الذي كتب؟ هل هذا يرضي الله عز وجل؟ إذا أنت تريد أن ترضي ربك جل وعلا، وأن تأتي بما يوافق شرع الله جل وعلا، فإذا أردت الحق والصواب، لا، فلابد أن تذعن، نعم، وتستسلم لهذا الجواب الشرعي الذي أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المسألة العظيمة. لما قاله الصحابة: يا رسول الله، أفلا نتكل، يعني على المقدور السابق وعلى القدر السابق الذي كتب، وندع العمل؟ ما قال: نعم، عليه الصلاة والسلام، محاشة، وإنما قال: «لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له». هذا أمر غيبي، نحن لا نعلم هل نحن كتبنا أشقياء أو كتبنا سعداء، لا نعلم ذلك، ولا يعلم ذلك أحد إلا الله جل وعلا، نعم، والملك الذي كتب بأمر الله جل وعلا: أشقي أم سعيد؟ فهذا أمر غيبي لا يعلمه الإنسان. نعم، لكن هو مطالب بأن يفعل الطاعة ويترك المعصية، ويأخذ بأسباب السعادة ويبتعد عن أسباب الشقاوة. هذا الذي هو مطالب به. فإذا لم يأخذ بأسباب السعادة في الدنيا، فإذا هو قد أخذ بأسباب الشقاوة. إذا لم يأخذ بأسباب السعادة من امتثال لأوامر الله وأوامر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وترك لنواهي الله ونواهي رسول الله عليه الصلاة والسلام التي نهى عنها، معنى ذلك أنه قد أخذ بأسباب الشقاوة. ترك الصلاة، ترك الأعمال الصالحة، إذن هو قد أخذ بأسباب الشقاوة. لكن صار يمتثل أمر الله جل وعلا، يأتي بالطاعات، ويمتثل الأوامر، ويترك المحرمات، معنى ذلك أنه قد أخذ بأسباب السعادة. يجاهد نفسه على الأخذ بأسباب السعادة، نعم، ويدعو الله عز وجل، نعم، أن يثبته على ذلك وأن يوفقه لذلك. هذا الواجب، وهذا حسن الظن بالله جل وعلا، نعم، أنه جل وعلا لا يخيب عبده، نعم، ولا يظلم عبده الذي صدق معه جل وعلا، وامتثل أمره، وابتعد عن نواهيه، واستقام لشرعه. نعم، حسن الظن بالله جل وعلا أن الله جل وعلا يهيئ له سبل الخير وطرق السعادة وتحصيل الجنة. نعم، أما أن يسيء الظن العبد بربه جل وعلا، يقول: ربما أنا أعمل أعمالاً وأفعل طاعات وأستقيم على شرع الله، وربما أنا الله قد كتبني من الأشقياء، فلا تنفعني تلك الأعمال وتلك الطاعات. هذا سوء ظن بالله جل وعلا، هذا سوء ظن بالله جل وعلا، نهيت عنه يا عبد الله، وأمرت بحسن الظن بالله جل وعلا. انظروا كيف بلغ حسن الظن بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر. ينقل عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه دعاء عظيماً، دعاء عظيماً يدل على عظيم حسن الظن بالله جل وعلا، حتى في هذا الأمر، وأنه كان يدعو، يقول رضي الله تعالى عنه: «اللهم إن كنت قد كتبتني في الأشقياء فامحني واكتبني من السعداء». إلى هذا الحد، هذا حسن الظن بالله جل، اللهم إن كنت قد كتبتني في الأشقياء. نعم، هو الآن يجاهد نفسه على فعل الطاعات والإتيان بالعبادات، نعم، والاستقامة على شرع الله عز وجل، ويدعو بهذا الدعاء العظيم: إن كنت قد كتبتني في الأشقياء فامحني واكتبني من السعداء. انظروا عظيم حسن الظن بالله جل وعلا. نعم، ومعنى هذا أن العبد لا ييأس من رحمة الله، ولا يسيء الظن بربه جل وعلا، ولا يفتح على نفسه باب الشيطان وباب الوساوس التي تجعله يفرط ويقصر في طاعة الله جل وعلا. نعم، لا تلتفت إلى هذا، أنت لا تلتفت إلى هذا الأمر الغيبي: هل أنت من الأشقياء أم أنت من السعداء؟ ولكن انظر ما الذي وجب عليك. نعم، هذا الأمر ليس لك، أنت شقي أو سعيد، هذا الأمر ليس لك. الأمر الذي وجب عليك أن تفعل الطاعات وأن تترك المحرمات، هذا انظره، وجاهد نفسك عليه، وادع الله جل وعلا يثبتك عليه. نعم، والله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملاً. أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، آلاف، نعم، حققوا الإسلام، حققوا التوحيد، أتوا بالطاعات والعبادات، وكلهم من السعداء بإذن الله جل وعلا، وكلهم ممن أثنى عليهم ورضي عنهم، وهكذا تابعون لهم بإحسان. نعم، هذا شيء واضح بيّن، أن الإنسان إذا جاهد نفسه وأخذ بأسباب السعادة، نعم، وصدقاً مع الله جل وعلا، فإنه يختم له بالخاتمة الحسنة. لكن إذا صدق، أما إذا وجد، والعياذ بالله، شيء من عدم الصدق، نعم، شيء من الكذب مع الله جل وعلا في الاستقامة، في الإتيان بالطاعات، فأمثال هؤلاء هم الذين يسبق عليهم الكتاب، فيعملون بعمل أهل النار فيدخلونها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع» يعني الجنة، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. بماذا؟ لأنه إنما كان يعمل العمل لله فيما يبدو للناس، فيما يبدو للناس أنه لله، ولكن حقيقة الأمر ليس كذلك، كان يعمل هذه الأعمال إما رياء، وإما لقصد سيء. نعم، فلم يجاهد نفسه على ترك هذا المرض من رياء، أو فعل أعمال لأجل شرف أو دنيا. نعم، ففتحت له أبواب التوبة، وأمهل في هذه الدنيا، ولكنه بقي على ما هو عليه. نعم، هذا صنف قليل من الناس، نعم، إلا فالغالب، بحمد الله، من ظاهره الطاعة بين الناس، نعم، الصلاح والتقوى، يُسمع عنهم، بحمد الله، يموتون على خير. نعم، الذي ينحرف، ربما يكون في أول أمره على طاعات، وعلى تقوى، وعلى كذا، إلى آخر أمر، ربما ينحرف. نعم، هذا الملاحظ، قليل، هذا المشاهد في واقع الناس، قليل. لكن غالب الناس الذين هم على طاعة، وعلى استقامة، وعلى محافظة، الحمد لله، يختم لهم على الإسلام، وعلى ما هم عليه من استمرار لأداء الصلوات، وأداء الواجبات، والصيام، وأداء الزكوات. لا، خير ذلك. لكن من الناس من، يعني، يخص بالذكر، يقال: سبحان الله، فلان الذي كان طائعاً، الذي كان مستقيماً، نعم، مات على سوء خاتمة. نعم، فلماذا؟ أسبابه، الشخص نفسه، كما سمعتم، يكون هناك، يعني، من الأمور التي أصر عليها، ولم يجاهد نفسه على تركها، فختم له بتلك الخاتمة السيئة، والعياذ بالله. نعم، فلذلك العبد عليه أن ينظر ما أوجب الله عليه، ولا يفتح على نفسه باب الشيطان، باب الوساوس: هل أنت من الأشقياء أو من السعداء؟ قل: أنا من السعداء، إن شاء الله، بإذن الله، أنا من السعداء. لكن ما ينفع الكلام فقط، ما ينفع الكلام فقط، عليك بالعمل، وعليك بالعمل. هذا حسن الظن بالله جل وعلا أن كتبك من السعداء، نعم، لكن لابد من العمل، لابد من العمل. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس. نعم، فلابد أن تجاهد نفسك على فعل الطاعات، ترك المحرمات، تحسن الظن بالله جل وعلا، وأنك من السعداء الذين كتبهم الله جل وعلا، تدعو الله جل وعلا أن يختم لك بالخاتمة الحسنة السعيدة، والله جل وعلا لا يضيع أجر العاملين، سبحانه وتعالى، فهو أعدل العادلين جل وعلا، ورحمته سبقت غضبه جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لو كنت تريد السفر لمكة، وكان لها طريقان، أخبرك الصادق أن أحدهما مخوف صعب، والثاني آمن سهل، فإنك ستسلك الثاني، ولا يمكن أن تسلك الأول وتقول: إنه مقدر علي. ولو فعلت لعدك الناس في قسم المجانين. هذا أيضاً أمر يبين هذه المسألة، مما يدل على أن الإنسان هو الذي يختار، هو الذي يختار لنفسه ما يكون سبباً لنجاته ولسعادته ولفلاحه. إذا أردت السفر لمكة، أخبرك الصادق الذي هو يعرف الطرق، أن طريقين لمكة: طريق مخوف، يعني فيه قطاع طرق، نعم، والطريق ليس بالطريق السهل، فيه يعني عقاب، مخوفة، فيه حفر، ربما ما ينتبه لها فيقع الإنسان فيها، فيها من الوحوش التي ربما تخرج بعض الساعات وتهجم على الناس. وطريق آخر معبد، واسع، سهل، نعم، فيه المطاعم في الطرق، والمشارب، والاستراحات التي يستريح فيها المسافر. وهذه الطريق ما فيها شيء، لا دكان، ولا مطعم، ولا مشرب، ولا... نعم. تختار أي الطريقين؟ تختار هذه الطريق، ولا هذه الطريق؟ إذا قلت: أنا أختار هذه الطريق، وهذا مقدر علي، نعم، قالوا عليك: الناس مجنون، وعدوك من قسم المجانين. والإنسان مجنون، طريق عنده سهلة، ميسرة، واسعة، وآمنة، ويذهب الطريق هذه، وقلنا: لماذا طرقت هذه الطريق وذهبت؟ قال: مقدر علي أذهب إلى هذه الطريق. ومن قال لك أنه، أنه مقدر عليك تذهب هذا الطريق؟ لا شك كل واحد يختار، يختار هذه الطريق. لو قلنا لأصحاب الشر الآن: سنتحرك إلى مكة، سنسافر إلى مكة، نعم، ومكة لها طريقان: طريق مخوف، وفيه، وفيه، وفيه، نعم، وطريق كذا وكذا. سجلوا: من أراد أن يذهب، يسجل الذي يريد أن يمر في هذا الطريق، يسجل، والذي يمر في هذا الطريق، هذا الباص سيذهب بعد الطريق، وهذا الباص، ما الذي سيجلس في ذلك الباص؟ ما حد سيجلس في هذا الباص، نعم. لماذا؟ كيف يذهب فيه هذه الطريق المخوف؟ لا، نعم، سيسجلون في الباص الذي سيذهب بهذه الطريق الآمن المريح. هذا شيء واضح، أحد سيجبرك على أن تمر على هذه الطريق، أبداً. ولو كل أهل البلاد الآن عزموا على هذا، سيذهبون ويختارون هذه الطريق، الطريقة الآمن. نعم، هذا شيء واضح، محسوس. طيب، الآن عندك طريق الخير، وعندك طريق الشر. نعم، عندك المساجد مفتوحة، تقام فيها الصلوات، نعم، وأماكن الشر، نسأل الله العافية، موجود، مفتوح. نعم، فأنت تعرف ما هو سبب النجاة لنفسك. إذا أخذت طريق السعادة، طريق الخير، وطريق الشر، نعم، لا شك أنك ستختار طريق الخير، إذا أنصفت مع نفسك، وأردت النجاة حقاً لنفسك، نعم، والسعادة لنفسك، فإنك ستفعل الطاعات. إذا فعلاً لا تريد نفسك النار، ولتدخل أن تحترق في نار جهنم، والعياذ بالله، نعم، فإنك ستتقي المعاصي، وستترك المحرمات، وستفعل الطاعات، وتحافظ على الصلوات، نعم، وتجاهد نفسك على أداء الواجبات، ترك المحرمات. هذا هو الإنصاف، هذا هو الإنصاف. من أراد النجاة لنفسه فعل هذا. هل هناك أحد سيمنعه، سيدفعه إذا أراد أن يصلي؟ أبداً. إذا أراد أن يفعل طاعة؟ أبداً. إذن هو عنده الاختيار. نعم، ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾. أنت باختيارك يا عبد الله. نعم، فلا تفعل المعاصي، تقول: قدرها الله علي. نعم، ولا تذهب في الطريق المخوف والصعب الذي فيه تهلك، وتقول: قدر الله علي، وتهلك. تذهب إلى هذه الطريق، وقد علمت أن هذه الطريق غير آمنة، وفيها مخاوف، فيها سباع، ووحوش، وقطاع طرق. تقول: إن قدر الله علي سيقع بي، وإذا لم يقدر، لم يقدر الله علي شيئاً، ما سيقع. سبحان الله، كيف تلقي بنفسك إلى التهلكة؟ ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. نعم، تجلس عند حائط آيل للسقوط، وأنت قد رأيت الجدار قد مال، نعم، وأراد أن يسقط، تجلس عنده، تقول: إن شيء مقدر سيسقط عليه وأموت. وإلا، هذا يقولون عليك: مجنون. كل من مر وراءك، جالس، يقول: ما لك يا فلان؟ ما تشوف؟ أنت من تعاقل، نعم، أنت مجنون، تجلس في هذا المكان، ما تشوف الجدار سيسقط عليك؟ جلس له: والله مقدر. قال له: هذي يسقط بقدر الله. فإن سيضحك عليك، وأنت مجنون. هذا شيء واضح. نعم، فهكذا الإنسان هو الذي يختار، الذي يختار، إما طريق الخير، وإما طريق الشر. قال رحمه الله تعالى: ونقول له أيضاً، أي للعاصي المحتج بالقدر: لو عرض عليك وظيفتان، إحداهما ذات مرتب أكثر، فإنك سوف تعمل فيها دون الناقصة. فكيف تختار لنفسك في عمل الآخرة ما هو الأدنى، ثم تحتج بالقدر؟ هذا مثل آخر ذكره الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى، الذي فيه بيان أن الإنسان يختار ما يكون الأصلح لنفسه، نعم، والأنفع لنفسه. قال: لك عندنا وظيفتان، وظيفة بخمسين ألف، نعم، ووظيفة بعشرة آلاف. تختار أي الوظيفة؟ والعمل ما فيه، العمل متقارب، سواء، ما فيه تقول: بخمسين ألف يمكن عمل شاق. لا، أبداً، نعم، ما فيه، ما فيه فرق. من هذا يقول: أنا أريد الوظيفة بعشرة آلاف؟ نعم، لا يختار الوظيفة التي هي بأكثر. نعم، وهكذا أنت الآن، إذا فعلت الحسنة، بعشر أمثالها، نعم، إلى سبع مائة ضعف، والسيئة جزاؤها سيئة مثلها. لماذا لا ترصد في ميزان حسناتك، ماذا؟ الطاعات والأجور العظيمة، نعم، وتترك السيئات، وتأخذ بأسباب السعادة، وتبتعد عن أسباب الشقاوة؟ فكما أنك اخترت لنفسك الأصلح في ما يتعلق بدنياك، من اختيار الطريق الآمن، ومن اختيار الوظيفة التي ترد عليك بمال، نعم، أكثر، نعم، وإذا خيرت بين امرأتين، تتزوج امرأتين، إحدى المرأتين ليست بجميلة، والأخرى جميلة، جميلة، وذات دين، وذات حسب، وذات نسب، وأخرى ليست ذات دين، وليست ذات جمال، وليست ذات حسب. تختار ماذا؟ تختار ذات الجمال، ذات الدين، والحسب، والنسب، والجمال. نعم، أنت أن اخترت لنفسك الأنفع والأصلح، نعم، فلماذا في أمر دينك لا تختار الأصلح والأنفع لنفسك؟ لماذا لا تفعل الطاعات؟ لماذا لا تترك المحرمات؟ تريد جنة عرضها السماوات والأرض، نعم، أين المهرة؟ تريد ذلك، افعل. تريد أن تخطب، تجلس بيتك، ولا تذهب، تتحرك؟ تريد الوظيفة، تحصل عليها، التي هي بأكثر من الأخرى، تتحرك، وتذهب، وتخرج، وتدخل، وتوسط. طيب، لماذا تفعل هذا في أمر الدنيا، وأمر الدين؟ نسأل الله العافية والسلامة. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر.