الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد هذا المحور أن جميع الرسل بشر مخلوقون يأكلون وينامون ولا يملكون من خصائص الربوبية شيئاً كعلم الغيب أو خزائن الله. ويستدل بآيات قرآنية صريحة أمر الله فيها نبيه محمداً ونوحاً عليهما السلام بالتصريح ببشريتهما وعجزهما عن ملك الأمر.
يوضح المقطع أن الأنبياء جميعاً بشر لا يملكون خزائن الله ولا يعلمون الغيب ولا يملكون نفعاً ولا ضراً لأنفسهم ولا لغيرهم. ويبين أن مقام العبودية هو أرفع مقاماتهم مستدلاً بآيات وأحاديث تنفي عنهم صفات الألوهية.
يسلط الضوء على أن الله مدح نبيه بأعلى مقامات التشريف وهو مقام العبودية محذراً من الغلو فيه بنسب خصائص الربوبية إليه. ويبين أن هذا الغلو تنقص لشخصه ورفعه فوق منزلته البشرية التي أكرمه الله بها.
يختتم المتحدث الدرس بالدعاء بالعافية والسلامة مشيراً إلى مواصلة الدروس في لقاء قادم. ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم داعياً المشاهدين للاشتراك في القناة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بأن جميع الرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء». قال الله تعالى عن نوح وهو أولهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾. وأمر الله تعالى محمدًا وهو آخرهم أن يقول: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وأن يقول: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وأن يقول: ﴿إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الفصل ما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل: أن الأنبياء والرسل بشر مخلوقون، هم بشر ولهم صفات البشرية، ومخلوقون من خلق الله عز وجل. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم، آمر النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام بشر مثلنا، لكنه يوحى إليه، هذا الفرق بين الأنبياء والآخرين من البشر. فالأنبياء يوحى إليهم، هذا هو الفرق، وإلا فهم بشر يأكلون كما يأكل البشر، وينامون، ويجوعون، ويعطشون، وتصيبهم الأمراض والأسقام والأوجاع. وابتلِي أيوب بمرض عظيم، وهكذا الأنبياء يبتلون في الغزوات. نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في أحد: كسرت رباعيته وشُجَّ رأسه، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام أفضل الرسل. فهذا فيه بيان أن الأنبياء والرسل يصيبهم ما يصيب البشر، بأنهم بشر، تصيبهم الأمراض والأوجاع. والنبي عليه الصلاة والسلام اشتكى من أمراض، حتى في آخر لحظات حياته أصابته حمى إصابة شديدة، حتى كان يوعك كما يوعك الرجلان، كما قال له عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه لما دخل عليه: «يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا». قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم». فقال ابن مسعود: «لك أجران يا رسول الله». قال: «نعم، أجر على قدر المشقة». فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الرسل يصيبه ما يصيب البشر لأنه بشر. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. في هذا رد واضح على من ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه ينفع الناس، أو بيده شيء من أمر النفع والضر، أو غير ذلك. لا، هذه الأمور إنما هي لله، فهو جل وعلا يملك النفع ويملك الضر، ودفع الضر. النبي عليه الصلاة والسلام بشر لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عن غيره. لو كان يملك لنفسه نفعًا لنفع نفسه، فأبعد الأذى عن نفسه، وذلك الشج الذي وقع في رأسه ما استطاع أن يرد ذلك الشج، وكسر رباعيته عليه الصلاة والسلام، ذلك لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا عليه الصلاة والسلام. وإن كان أفضل الرسل، وإن كان أفضل الرسل عليه الصلاة والسلام، لكن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. لماذا؟ لأن ملك النفع والضر إنما ذلك من خصائص الربوبية، وهذا ليس لأحد إلا لرب الخلق وهو الله سبحانه وتعالى. فالأنبياء والرسل بشر مخلوقون. قال المصنف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بأن جميع الرسل بشر مخلوقون، ليس لهم من خصائص الربوبية شيء». ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا على أقوام، دعا على أقوام: رعل، وذكوان، وعصية، قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. فنبينا عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء. هذا كلام رب العالمين جل وعلا، خاطب به نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، ليس من عندنا. ربنا عز وجل هو الذي يقول لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. و«شيء» نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم. وأعظم من هذا أن هذه الصيغة هي صيغة التنصيص في العموم الذي لا يمكن إخراج شيء منه أبدًا. العموم على أنواع: عموم ظاهر يحتمل التخصيص والاستثناء، وعموم النصي، هذا الذي لا يحتمل التخصيص، وهذا منه. وهو أن تسبق النكرة حرف جر: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. فهنا «من» حرف جر سبقت النكرة. فإذا سبقت النكرة، سبق النكرة حرف جر، دل هذا على التنصيص في العموم، والمراد أن هذا العموم باق على عمومه، لا يدخله التخصيص، ولا يحتمل التخصيص. بخلاف بعض النصوص الأخرى، أو بعض الألفاظ الأخرى التي هي من ألفاظ العموم لكن تحتمل التخصيص: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. هذا العموم لكن يحتمل التخصيص، ولذلك ليس المراد هنا العموم المطلق، وإنما تدمر كل شيء أتت عليه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا تُرَى مِن دِيَارِهِمْ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. لكن هنا ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، معناه أنه لا يحتمل التخصيص. معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء أبدًا، لا يمكن أن يقال: يدخل هذا استثناء أو تخصيص أبدًا، لا تقديرًا ولا احتمالًا أبدًا. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء، فهكذا الأنبياء: ليس لهم من الأمر شيء. لماذا؟ بأن الذي له الأمر هو رب العالمين جل وعلا الخالق، أما الخلق فليس لهم من الأمر شيء. الأمر كله لله جل وعلا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. هذا فيه كذلك عموم: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فعموم الخلق لله، وهكذا عموم الأمر، ومطلق الأمر لله سبحانه وتعالى. هذه الآية فيها أقوى صيغ الحصر: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، بتقديم ما حقه التأخير، كما هو معلوم في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فالخلق هو لله جل وعلا وحده لا شريك له، وهكذا الأمر ليس لأحد إلا للخالق جل وعلا. فالرسل والأنبياء هم بشر مخلوقون، ليس لهم من الأمر شيء، لأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى، لا يشاركه أحد في ذلك. وكما أمر الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل أن يعلنوا ذلك للناس، أمر الله جل وعلا الأنبياء أن يعلنوا للناس هذا: أنهم بشر، وأنهم مخلوقون، وأنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، نعم، وليس لهم من الأمر شيء. ولذلك ذكر المصنف رحمه الله تعالى بعض هذه النصوص الواردة في هذا. قال: قال الله تعالى عن نوح وهو أولهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾. فليس عنده خزائن الله، ولا يعلم الغيب، وليس هو ملك، إنما هو بشر أكرمه الله جل وعلا بالرسالة. وهكذا أمر الله سبحانه وتعالى نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، هو آخر الأنبياء والرسل، بنفس ما أمر به الأنبياء السابقين. الأنبياء والرسل جميعًا أمروا بأن يعلنوا للناس أنهم بشر، لا يملكون خزائن الله، ولا يعلمون الغيب، وليسوا ملائكة، نعم، وليس لهم الملك كذلك، إنما هو لله جل وعلا. أمر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن يقول مثل هذا: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾. هكذا أخبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام الناس، وأعلن ذلك: أنه ليس عنده خزائن الله، وليس هو يعلم الغيب، وليس هو ملك. لا يعلم الغيب إلا الله: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. فلا يعلم الغيب أحد، لا الأنبياء، ولا الرسل، ولا الجن من باب أولى، لأن علم الغيب من خصائص رب العالمين جل وعلا، ومن خصائص ربوبيته سبحانه وتعالى. وأن يقول كذلك: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. النبي عليه الصلاة والسلام يعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله. والناس يأتون إليه ويقولون: «يا رسول الله، المدد، المدد»، «يا رسول الله كذا وكذا»، يطلبون منه الحاجات. هو أعلن للناس أنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. إذا كان الشخص لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، كيف يأتي آخر يقول له: «انفعني»، أو «ادفع الضر عني»؟ فما يستطيع أن يدفع الضر عن نفسه، ولا ينفع نفسه، فكيف ينفع غيره؟ لو كان يستطيع أن ينفع، لنفع نفسه، ولا دفع الضر عن نفسه. يعلن النبي عليه الصلاة والسلام هذا صريحًا: أنه ليس عنده خزائن الله، ولا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. ويأبى كثير من الناس إلا أن يطلب منه عليه الصلاة والسلام النفع ودفع الضر. هذه عاقر تطلب ذهاب العقم عنها، وهذا في شدة وفي كرب يدعو النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أكرم الخلق، ما لي من ألوذ به سواك، عند حلول الحادث العمم، إن لم تكن آخرًا يوم المعاد، يدي فضلًا، وإلا فقل يا زلة القدم، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». ماذا بقي لله؟ ماذا بقي لله إذن؟ كل شيء صار النبي عليه الصلاة والسلام: علم اللوح والقلم، ويجفع الضر، ويعطي النفع. فإذن صار مثل رب العالمين جل وعلا، وشارك رب العالمين جل وعلا في علم الغيب، وشارك رب العالمين جل وعلا في جلب النفع ودفع الضر. وهذا ضلال واضح بين لكل صاحب فطرة سليمة. أما من لطمت فطرهم، واجتالتهم الشياطين، فهم يكابرون، ويحاولون يؤولون ويحرفون. وإلا فالباطل باطل، واضح ظاهر: أنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، وأن الذي يكشف عن الناس الشدائد والأوجاع والأسقام، ويعطي النفع، هو الله سبحانه وتعالى، لا يشاركه في ذلك أحد. لأن مشاركة الرب جل وعلا في هذا هو مشاركة فيما هو من خصائص ربوبيته جل وعلا. فمن يملك من ذلك شيئًا صار شريكًا مع الله عز وجل. من ملك شيئًا من هذه الأمور صار شريكًا مع الله سبحانه وتعالى في ربوبيته. ما صار الله جل وعلا وحده الذي يعلم الغيب، بل هناك أيضًا غيره يعلم الغيب في زعم هؤلاء. فهذا باطل ظاهر البطلان. وكذلك أمره جل وعلا، أي أمر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، أن يقول: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. كلام واضح بين ظاهر، وإعلان صريح أنه عليه الصلاة والسلام لا يملك لأحد شيئًا من هذه الأمور. الأمور كلها لله جل وعلا. هو عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ليدفع عنه الضر، ويجلب له النفع، عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: «ونؤمن بأنهم عبيد من عباد الله، أكرمهم الله تعالى بالرسالة، ووصفهم بالعبودية في أعلى مقاماتهم، وفي سياق الثناء عليهم». فقال في أولهم نوح: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. وقال في آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وقال في رسل آخرين: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۖ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. وقال في عيسى بن مريم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. هذا الذي أكرم الله سبحانه وتعالى به أنبياءه ورسله: هم بشر مخلوقون، لكن أكرمهم ربنا عز وجل واصطفاهم بالرسالة. ومقام العبودية، وأن يكون الأنبياء والرسل عبادًا لله جل وعلا، هذا هو أعظم مقام لهم. أعظم مقام لهم هو مقام العبودية، أن يكونوا عبادًا لله جل وعلا. ولذلك كان في شهادة: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله». النبي عليه الصلاة والسلام كان يكرر هذا ويؤكد هذا: «إنما أنا عبد الله ورسوله». لما جاء إليه قوم وقالوا: «يا رسول الله، أنت خيرنا وابن خيرنا، وأنت سيدنا»، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، لا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد الله ورسوله». جاء في بعض الألفاظ: «فما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي». هذه منزلته وهذا مقامه عليه الصلاة والسلام: عبد لله جل وعلا ورسول. ورحم الله الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، قال: «عبد فلا يعبد، رسول فلا يكذب». فهو عبد عليه الصلاة والسلام لله عز وجل لكي لا يعبد. إذا علم أنه عبد لله عز وجل فلا يعبد. رسول فلا يكذب. فإذن نبينا عليه الصلاة والسلام هو عبد الله ورسوله. وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: حديث عمر: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، إنما أنا عبد الله ورسوله». فمقام العبودية مقام عظيم. ولذلك ربنا عز وجل أثنى على أنبيائه ورسله بهذا المقام العظيم، في أعظم المقامات: في مقام تنزيل الوحي عليهم، وفي مقام الدعوة إليه جل وعلا. قال جل وعلا عن نوح عليه الصلاة والسلام، وهو أول رسول أرسله إلى أهل الأرض: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. هذا مقام سناء عظيم على نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام، وثناء عظيم. ومن جملة هذا الثناء وصف ربنا جل وعلا له بالعبودية: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. وهذا قال ربنا عز وجل في إنزال القرآن على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾. قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهكذا في مقام الإسراء والمعراج، هذا المقام العظيم، قال ربنا عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وفي مقام الدعوة قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. هذا في مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. يصف ربنا عز وجل نبيه بهذا المقام، وهو مقام العبودية. كان نبيه عليه الصلاة والسلام يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، كما في الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها، حتى تتفطر قدماه. فيقال له: «يا رسول الله، غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فلِمَ تفعل ذلك؟» قال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». أفلا أكون عبدًا شكورًا. يفتخر نبي عليه الصلاة والسلام بهذا المقام العظيم، لأنه المقام الذي يناسب البشر: أن يكون عبادًا لله سبحانه وتعالى. فإذا رفعوا فوق منزلتهم، ما صار لهم الشرف، ما صار لهم الشرف. ولذلك الذين ينسبون إليهم شيئًا من خصائص الربوبية ينتقصون الأنبياء والرسل. الذي يغلو في النبي عليه الصلاة والسلام، هل يظن نفسه أنه معظم للنبي عليه الصلاة والسلام؟ لا، والذي فطر السماوات والأرض، بل هو من أعظم المنتقصين للنبي عليه الصلاة والسلام. من نسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعلم الغيب، فليعلم أنه قد تنقص نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، لأنه بشر، والذي يليق به خصائص البشرية. فمن أعطاه شيئًا من خصائص الربوبية فقد تنقصه، شاء أم أبى. ويظن أنه ماذا؟ أنه قد أثنى على النبي عليه الصلاة والسلام، أو أنه قد عظمه؟ لا والله، وإنما تنقصه. فكل من يغلو في النبي عليه الصلاة والسلام في أشعاره أو في أقواله، فليعلم أنه قد تنقص النبي عليه الصلاة والسلام، ورفعه فوق منزلته التي جعله الله سبحانه وتعالى عليها، وأثنى عليه ربنا سبحانه وتعالى عليه بهذا المقام، وهو مقام العبودية. فالذي يأتي ويرفع النبي عليه الصلاة والسلام فوق منزلته، أو يجعل له شيئًا إنما هو من خصائص الرب جل وعلا، فهذا تنقص للنبي عليه الصلاة والسلام، وأساء إليه إساءة عظيمة، إساءة عظيمة. بعض الناس يظن أن التنقص في حق النبي عليه الصلاة والسلام: إذا تنقصه أحد بما فيه حط من مرتبته التي جعله ربنا عز وجل عليها، نعم هذا من ذلك. من تنقص النبي عليه الصلاة والسلام وحط من منزلته، فهذا إساءة، وهذا كفر بالله سبحانه وتعالى. وهذا الذي يرفع النبي عليه الصلاة والسلام فوق منزلته، فيجعل له شيئًا من خصائص الرب سبحانه وتعالى، هذا كذلك، هذا كذلك تنقص للنبي عليه الصلاة والسلام، تنقصًا عظيمًا. تنقصًا عظيمًا. ربما يكون تنقصه هذا أعظم من تنقص الذي حط من مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام. الذي غلا في النبي عليه الصلاة والسلام وجعله شريكًا لله سبحانه وتعالى، ربما يكون تنقصه أعظم من الذي تنقص النبي عليه الصلاة والسلام وحط من مرتبته. لأن ذلك ما جعله شريكًا مع الله، هو فرط تفريطًا عظيمًا، لكن في هذا التفريط أنه ما جعل النبي عليه الصلاة شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. لكن من غلا في النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا جعله شريكًا مع الله سبحانه وتعالى. فهذا تنقص عظيم، يقع فيه كثير من من يدعي محبة النبي عليه الصلاة والسلام وتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام. وفي الواقع الأمر أنه من أعظم المسيئين إلى النبي عليه الصلاة والسلام. يسمع بعض الناس تنقص بعض الكفار من النبي عليه الصلاة والسلام، قاموا الدنيا، وهذا شيء طيب أن يغار على النبي عليه الصلاة والسلام، لا يُنقص. فمثلا ما يحصل من أهل الدنمارك في تنقص النبي عليه الصلاة والسلام، أو حصل من غيرهم من الأمريكيين، أو من الفرنسيين الكفار، أو غيرهم. الناس يقومون، تهتز الأمور، وكذا، وكلنا فداك يا رسول الله، وتكتب الأوراق وتعلق، والإعلام والصحف والمجلات: «نحن في ذاك يا رسول الله». لكن من الذي يهتز حين يسمع من هؤلاء الذين يتنقصون النبي عليه الصلاة والسلام وهم من أهل الإسلام أنفسهم؟ من أهل الإسلام، وهم يتنقصون النبي عليه الصلاة والسلام، ربما أعظم، أعظم من تنقص أهل الدنمارك، وأعظم من تنقص أمريكا وفرنسا وغيرهم، وهم من أهل الإسلام. لكن يظنون أنفسهم لا يتنقصون النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يقعون في أعظم التنقص، حين يرفعون النبي عليه الصلاة والسلام إلى مرتبة رب العالمين جل وعلا، وينسبون له شيئًا من خصائص الله سبحانه وتعالى: من علم الغيب، أو المشاركة في تدبير الأمور، أو إلى غير ذلك. هذا أيضًا من التنقص. ولكن لجهل الناس، لجهل الناس. وصدق من قال: «يصيبون الشعرة ويخطئون البعرة». هذا مثل: يصيبون الشعرة ويخطئون البعرة. يعني يقعون في أشياء دقيقة، وهم في نفس الوقت يعني يتجاوزون أمورًا عظيمة. يقعون في أمور عظيمة، ثم بعد ذلك يعني يعظمون أشياء، وهم أنفسهم تجاوزوا بعض الأمور العظيمة. ورضي الله تعالى عن عبد الله بن عمر لما جاء إليه هؤلاء الشراة الرافضة، ويسألون عن حكم قتل البعوضة في الحرم: «ما حكم قتل البعوضة في الحرم؟» يسألون الإنسان إذا قتل بعوضة في الحرم، حرم المكي، هل يسألون عن حكم البعوضة، وهم قتلوا الحسين رضي الله تعالى عنه وسفكوا دم الحسين؟ فأجابهم بمثل هذا رضي الله تعالى عنه: «أنتم قتلتم الحسين وسفكتم الدماء، وتسألون عن حكم قتل البعوضة في الحرم؟». وكذلك الناس اليوم، مثلا، يعني يقيمون إذا سمعوا التنقص من الكفار، في بعض الأوقات، ربما هم في اليوم والليلة يتنقصون النبي عليه الصلاة والسلام عشرات المرات. والله الذي لا إله غيره، ربما يتنقص النبي عليه الصلاة والسلام عشرات المرات، شعروا أو لم يشعروا، بمثل ما يقعون فيه من هذه الأمور، والعياذ بالله. ولكن الجهل، والعياذ بالله، الجهل بالدين. وإلا لو تأملوا في أقوالهم وما يقولون في أحوالهم، لوجدوا أنهم يتنقصوا النبي عليه الصلاة والسلام. يعني ما هم مرة في السنة، وإنما ربما مئات المرات. فنسأل الله العافية والسلامة. مواطب إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.