الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر الدرس أن لله يدين حقيقيتين تليقان بجلاله مستدلاً بآيات كقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وأحاديث بسط اليد للتوبة وأخذ الصدقة. ويرد على من أول اليدين بالقدرة أو النعمة مبيناً فساد ذلك لغوياً وشرعياً معتمداً على إجماع أهل السنة وإقرار الحافظ ابن حجر.
يستعرض الدرس أدلة أهل السنة على ثبوت عينين حقيقيتين لله من القرآن والسنة موضحاً جواز إطلاق الجمع على المثنى في لغة العرب. ويفرق بين منهج أهل السنة في حمل الآيات على ظاهرها اللائق بالله ومنهج المعطلة الذين يؤولون العين بالمراقبة ونفي الصفة الحقيقية مستدلين بحديث الدجال الأعور.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء إلى الله بالنفع بما تم سماعه والحمد لله رب العالمين. كما يقدم الشكر للحضور على متابعتهم للدرس.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فقد ذكرنا في درس الماضي قول المؤلف رحمه الله تعالى: ومن الإيمان بالله جل وعلا أن نؤمن بأن لله تعالى يدين كريمتين عظيمتين. ذكرنا شيئًا فيما يتعلق بصفة اليدين الثابتة لله جل وعلا على ما يليق بالله جل وعلا، وهي من الصفات الذاتية الخبرية؛ الذاتية: اتصاف الله جل وعلا بها ذاتًا، وللزومها لذاته جل وعلا خبرية؛ لأنه لا علم لنا بها إلا عن طريق الخبر، عن طريق الخبر. ويقول أهل العلم: الصفات الخبرية التي لا تعلم إلا عن طريق الخبر، ولا مجال للعقل في إثباتها وإدراكها، هي التي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، التي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، أي: من كاليدين، كالوجه، كالعينين. نعم، ولا يقولون ذلك في الله جل وعلا، لا يجوز أن يقولوا: هي أجزاء وأبعاض. نعم، فيتحاشون ذلك في حق الله جل وعلا، ولكن للفهم والتقريب يقولون: هي التي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، أي: من. وما يتعلق بالكلام على صفة اليدين لله سبحانه وتعالى: أن أهل التعطيل لم يثبتوا صفة اليدين لله جل وعلا كما أثبتها أهل السنة، وإنما فسروها؛ منهم من فسرها بالنعمة، ومنهم من فسرها بالقدرة. كل ذلك باطل، تحريف لمعنى صفة اليدين في لغة العرب، فيفسرون الصفات بشيء لازم أو مقتضى لها، ولا يثبتون الصفة الحقيقية لله جل وعلا. فتفسير أهل التعطيل لليدين بالقدرة أو النعمة ترده النصوص وتأباه. فقول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، تفسرنا اليدين بالنعمة أو بالقدرة، كيف يكون الكلام: بل نعمتاه مبسوطتان، أو بل قدرتاه مبسوطتان؟ فهل لله جل وعلا نعمتان فقط؟ نعم الله جل وعلا لا تعد ولا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَغَلُودٌ كَفُورٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وهكذا إذا فسروها كذلك بالقدرة: بل قدرتاه مبسوطتان، وهل لله جل وعلا قدرتان؟ كل هذا باطل. وما هي المزية والخصيصة التي تكون لآدم عليه الصلاة والسلام في قوله جل وعلا لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]؟ إذا كان المعنى بيدي: يعني بقدرتي أو بنعمتي، لقال إبليس: وأنا يا رب خلقتني بقدرتك، نعم، خلقتني بنعمتك، فأي مزية لآدم؟ ودل هذا على أن المراد بيديه جل وعلا يدان حقيقيتان تليقان به جل وعلا، ليس كمثله شيء، وله يدان على قاعدة: ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهكذا أي مزية تكون لموسى عليه الصلاة والسلام كما في حديث احتجاج آدم وموسى الصحيح: قال آدم لموسى، قال موسى لآدم: يا آدم، أو قال موسى ل... قال آدم لموسى: يا موسى، أنت رسول الله، كلمك الله، اصطفاك الله بكلامه، خط لك التوراة بيده، خط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قد قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عامًا؟ فإذا كان المعنى: خط لك التوراة بقدرته أو بنعمته، فأي مزية تكون لموسى عليه الصلاة والسلام؟ فدل هذا على أن المراد باليدين الثابتة لله جل وعلا في الكتاب والسنة يدان حقيقتان تليق بالله جل وعلا. وهذه النصوص في سنة النبي عليه الصلاة والسلام: «يد الله ملأ، يد الله ملأ»، وجاء في بعض الألفاظ: «يمين الله»، في بعض الألفاظ: «خزائن الله»، وفيها إثبات اليدين لله جل وعلا، إثبات اليد لله جل وعلا، وليس معنى اليد: الخزائن. نعم، كما هو حال من فسر اليد بالخزائن. نعم، أو باليمين، ولم يثبت صفة اليد. حتى الحافظ بن حجر رحمة الله تعالى عليه، وهو من زلت به القدم في باب الصفات، أثبت صفة اليد لله عز وجل، ورد على من فسرها بالخزائن، كما في الفتح. قالوا: هذا بعيد، قول من فسر اليد بالخزائن. قالوا: إنما أضاف الله جل وعلا وأثبت الخزائن، قال: «خزائن الله ملأ»؛ لأنه جل وعلا هو الذي يتصرف فيها. فرد على من أول في هذه الصفة، في هذا رد على أهل التأويل من الحافظ بن حجر رحمة الله تعالى عليه، مع أنهم من وقع في التأويل. نعم، ولكن لكل جواد كبوة كما يقال. فشاهد من هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام أثبت صفة اليدين لله جل وعلا. قال عليه الصلاة والسلام أيضًا كما في حديث أبي موسى الصحيح: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها». فهذا الحديث فيه وصف النبي عليه الصلاة والسلام لله جل وعلا بصفة اليد. وكذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «وبيده الأخرى القبض، وبيده الأخرى القبض»، قال: «بيده الأخرى»، مما يدل على أن لله جل وعلا يدين. وهكذا الأحاديث الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيها أيضًا ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: أن الله جل وعلا يأخذ الصدقة ويربيها، يأخذها بيده ويربيها كما يربي أحدكم فلوه، أي: فصيله. وهذا فيه ثبوت صفة اليد لله جل وعلا، إلى آخر ذلك من الأحاديث. وأجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. وما يدل على بطلان تفسير أهل التعطيل لليدين بالنعمة أو كذلك الثواب: أن صفة اليدين لله جل وعلا وصفت بأوصاف، وصفت بأوصاف، وصفت بالبسط: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ﴾، فوصفت يد الله جل وعلا بالبسط، وصفت كذلك بالقبض: «وبيده الأخرى القبض»، وصفت بالأخذ كذلك. وكل هذه الأوصاف تدل على إثبات اليدين حقيقة لله جل وعلا؛ لأن معنى اليد في لغة العرب: هي التي يمسك بها، وكذلك تبسط، وكذلك يأخذ بها. نعم، وهكذا يخط بها ويكتب بها. وكل هذه الأوصاف ذكرت في صفتي اليدين لله جل وعلا: الأخذ والقبض، نعم، والكتابة والخط، إلى آخر ذلك، مما يدل على أن المراد من صفة اليدين لله جل وعلا: صفة يدين حقيقة لله جل وعلا، لكن تليق بمن أضيفت إليه، تليق بمن أضيفت إليه. فإذا أضيفت إلى المخلوق فهي تليق بالمخلوق، وإذا أضيفت إلى الجن فهي تليق بالجن. نعم، إذا قيل: يد سعيد، تليق بسعيد. يد المخلوق، يد الجني، كيف يد الجني؟ حد يعلم يد الجني؟ ما حد يعلم يد الجني؟ كيف يد الجني؟ طيب، لماذا؟ لأن الإنسان ما يعلم كيف الجن، كيف ذات الجن، حتى يعلم صفة يده، أو صفة يعني وجهه، أو صفة رجله، أو صفة كذا. والله جل وعلا لا نعلم ذاته، كيف نعلم صفاته؟ نعم. فلذلك نثبت المعنى الذي دلت عليه لغة العرب لهذه الصفات، ونفوض الكيفيات. نقول: الله أعلم بالكيفية، أما المعنى فمعلوم من لغة العرب. أهل التعطيل كذلك أخذوا بعض النصوص التي جاء فيها ما أعانهم على تفسير اليدين بالقدرة والقوة. مثلاً في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. قالوا: هل تقولون أنتم يا أهل السنة: السماء بناها الله جل وعلا بيديه؟ يعني: بأيد هنا بمعنى بيديه. وإنما صحيح أن تفسير الآية بقوة. نقول: نعم، تفسير الآية بأيد: أي بقوة؛ لأن في الآية ليس بأيدي، نعم، أو بأيدين. وإن بأيد: بيأين. نعم، وهكذا كذلك هي مطلقة، مطلقة غير مضافة إلى الله جل وعلا. ما قال الله عز وجل: بأيدين، أو قال: بيدي. بخلاف النصوص الأخرى، فإن اليد فيها مضافة إلى الله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، هنا اليد مضافة إلى الله جل وعلا. نعم، وهكذا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، أضيف إلى الله جل وعلا. لكن هنا: بأيد، مطلقة، ليس بأيدين، وليست بيدي، وإنما بأيد، ثم هي بيأين، وهنا بمعنى القوة. وكذلك قالوا: وجدنا في أشعار العرب مما يدل على أن اليد تأتي بمعنى النعمة، كما في قول القائل: وكم لظلام الليل عليك من نعمة أو عليك من يد وكم لظلام الليل عليك من يد تشهد أو تحدث أن المانوية تكذب وكم لظلام الليل عليك من يد، يعني: من نعمة. ظلام الليل فيه نعمة، إنسان يرتاح بظلام الليل، يهجع وينام ويسكن، كيف ما في نعمة؟ تحدث بأن المانوية تكذب، أي: في زعمها وقولها إن ظلام الليل لا نفع فيه ولا فائدة. فالشاهد قول القائل: عليك من يد، وأراد: أي عليك من نعمة. ففسرت اليد بالنعمة. فنقول: كما قلنا سابقًا، هنا اليد أطلقت ولم تقيد ولم تضف، قال: من يد. هناك بأيد، هنا من يد، ما أضيفت إلى الله جل وعلا. نعم، وإنما أطلقت فيه بمعنى النعمة. بخلاف صفة اليد التي جاء ذكرها في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، التي أضيفت إلى الله جل وعلا، فتثبت كما أثبتها الله لنفسه، وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، وتثبت على مقتضى اللسان العربي، والكيفية يقال: الله أعلم، الله أعلم، على قاعدة أهل السنة التي قالها الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. مما يذكر هنا في هذا المقام أيضًا: أن لفظ اليد جاء مفردًا في كتاب الله، وجاء مثنى، وجاء على صيغة الجمع. على صيغة الإفراد في قوله جل وعلا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]، فهنا اليد مفردة. وجاءت بصيغة التثنية في قوله جل وعلا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، بل يداه مبسوطتان، مثنى. وجاءت بصيغة الجمع في قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]، فاليد جاء ذكرها بصيغة الإفراد، وجاء ذكرها بصيغة المثنى تثنية، وجاء ذكرها بصيغة الجمع. فماذا يقال؟ هل لله جل وعلا يد، أو لله جل وعلا يدان، أو أيدي؟ الجواب: لله سبحانه وتعالى يدان، لله جل وعلا يدان، كما دلت النصوص الكثيرة الدالة على أن الله جل وعلا له صفة اليدين. وأما ما جاء من صيغة الإفراد فهو من المفرد المضاف، والمفرد المضاف يشمل ما ورد بصيغة التثنية، التثنية، وما ورد في صيغة الجمع. نعم. وأما صيغة الجمع: فإما أن يقال: هي للتعظيم، للتعظيم، أي: أن الله جل وعلا يعظم نفسه. وإما أن يقال: أن أقل الجمع اثنان. هذا القول بأن أقل الجمع اثنان، ولذلك قال: أيدينا، والمراد اثنان؛ لأن أقل الجمع اثنان. أو يقال: يسوغ في لغة العرب ويجوز في لغة العرب أن يذكر المثنى بلفظ الجمع، أن يذكر المثنى بلفظ الجمع. مثل قوله جل وعلا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، هما قلبان، نعم، ومع هذا كان التعبير بلفظ الجمع. فيقول: يجوز أن يعبر عن المثنى بلفظ الجمع. نعم. وهنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، هي يدان، ولكن عبر عن هذا المثنى بصيغة الجمع، وهذا سائغ في لغة العرب. قال رحمه الله: ونؤمن بأن لله تعالى عينين ثنتين حقيقيتين، لقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٣-١٤]. وقال النبي صلى الله عليه عليه وآله وعليه وسلم: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه منتهى إليه بصره من خلقه». وأجمع أهل السنة على أن العينين ثنتان، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وعليه وسلم في الدجال: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور». ذكر المؤلف رحمه الله وما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام من وصف ربنا جل وعلا بصفة العينين على ما يليق بالله جل وعلا، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهذا أمر مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة. فالله جل وعلا قد أخبر في كتابه الكريم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣-١٤]. وقال جل وعلا: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]. وقال جل وعلا: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الدجال أعور، الدجال يدعي الربوبية. نعم، فالنبي عليه الصلاة والسلام بين لأمته بيانًا شافيًا كافيًا في الدجال، ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الكذاب، أي: الدجال. لكن النبي عليه الصلاة والسلام هو أكثر الأنبياء بيانًا لهذا الدجال، فوصفه بأنه أعور. وجاء في بعض الروايات: أعور العين اليمنى، وجاء في بعض الروايات: أعور العين اليسرى. فاستدل أهل العلم من هذا الحديث بأن لله جل وعلا صفة العين؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر عيب الدجال وأنه أعور. لو كان الله سبحانه وتعالى غير متصف بصفة العين، لبيّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، لبيّن النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فقال: أعور العين اليمنى، والله جل وعلا ليست له عينان، وهذا الدجال له عين، إذن هو ليس رب العالمين. لكن ما ذكر هذا النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا لو كان لله عز وجل أعين، لقال صلى الله عليه وسلم: هذا الدجال له عينان فقط، ليس هو رب العالمين، لأن رب العالمين جل وعلا له أعين، وليس له عينان فقط. فهكذا استدلال أهل السنة والجماعة من العلماء من هذا الحديث بإثبات صفة العينين لله جل وعلا. جاء حديث وهو صريح في هذا بإثبات صفة العينين وأنه اثنتان، لكنه ضعيف جدًا. قد ذكره ابن قيم رحمه الله في مختصر الصواعق: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يقوم بين عيني، بين عيني الله، بين عيني الله»، يعني: بتثنية. هذا صريح، لكنه لم يثبت، هو ضعيف، وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة، الحديث ضعيف جدًا. وهل السنة إنما يستدلون بالحديث الصحيح؟ نعم، مع أن هذا الحديث صريح، لكن أهل السنة لا يستدلون بالحديث الضعيف، بخلاف أهل البدع، ربما يستدلون بالحديث الضعيفة، يستدلوا على اعتقادهم. لكن في حديث الدجال، لمن تأمله، ذلك، والآيات في كتاب الله جل وعلا، أهل التعطيل يفسرون صفة العينين باللوازم، فيقولون: بمراقبة منا، أو بحفظ، أو بعناية. نعم، وهذه تفاسير صحيحة لما جاء في الآيات. نعم، فإنك بأعيننا: يعني بحفظ منا، بكلاءة منا، بمراقبة منا، كما يقول للشخص: أنت بعيني، وأنت على عيني، يعني: هل يريد أنه داخل عينه؟ لا، وإنما أنت على عيني، يعني: في الصون والحفظ، وأنا مهتم بك ومراقبك، نعم، واهتمامي بك، إلى آخر ذلك. نعم. وهكذا الله سبحانه وتعالى ربى موسى على عينه، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، ربى في بيت فرعون بمراقبة من الله، وعناية واهتمام وحفظ. وهكذا نوح عليه الصلاة والسلام، أمره أن يصنع الفلك، وهي السفينة، بوحيه جل وعلا، وهو بعين الله جل وعلا، بحفظه ورعايته وكلاءته. لكن فرق بين أهل التعطيل وأهل السنة: أن أهل السنة يثبتون صفة العينين لله جل وعلا، ويفسرون الآيات بما يطابق السياق وبما دل عليه السياق. بخلاف أهل البدع، فإنهم أصلًا لا يثبتون صفة العينين لله جل وعلا، وإنما يثبتون باللوزام والمقتضيات، فيقولون: بالمراقبة، أو بالحفظ، أو بالعناية، أو بالكلاءة، أو بالكلاءة، إلى آخر ذلك. ففرقوا بين تفسير أهل السنة وتفسير أهل البدع. فمن وجدتموه يفسر هذه الآيات بالحفظ والمراقبة والكلاءة مع إثباته لصفة العينين، فهذا هو من أهل السنة. ولكن من يفسر بالحفظ والمراقبة وهو لا يثبت صفة العينين، يدل هذا على أنه من أهل التعطيل الذين لم يوفقوا بالأخذ بمنهج السلف في إثبات المعاني والصفات الحقيقية الثابتة لله جل وعلا. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين. شكرًا.