الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المحور علامات الساعة الواردة في الوحي مبيناً ما وقع منها كوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر، وما ظهر كتطاول الناس في البنيان، وما هو آتٍ كخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام. ثم ينتقل إلى الركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر خيره وشره مستدلاً بآيات تثبت أن كل شيء خلق بقدر وعلم سابق وحكمة إلهية.
يستعرض المحور أدلة القرآن والسنة على أن الله قدر مقادير الخلائق في الأزل وأن كل شيء يحدث بتقديره بما في ذلك أفعال العباد. ويوضح عبر قصة تحاج آدم وموسى أن الاحتجاج بالقدر السابق لا يصح إلا لمن تاب وأقلع عن المعصية أما من استدام عليها فاحتجاجه حجة المشركين.
يشرح المحور مراتب القدر الأربع مبتدئاً بمرتبة العلم مبيناً أن علم الله أزلي أبدي محيط بكل شيء ماضٍ وحاضر ومستقبل لا يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان. ويستدل بآيات قرآنية على أن علم الله المتعلق بالابتلاء هو علم وقوع يترتب عليه الجزاء.
يؤكد المحور أن الله تعالى محيط بكل شيء علماً وينفي أي نقص في علمه سبحانه. ويشير إلى أن أدلة علم الله مذكورة في القرآن والسنة وسيتم تفصيلها في الدرس القادم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام في ذكر نعيم القبر وعذابه، ويلحق بالإيمان باليوم الآخر - كما يجعل ذلك بعض أهل العلم - ما يتقدم اليوم الآخر من العلامات والأشراط. فمن أهل العلم من يذكر تبعاً لليوم الآخر العلامات والأشراط، ومنهم من لا يذكر ذلك، أنه يرى إنما العلامات والأشراط إنما هي علامات دالة على اليوم الآخر وليست منه. ولذلك أهل التصنيف في كتب العقائد وفي كتب العقيدة: منهم من يذكر علامات الساعة بعد ذكر اليوم الآخر، ومنهم من لا يذكر ذلك، أي من أهل العلم من أهل السنة. وعلمات الساعة وأشراط الساعة هي العلامات التي تتقدم اليوم الآخر وتدل عليه وعلى قربه. قد ذكرت في كتاب الله بعضها، ذُكر في كتاب الله وبعضها ذُكر في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة عن أشراط الساعة. ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم بعض علامات الساعة: كالدابة، ويأجوج وما جوج، خروج يأجوج وما جوج، وطلوع الشمس من مغربها. ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ [الأنعام: 158]، هذه إشارة إلى طلوع الشمس من مغربها حين لا تنفع التوبة. وأحاديث كثيرة في ذكر أشراط الساعة، منها ما وقع وانقضى ولا يتكرر، مثل موته عليه الصلاة والسلام. موت النبي عليه الصلاة والسلام من علامات الساعة، وهذا وقع وانقضى ولا يتكرر. وكذلك انشقاق القمر: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: 1]، انشقاق القمر وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولا يتكرر، وقع هذه العلامة. فموت النبي عليه الصلاة والسلام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: «عد ستاً بين يدي الساعة: موتي» فموته عليه الصلاة والسلام من علامات الساعة التي وقعت وانقضت ولا تتكرر. وذكر أيضاً عليه الصلاة والسلام موتان: «يأخذ فيكما كقعاص الغنم»، وفتح بيت المقدس، إلى آخر ما ذكر عليه الصلاة والسلام. وفي حديث جبريل: «أن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». الحفاة العراة رعاء الشاء الذين كان همهم وشغلهم العمل بالرعي، نعم ينتقلون إلى الاهتمام بهذا الأمر: تطاول في البنيان. وهذا ليس على سبيل الذم مطلقاً، وإنما أن المراد النهي لهم يتغير، وإلا من بنى فالبناء جائز لكن بشروطه الشرعية: لا تفاخر، ولا تكبر، ولا إسراف، ولا تبذير. ﴿ وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رُعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ﴾. وقالوا: «أن تلد الأمة ربتها»، كذلك هذه من العلامات. وهكذا علامات كثيرة: عادت جزيرة العرب جنات وأنهار، والفتوحات التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، أخبر عنها وحصلت. وهكذا كذلك الفتن التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها تقع: فتنة مقتل عثمان، وكذلك الفتنة التي قتل فيها عمار بن ياسر - رضي الله تعالى عنهما - قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ويح ابن سمية، تقتله الفئة الباغية». وهكذا فتن حصلت، أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام، وهي من علامات الساعة. وظهور الخوارج، فتنة الخوارج، فتنة الرافضة، كذلك جاء في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يحسنه بعض أهل العلم، قال عليه الصلاة والسلام: «يخرج نابز، ويسمون الرافضة، فقاتلوهم فإنهم كفار»، حسنه بعض أهل العلم. وهذا أيضاً من الفتن التي أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام وأنها ستقع قرب الساعة أو قبل الساعة، قبل اليوم الآخر. وهكذا خروج المهدي، من علامات خروج الأرض كنوزها، المخبوءة، استفاضة المال، فتح القسطنطينية، علامات كثيرة وأمارات ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ذكر العلامات العشر، وهي العلامات الكبرى: العلامات الكبرى: الدجال، والدخان، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ثم آخر ذلك نار تخرج من أرض اليمن، في لفظ: من قعر عدن، تحشر الناس إلى المحشر. فهذه العلامات العشر الكبرى، وهي كالخرز المنظومة في السلك: قطع السلك إذا كان فيه خرز، قطع ذلك السلك تتتابع هذه الخرز. وهكذا علامات الساعة، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها هكذا: إذا ظهر منها أولها تتابعت هذه العلامات. فوجب الإيمان بكل ما جاء ذكره من العلامات والأمارات في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام التي تتقدم اليوم الآخر، وجب الإيمان بذلك. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته». ذكر رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر وهو الركن الخامس، ذكر الإيمان بالقدر وهو الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشره، وأن يعتقد العبد أن الله جل وعلا قدر المقادير، مقادير الخلائق في الأزل، وأنه علمها جل وعلا، وأنها تقع حسب علمه جل وعلا، ووفق ما اقتضته حكمته جل وعلا. لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يقع شيء خلاف ما قدره الله جل وعلا، وإنما ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. والقدر أدلته كثيرة، أي أدلة وجوب الإيمان به في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. منها قوله جل وعلا: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 48-49]. وقال جل وعلا: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2]. وقال جل وعلا: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]. وقال جل وعلا: ﴿ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾ [الأنفال: 42]. وقال جل وعلا: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 40]، أي مجيئك كان بقدر سابق قدره الله جل وعلا. وقال جل وعلا: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ [الأعلى: 1-3]. والآيات كثيرة في الدلالة على أن الله جل وعلا قدر المقادير في الأزل، فوجب الإيمان بذلك، وجب الإيمان بأن الله قدر مقادير الخلائق في الأزل. وأحاديث كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام الدالة على هذا الأمر، وهو أن الله جل وعلا قدر مقادير الخلائق. من ذلك ما جاء في حديث جبريل الذي هو في الصحيح، في سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله عن طاوس رحمه الله تعالى قال: أدركت أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون: كل شيء بقدر. قال: وسمعت عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس». حتى العجز والكيس: العجز يعني الضعف، والكيس أي الهمة والنشاط، حتى الهمة والضعف ذلك بقدر الله جل وعلا، فكل شيء بقدر الله. وكما قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: «كل شيء بقدر، حتى وضعك يدك على خدك». حتى وضعك يدك على خدك ذلك بقدر الله جل وعلا، قد قدر أنك تضع يدك على خدك. والمعنى: وأن تحك رأسك، وأن تفعل كذا، وأن تفعل، فكل فعل صادر في ملكوت الله جل وعلا من خلق الله جل وعلا فهو بتقدير الله سبحانه وتعالى السابق. وجاء كذلك في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - قال: جاء سُريق بن مالك بن جعشم إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن، بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير». قال: ففيما العمل؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر». لكل ميسر: أي لما خلق له. فمعنى ذلك أن الأعمال التي تفعل والتي يعملها العباد كلها قد كتبت، وجفت بها الأقلام، وجرت بها المقادير. وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - قال: عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». ففي هذا ذكر القدر، وأن كل شيء بقدر، لا تتأسف، اعمل بالأسباب، احرص واعمل بالأسباب الشرعية، ولا تتكاسل وتعجز. نعم، فإذا فاتك شيء ولم يحصل، فاعلم أنه لم يحصل لأنه بقدر الله، لم يحصل لك لأنه بقدر الله، فلا تتأسف ولا تحزن. شيء ما قدر لك، لماذا تحزن عليه؟ لا تحزن، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. هذا قدره الله، يعني أن هذا لم يحصل لي ولم يتحقق لي، فشيء قدره الله جل وعلا. وكذلك في الصحيحين في حديث بموسى الأشعري وغيره، في قصة تحاج آدم وموسى عليهما السلام، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن آدم وموسى تحاجا، فقال موسى لآدم: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم لموسى: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عام؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى»، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى عليهما السلام. هذا الحديث يدل على أن ما حصل من آدم عليه السلام كان بقدر الله الأزل السابق الذي قدره، وأنه يأكل من الشجرة، ويقع في هذا الذنب، ويطيع الشيطان بقدر الله سبحانه وتعالى. فآدم احتج بالقدر السابق لأنه قد تاب، قد تاب من هذا الذنب: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 37]. لذلك قال الإمام القيم رحمة الله تعالى عليه: قال إنما يكون الاحتجاج بالقدر السابق في حق من كان على معصية وتاب منها وتركها، كان على معصية وكان يشرب الخمر مثلاً، فتاب من ذلك ورجع إلى الله عز وجل. لذا شخص يقول له: نسيت، كنت تشرب الخمر، كنت تفعل، وهنا يجوز له أن يقول له: تلومني على أمر قدره الله علي. أما إذا كان واقعاً في هذا الذنب ويحتج بالقدر، فلا حجة له في ذلك، يحتج بقدر الله وهو قائم على المعصية وعلى الذنب، فهذا إنما هو احتجاج المشركين، إنما هو احتجاج المشركين بالقدر، وقالوا: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا ﴾ [الأنعام: 148]، وهم قائمون على شركهم. وشيخ الإسلام تيمية رحمة الله تعالى عليه يقول: موسى عليه الصلاة والسلام إنما لآدم على المصيبة، لا لآدم على المصيبة التي ترتبت من هذا الذنب، وليس اللوم على الذنب الذي وقع فيه آدم، لأن موسى يعلم أن آدم قد تاب، ولا يليق بموسى عليه الصلاة والسلام أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه، وإنما كان اللوم على ما ترتب من هذا الذنب من مصيبة. هذا قال شيخ الإسلام تيمية رحمه الله في تفسير هذا الحديث. والإمام القيم رحمة الله تعالى عليه، تفسير لهذا الحديث: أن آدم أو موسى لآدم على الذنب، لكن آدم تاب من ذلك الذنب، فاحتج بالقدر، وجاز لمن وقع في الذنب ثم تاب منه ثم ليم عليه أن يحتج بالقدر. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى يقول: الأولى قول شيخ الإسلام ابن تيمية، الأولى أن يفسر الحديث بتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن لوم موسى لآدم إنما على المصيبة التي ترتبت، وليس على الذنب. قال: ولا هذا القول سوى هذا وهذا، فكله صحيح، لكن الأفضل أن يفسر بهذا، الحديث الذي لا يدل على أن موسى عليه الصلاة والسلام لام آدم على الذنب، لأن اللوم على الذنب، لوم الشخص على ذنب تاب منه غير صحيح وفي غير محله. فنقول: موسى لم يقع منه ذلك، وإنما اللوم على المصيبة التي ترتبت. والشاهد من الحديث ظاهر: النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن الحجة مع آدم عليه الصلاة والسلام لأنه احتج بالقدر السابق. فهذا ما يدل على وجوب الإيمان بقدر الله جل وعلا السابق، وأن الله جل وعلا قد قدر أعمال العباد وأفعال العباد، وهي تقع وفق علمه سبحانه وتعالى، ووفق ما اقتضته حكمته جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وللقدر أربع مراتب: المرتبة الأولى العلم». فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم، علم ما كان وما يكون وكيف يكون، بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل، ولا يلحقه نسيان بعد علم. الإيمان بالقدر يترتب عليه الإيمان بأربع مراتب، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. قد جمعها بعض بقوله: علم، كتابة، مشيئته، ثم خلقه، وهو إيجاد وتكوين. فهذه مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. هذه المراتب مستنبطة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: المرتبة الأولى العلم. ومعنى الإيمان بمرتبة العلم: الإيمان بأن الله تعالى بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء جل وعلا. فعلمه محيط بكل شيء، لا يخرج شيء عن علمه سبحانه وتعالى. علم ما كان من الأمور التي قد وقعت في الماضي من خلقه، سواء كان من الإنس أو من الجن، أو من الطيور، أو من الحيوانات، أو من الدواب. فكل الأفعال الصادرة التي صدرت من مخلوقات الله جل وعلا، الله جل وعلا علمها، لأنه جل وعلا الذي قدرها سبحانه وتعالى، فهي لا تخرج عن علمه سبحانه وتعالى. وهكذا ما يكون في ملكوت الله جل وعلا من حوادث وأفعال من مخلوقات الله جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى يعلم ذلك. كل ما هو كائن الآن في هذه اللحظة في ملكوت الله سبحانه وتعالى من خلق الله جل وعلا: إنسهم وجنهم، دوابهم وطيرهم، كل ذلك، كل ذلك يعلمه الله سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء جل وعلا. وهكذا كذلك ما سيكون، ما سيكون كذلك من العباد فهو بعلم الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يعلمه، فهو يعلم ما سيعمل العباد، نعم، في كل وقت، سواء كان في الماضي أو الحاضر أو المستقبل. علم ما صدر منهم في ماضيهم، وعلم ما صدر منهم في حاضرهم، وعلم ما يصدر منهم في مستقبلهم. لا يخفى على الله جل وعلا شيء، فهو جل وعلا بكل شيء عليم، وعلمه قد أحاط بكل شيء. ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]، فلا يخرج شيء عن علم الله جل وعلا، وأنه لا يعلمه سبحانه وتعالى. علم الله جل وعلا علم أزلي، لا ابتدأ له ولا نهاية له، لأنه جل وعلا الأول هو الأول بصفاته سبحانه وتعالى، وهكذا هو الآخر جل وعلا بصفاته، فهو الأول بصفاته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء». فالله جل وعلا هو الأول الذي لا ابتدأ له، وهو الآخر الذي لا نهاية له في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. هذا معنى أن علمه جل وعلا علم أزلي، أي علم أول ليس قبله شيء، وعلم آخر ليس بعده شيء. فقال رحمه الله: بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل. علم الله جل وعلا ليس هو علم بعد جهل، فعلمه جل وعلا غير مسبوق بجهل، والله جل وعلا كذلك لا يلحقه نسيان بعد علم. المخلوق إذا علم شيئاً، علمه بعد جهل، كان جاهلاً به ثم علمه، ويلحق علمه النسيان، كذلك كم من العلوم التي علمها ثم نسيها. أما علم الله جل وعلا فلا يشاركه فيه أحد، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، وليس كعلمه شيء جل وعلا، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، وهو كذلك المتفرد بعلمه جل وعلا، فلا يماثل أحد في علمه. علمه جل وعلا ليس هو علم مسبوق بجهل، وليس هو علم يلحقه النسيان، وليس هو علم يتجدد، يتجدد له العلم. وما جاء في قوله سبحانه وتعالى في مثل قوله جل وعلا: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1-3]، ليس معنى الآية أن الله جل وعلا ليعلم ماذا سيصدر منهم، ومن الصادق منهم ومن الكاذب، وإنما المراد بهذا العلم: علم وقوع من العباد يترتب عليه الجزاء، علم يقع به الجزاء من رب العالمين سبحانه وتعالى. وإن لقد علم الله جل وعلا الصادق من الكاذب في هذا الابتلاء والاختبار، ومن هو صادق ومن هو كاذب، لكن إذا وقع ذلك من العباد حصل الجزاء من رب العالمين جل وعلا: الثواب والعقاب. هذا هو تفسير ما جاء في هذه الآيات: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ ﴾ يعني علم وقوع يترتب عليه الثواب أو العقاب، وهو الجزاء من رب العالمين سبحانه وتعالى. ليس معنى ذلك أن الله جل وعلا لا يعلم ذلك، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً. فالله جل وعلا قد أحاط بكل شيء علماً. وأدلة مرتبة العلم كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، نذكرها إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر