عقيدة أهل السنة والجماعة 26

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات الملائكة وتشكلهم وإكرام الله لبعض عبادهم برؤيتهم

الملائكة عالم غيبي حجبهم الله عن الأبصار، لكن الله يكرم أنبياءه وصالحين برؤيتهم أو تكليمهم كما حدث مع النبي محمد ومريم. كما تتشكل الملائكة بأمر الله في صور بشرية، ويختص جبريل عليه السلام بنزول الوحي تكذيباً لادعاء اليهود أنه عدوهم.

أبرز الملائكة ومهامهم المنوطة بهم

يستعرض المقطع وظائف الملائكة المقربين: جبريل موكل الوحي، وميكائيل موكل المطر والنبات، وإسرافيل موكل النفخ في الصور، وملك الموت موكل قبض الأرواح، وملك الجبال، ومالك خازن النار. ويؤكد فضيلة جبريل ومكانته، وينفي تسمية ملك الموت بـ «عزرائيل» لعدم ثبوتها في السنة الصحيحة.

مهام الملائكة وأنواعهم: خزنة النار، موكلو الأرحام، الحفظة، الكتبة، وسؤال القبر

يذكر المقطع أصناف الملائكة ومهامهم: خزنة النار وهم تسعة عشر ملكاً، والملائكة الموكلون بالأجنة يكتبون الرزق والأجل والشقاوة والسعادة، والحفظة الذين يحفظون الإنسان حتى ينزل القدر، والكرام الكاتبان (رقيب وعتيد) يسجلان الحسنات والسيئات، والملائكة السائلون في القبر (منكر ونكير) عن الرب والدين والنبي، مع تفصيل لقول ابن عثيمين بأن السؤال يكون بعد التسليم إلى القبر.

تثبيت المؤمنين بالقول الثابت وسؤال الميت في القبر

يوضح المقطع أن الله يثبت المؤمنين بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، وأن الآية نزلت في عذاب القبر. كما يشير إلى دور الملائكة في سؤال الميت بعد دفنه، على أن تتمة مسائل الملائكة ستُذكر في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاته والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: كان آخر الكلام في الدرس الماضي في الإيمان بالملائكة. وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون»، كما جاء في كتاب الله جل وعلا. ثم قال رحمه الله: «حجبهم الله عنا فلا نراهم». يعني أن الملائكة عالم غيب، حجبهم الله عز وجل عنا، فنحن لا نرى الملائكة، ولكنهم خلق من خلق الله عز وجل موجودون، وإن كنا لا نراهم. فهم عالم غيبي، كالجن كذلك عالم غيبي لا نراهم، وإن كانوا يروننا. والملائكة كذلك عالم غيبي لا نراهم، ولكن ربنا عز وجل يكرم بعض عباده برؤية الملائكة وبكلام الملائكة له، كما أكرم الأنبياء والرسل، فقد كلمتهم الملائكة. وهكذا أكرم الله عز وجل الأنبياء والرسل برؤيتهم، كما في غزوة بدر، فالملائكة كانت تقاتل مع النبي عليه الصلاة والسلام ومع الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولذلك قال المؤلف رحمه الله: «وربما كشفهم لبعض عباده». فقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبريل على صورته، له ستمائة جناح، قد سد الأفق. وهذا يدل على عظمة هذا الملك، وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، الذي وكله الله عز وجل بنزول الوحي. فمن صفاته أن له ستمائة جناح، وكل جناح قد سد الأفق، فهذا يدل على عظمة الملائكة، وأنهم خلق عظيم من خلق الله سبحانه وتعالى. قد حدث النبي عليه الصلاة والسلام عن ملك من ملائكة حملة العرش بوصف عظيم، مما يدل على عظم الملائكة. قال: «وتمثل جبريل لمريم بشرا سويا، فخاطبته وخاطبها». وهذا من إكرام الله عز وجل بهذه المرأة الطاهرة رضي الله تعالى عنها. وهذا الصحيح أن يقال: رضي الله تعالى عنها مريم. بعضهم يخطئ فيقول: عليها السلام. هذا اللفظ إنما هو خاص بالأنبياء عليهم السلام. وإنما غيرهم ممن هم من أهل الصلاح، من رضي الله عز وجل عنهم وزكاهم وأثنى عليهم، يقال: رضي الله عنهم. فمريم يقال: رضي الله عنها. أكرمها الله سبحانه وتعالى بأن خاطبها ملك من ملائكة الله جل وعلا، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: 22]. ﴿فَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: 23]. ذكر الله سبحانه وتعالى كما في سورة مريم أنه قال له: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45]. فكلمها بهذا الكلام، وبشرها بأن الله سبحانه وتعالى سيجعل لها ولدًا وهو عيسى عليه الصلاة والسلام. وهذا من إكرام الله سبحانه وتعالى لهذه المرأة الطاهرة رضي الله تعالى عنها. قال رحمه الله تعالى: «وأتى إلى النبي صلى الله عليه واله وعنده الصحابة، سرور رجل لا يعرف، ولا يرى عليه أثر السفر، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه جبريل». هذا كما جاء في حديث عمر رضي الله تعالى عنه، الصحيح، حديث جبريل الطويل، الذي سأل فيه النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام والإيمان والإحسان. في آخر هذا الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عمر، أتدري من السائل؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم». وربما أتى في صورة دحية الكلبي، أتى في صورة دحية الكلبي، وربما جاء بصورة رجل. نعم، فيأتي للنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في هذا الحديث. وهذا فيه بيان أن الملائكة تتشكل. وفي ذلك الحديث الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله، وهو في الصحيح، في قصة ذلك الرجل الذي زار رجلًا له في قرية، صديقًا له في قرية، فكانت زيارته لله وفي الله، فأدرج الله على مدرجته ملكًا يسأله: هل له نعمة عليك؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله. فقال له: فإني رسول الله إليك ليعلمك بأن الله جل وعلا قد أحبك. وهكذا بحديث الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى، حديث أبي هريرة في الصحيحين. ابتلاهم الله جل وعلا، ابتلى الأبرص والأقرع والأعمى، جاءهم الملك على هيئة رجل، وفي المرة الثانية على هيئة رجل أعمى، وعلى هيئة رجل أبرص، وعلى هيئة رجل أقرع. ابتلاهم الله سبحانه وتعالى. شاهد أن الملائكة تتشكل بإذن الله سبحانه وتعالى وبأمره جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بأن للملائكة أعمالًا كلفوا بها». فمنهم جبريل الموكل بالوحي، ينزل به من عند الله على من يشاء من أنبيائه ورسله. جبريل هو الموكل بنزول الوحي، فهذا خاص بجبريل عليه الصلاة والسلام، لا ينزل بالوحي من عند الله إلا جبريل. وكذب اليهود حين سألوا النبي عليه الصلاة والسلام: من ينزل عليك بالوحي؟ قال: جبريل. قالوا: ذاك عدونا، ذاك عدونا، وهذا ينزل بالعذاب أو غير ذلك. نعم، وكذبوا في ذلك، ويعلمون أن الذي أنزل بالوحي من عند الله عز وجل إلى موسى هو جبريل، وهكذا أنبياء السابقون. جبريل هو الذي ينزل بالوحي من عند الله جل وعلا. ولكن لم تبقَ لهم حجة، لم تبقَ لهم حجة. جميع الأسئلة التي سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عنها مما يدل على صدق رسالته، كما علموا من أحبارهم، علمائهم، أجاب عنها النبي عليه الصلاة والسلام لما عندهم من علم، ولكنهم ما أقروا وما استسلموا لأمر الله جل وعلا ولأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. فلذلك كانت حيلتهم، وهم أهل حيل ومكر، أن سألوه عن الذي ينزل عليه بالوحي، فقال: جبريل، فقالوا: ذاك عدونا. ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]. فجبريل هو الذي خصه الله جل وعلا بنزول الوحي، وهو أعظم ملائكة الرحمن. جبريل عليه الصلاة والسلام هو أعظم ملائكة الرحمن جل وعلا. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح، أن الله جل وعلا إذا تكلم بالوحي في السماء صعقت الملائكة وأصابها الخوف، فأول من يفيق هو جبريل. أول من يفيق هو جبريل عليه الصلاة والسلام. وهذه دلالة على فضله ومكانته بين ملائكة الرحمن جل وعلا. ولذلك كذلك، الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريل، نادى: يا جبريل، إن الله يحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي جبريل في السماء في الملائكة: إن الله جل وعلا يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض. فجبريل هو أعظم ملائكة الرحمن جل وعلا وأفضلهم. خصه الله جل وعلا بهذا الأمر العظيم الذي هو نزول الوحي. وهذا من أعظم الأعمال، من أعظم الأعمال هي النزول بالوحي، النزول بالوحي من رب العالمين جل وعلا. هذا من أعظم الأعمال، وهذا خص الله جل وعلا به جبريل عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «ومنهم ميكائيل الموكل بالمطر والنبات». ميكائيل خصه الله جل وعلا بهذا العمل، فإنه ينزل بالمطر، ووكل بالمطر والنبات. «ومنهم إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور حين الصعق والنشور». هذا ملك من ملائكة الرحمن، هو إسرافيل. إسرافيل موكل بالنفخ في الصور، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد أخذ والتقم القرن، وهو الصور الذي ينفخ فيه، وهو ينتظر الإذن من رب العالمين سبحانه وتعالى. قد جاء ذكر النفخ في الصور في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]. وقال جل وعلا: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 51-52]. فإسرافيل موكل بأن ينفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه. كيفيته لا نعلمها، كيفية هذا الصور الله أعلم بكيفيته. قال رحمه الله تعالى: «ومنهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت». هذا ملك الموت من ملائكة الرحمن جل وعلا، وكله الله سبحانه وتعالى بقبض الأرواح عند الموت، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: 11]. بعض الناس يسمي ملك الموت عزرائيل، وهذا لم يثبت في خبر صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء في بعض الأخبار الإسرائيلية، وإلا فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن اسمه عزرائيل. نسميه ملك الموت كما سماه الله عز وجل في القرآن: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، فلا يسمى هذا الملك الذي يقبض الأرواح عزرائيل كما يسميه عامة الناس. ربما إذا دعا على أحد قال: أسأل عزرائيل يقبض روحك. نعم، إنما هو ملك الموت كما جاء في القرآن. قال رحمه الله: «ومنهم ملك الجبال الموكل بها». وهكذا من ملائكة الرحمن من وكله الله سبحانه وتعالى بالجبال، يقال له ملك الجبال. جاء هذا في حديث الصحيحين، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، لما لقي النبي عليه الصلاة والسلام شدة، سألته عائشة: هل مر عليك يوم أشد من هذا اليوم؟ فذكر لها النبي عليه الصلاة والسلام ما حصل له من شدة من قومه، آذوه أذى عظيما، حتى خرج مهمومًا مغمومًا، ولم يستفق إلا في قرن الثعالب. فأرسل الله سبحانه وتعالى إليه جبريل، يخبره أن الله سبحانه وتعالى أرسل ملك الجبال، لو شاء النبي عليه الصلاة والسلام أن يطبق ملك الجبال على أهل مكة الأخشبين، جبلين عظيمين بمكة، لفعل ذلك. لكن النبي عليه الصلاة والسلام، الذي أرسل رحمة للعالمين، والذي أراد أن يبلغ دين الله جل وعلا، قال: «بل أستأني، لعل الله أن يخرج منهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا». وكان الأمر كذلك كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، دخل الناس في دين الله أفواجًا. فأولئك الذين كانوا يحاربونه ويعادونه ويؤذونه، دخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، ونصر الله جل وعلا بهم الدين، فتحوا المشارق والمغارب. فهذا من ملائكة الرحمن، الذي هو ملك الجبال. قالوا: «ومنهم مالك خازن النار». وهذا من ملائكة الرحمن، مالك خازن النار. قال جل وعلا: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]. فمالك هو خازن النار، وكله الله جل وعلا بأن يكون رئيس الخزنة، خزنة النار. فللنار خزنة، كما قال جل وعلا: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةَ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: 30-31]. فهذا ملك، وهو مالك خازن النار. وأيضًا للنار خزنة كذلك من ملائكة، تسعة عشر، كما ذكرهم الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز. قالوا: «منهم ملائكة موكلون بالأجنة في الأرحام». هؤلاء الملائكة الذين جاء ذكرهم في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الصحيح، حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد»، إلى آخر الحديث. فهذا الملك وكله الله سبحانه وتعالى بكتابة أرزاق العباد، والأجل، والشقاوة، والسعادة، إلى آخر ما كلفه الله سبحانه وتعالى به. قالوا: «آخَرُونَ موكلون بحفظ بني آدم». هؤلاء الذين جاء ذكرهم في قوله جل وعلا: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]. فملائكة حفظه، كلفهم الله جل وعلا بحفظ بني آدم. ملائكة حفظه، وهذا لمن حفظ الله، من حفظ الله جل وعلا، حفظه الله سبحانه وتعالى. ومن حفظ الله جل وعلا لعبده أن يجعل هؤلاء الملائكة يحفظونه من أمر الله سبحانه وتعالى، إلا إذا جاء القدر، إلا إذا جاء القدر، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «خلوا بينه وبين قدر الله». وإلا فالعباد لهم ملائكة حفظه يحفظونهم من أمر الله، إلا أمر قد قدره الله سبحانه وتعالى ولا بد أن يقع، فيتخلى الملائكة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا حصل القدر تخلى هؤلاء الملائكة، خلوا بين العبد وبين قدر الله جل وعلا، لأن قدر الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقع، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، ولكن يقضي أمرًا كان مفعولًا». قال رحمه الله تعالى: «وآخَرُونَ موكلون بكتابة أعماله، لكل شخص ملكان، عن اليمين وعن الشمال، قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد»، كما جاء في سورة ق. هؤلاء ملائكة، ملك يقال له رقيب، والملك الآخر يقال له عتيد. رقيب يكتب الحسنات، وعتيد يكتب السيئات. ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. هؤلاء ملائكة وكلهم الله جل وعلا بكتابة الحسنات وكتابة السيئات. قال رحمه الله: «وآخَرُونَ موكلون بسؤال الميت بعد الانتهاء من تسليمه إلى مثواه، يأتيه ملكان يسألانه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء». وهذا كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، حديث البراء وغيره: ملكان يسألان الميت بعد تسليمه. قال المؤلف: «بعد تسليمه إلى مثواه، ولا نقول إلى مثواه الأخير كما يخطئ كثير من الناس، يقول: فلان انتقل إلى مثواه الأخير، ويريدون بذلك القبر. لا، ليس القبر المثوى الأخير. المثوى الأخير إما جنة وإما نار. أما القبر فهو برزخ، القبر برزخ بين الدنيا والآخرة، برزخ بين الدنيا والآخرة. المثوى الأخير يا عبد الله إما الجنة وإما النار». فقال المؤلف: «إلى مثواه، بعد تسليمه إلى مثواه»، كأنه يشير رحمه الله تعالى أن السؤال يقع بعد أن يسلم العبد في قبره، يعني تنتهي علائق الدنيا به، تنتهي علائق الدنيا به، يعني ما في أمور تتعلق بالدنيا لا زالت، يعني مثلا من إجراءات التحري، يعني مثلا يموت الشخص، فهناك يكون التحري، ما سبب القتل، كن في الثلاجة مثلا، كن في الثلاجة يعني عدة أيام مثلا، وهم يواصلون التحري، ما سبب القتل مثلا، لماذا قتل، وما سبب الحادث، إلى آخر ذلك. فالمؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ ابن عثيمين، يرى أنه لم يسأل في هذه الحالة، لم يسأل مادام أنه لم يسلم، لم يسلم إلى الآخرة، يعني بقيت إجراءات تتعلق بأمر الدنيا، فهو لم يسأل بعد. نعم، ما يحصل عليه السؤال إلا بعد أن يسلم إلى الدار الآخرة، يوضع في حفرته في قبره، قال: انتهت علائق الدنيا. قد ذكر هذا في بعض كتبه رحمه الله، وهنا يشير لهذا، يقال: بعد تسليمه إلى مثواه، يعني يكون السؤال، يكون السؤال. فهو يرى ذلك رحمه الله تعالى أن السؤال، سؤال الميت، بعد انتهاء، انتهاء علاقة الميت بالدنيا. نعم، أما الذين أكلتهم السباع، أو أكلتهم مثلا الحيتان في البحار، فقبورهم بطون الحيتان، نعم، انتهوا، انتهت علاقتهم بالدنيا. نعم، لكن في الذين يعني يكونون في ثلاجات، نعم، وهناك إجراءات تحري وبحث، ما سبب القتل، وما كذا، وما كذا، نعم، فلم يسلم، لم يسلم إلى الآخرة، نعم، فحينئذ ما يكون السؤال. نعم، لا يسأله في الثلاجة، ولا يسأله في هذه المواضع، حتى يسلم إلى الآخرة، إذا سلم ووضع في الحفرة، انتهت العلاقة بالدنيا، انتهى أمره، فحينئذ يوضع ويقبر، ويسأل من قبل الملكين. جاء في بعض الأحاديث، يحسب بعض العلم أن أحد الملكين منكر والآخر نكير، وبعض العلم يحسن ذلك، ومنهم الشيخ الألباني رحمة الله تعالى عليه. السؤال عن رب العالمين: من ربك؟ وعن الدين: ما دينك؟ وعن نبيك؟ والأمر بالتوفيق والتثبيت من رب العالمين جل وعلا: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]. قال: والبراءة، ما جاء في البخاري، نزلت في عذاب القبر. نعم، فهذا أيضا مما يتعلق بالملائكة الذين وكلهم الله سبحانه وتعالى بهذه الأمور، وهو سؤال الميت في قبره حين يسلم إلى مثواه، يسأل عن هذه الأمور. وبقيت هناك أيضًا أمور تتعلق بالملائكة، إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.