عقيدة أهل السنة والجماعة 11

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير مفاتيح الغيب الخمسة في آية سورة لقمان

يشرح المقطع أن علم الساعة، وإنزال الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما تكسبه النفوس غداً، وأرض الموت هي خمس من مفاتيح الغيب اختص الله بها نفسه، ومن نسب شيئاً منها لغيره فقد أشرك. ويوضح أن علم الطب الحديث بجنس الجنين لا ينافي اختصاص الله بعلم ما في الأرحام؛ لأنه علم جزئي محدث بإذن الله بعد قضائه، بينما علم الله شامل لكل تفاصيل المخلوق من رزق وأجل وسعادة وشقاوة.

إثبات صفة الكلام لله تعالى وتمييزه عن آلهة المشركين

يؤكد المقطع أن الله تعالى يتكلم بما شاء ومتى شاء وكيف شاء، مستدلاً بكلامه لموسى ومحمد وآدم وغيرهم، وأن هذا من كمال صفاته، بينما آلهة المشركين لا تتكلم مما يدل على عجزها وعدم استحقاقها للعبادة. كما يشير إلى أن علم الغيب كالأرزاق والآجال مختص بالله وحده.

صفات كلام الله: الكثرة والصدق والعدل والحسن

يبيّن المقطع أن كلام الله جل وعلا كثير لا يُحصى، وضرب مثلاً بالبحر مداداً للأقلام ليبين عدم نفاد كلماته. كما يؤكد أن كلامه صدق في الأخبار، عدل في الأحكام، وحسن في الحديث، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث جبريل، وأن الإيمان بهذه الصفات من أصول الإيمان بالله.

ختام الجلسة والإعلان عن مواصلة الدرس لاحقاً

يختتم المتحدث الجلسة الحالية معلناً عن مواصلة الدرس في وقت لاحق، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع تكرار الشكر للحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله، وحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فكان آخر الكلام في رث الماضي عند قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾. فهذه الأمور هي من الإيمان بالله جل وعلا اليوم من العبد بأن علم الساعة إنما هو لله جل وعلا، فلا يعلم أحد متى الساعة إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا أنه جل وعلا ينزل الغيث، فلا أحد ينزل الغيث إلا الله جل وعلا، فلا أقطاب ولا أولياء ولا ملائكة ولا رسل، أبداً ما أحد منهم ينزل الغيث. الذي ينزل الغيث هو الله جل وعلا وحده لا شريك له. فمن اعتقد أن الأقطاب ينزلون الأمطار أو يأتون بالسيول فهذا شرك بالله جل وعلا وكفر بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه ضاد الله جل وعلا في قوله. فالله جل وعلا يقول: ﴿ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ ﴾، أي هو جل وعلا وحده لا شريك له، فلا مشارك ولا معين له في إنزال هذا الغيث. فمن اعتقد شيئاً من هذه الأشياء فهو كافر بالله سبحانه وتعالى. ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾، وما هنا للعموم، عموم ما في الأرحام من الخلق من البشر ومن الحيوانات في أرحامها. فالله جل وعلا يعلم ما في الأرحام، ولا ينافي هذا أو يعارضه أنه قد يتوصل للناس كما توصلوا اليوم لأنهم علموا ما في الأرحام: ما في الأرحام، ما في الأرحام، هل ذكر أو أنثى؟ لماذا؟ لأن هذا شيء يسير، وهذا العلم أنه ذكر أو أنثى، إن ما علموه، إن ما علموه بعد خروج هذا العلم من عند الله جل وعلا، من أين لهم ذلك إلا بعد أن قدر الله جل وعلا أن يكون هذا المخلوق ذكراً أو يكون أنثى؟ الملك الذي يكتب الرزق والأجل والشقاوة والسعادة والذكر والأنثى، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الصيحين حين يرسل ربنا عز وجل الملك فيؤمر بأربع كلمات: كتب رزقه وعمله وأجله وشقيه وسعيد. ويقول الملك: أي رب، أي ربي، ذكر أو أنثى؟ أي ربي، ذكر أو أنثى؟ يعني: أكتب هذا ذكراً أو أكتب هذا أنثى؟ الملك ما يعلم قبل أمر الله جل وعلا لهذا المخلوق بأن يكون ذكراً أو أنثى. بعد ذلك يعلم الملك، أما قبل أمر الله جل وعلا فلا علم لهذا الملك الذي يكتب الذكورية أو الأنوثة أو الشقاوة أو السعادة قبل ذلك، لا علم عنده. فإذا خرج العلم وخرج اختصاص الله جل وعلا بهذا العلم بعد إعلام الملك، بعد إعلام الملك الذي يكتب في الأرحام، فالذين يتوصلوا اليوم إلى معرفة ما في الأرحام هل ذكر أو أنثى، نقول: قد توصل قبل ذلك قبلكم الملك، الملك عنده علم قبلكم لأنه هو الذي كتب، هو الذي كتب هذا ذكر أو أنثى. فمعنى هذا أن معرفة ما في الأرحام هل ذكر أو أنثى لا يعارض هذا، لا يعارض هذا أن الله جل وعلا هو الذي يعلم ما في الأرحام وحده؛ لأن المراد أعم من هذا. ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾ يعني: من الذكرية أو الأنوثة، الشقاوة أو السعادة، ما يتعلق كذلك بالعمر: كم سيعيش؟ نعم، وما يتعلق ب... يعني لونه، بكل شيء يتعلق بهذا المخلوق. هذا من يعلمه؟ ما يستطيع أطباء مهما تطوروا في العلم وبلغوا مبلغاً عظيماً في العلم أن يقولوا في يوم من الأيام: عرفنا أن هذا الذكر الذي في الرحم إنما سيعيش أربعين سنة أو ثلاثين سنة، وأنه كذلك سيكون سعيداً أو من السعداء، أو هذا سيكون من الأشقياء. هذا ما يستطيعون أن يعلموا. إنما علموا هذا الشيء: ذكروا أنثى. وقلنا: هذا العلم قد جعله الله عز وجل للخلق، ومن أول الخلق الذين جعل الله جل وعلا لهم معرفة هذا العلم هو الملك الذي يكتب، فهو قد علم أنه ذكر أو أنثى، بل أعظم من ذلك: أعلم أنه شقي أو سعيد، لكن بإعلام الله جل وعلا له. وهذا العلم قاصر بما أعلمه الله جل وعلا، أما بغير ذلك مما يتعلق بالمخلوق من أشياء دقيقة تفصيلية، نعم، هذا العام والشامل الذي دلت عليه ما هنا في هذه الآية: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ﴾، أي كل شيء يتعلق بما يكون في الأرحام، كل شيء، هذا ما أحد يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وأما علم شيء بسيط أو شيء جزئي، هذا لم يعلم ما في الأرحام؛ الذي علم أنه ذكر أو أنثى ما علم ما في الأرحام يعني كل شيء، لا، وإنما علم شيئاً، والذي علمه بإعلام الله جل وعلا له، بل بعد خروج هذا العلم، وبعد خروج اختصاص الله جل وعلا بهذا العلم بإعلام الملك الذي كتب الذكورية أو الأنوثة. ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ﴾، يعني في اليوم الذي يلي يومها، يعني يوم الغد. احنا ما ندري ماذا نكسب، نعم، اليوم الاثنين وغداً الثلاثاء، ماذا سنكسب غداً من مال؟ ما نستطيع، ما أحد يعلن. لو قلنا لشخص: ماذا ستكسب غداً؟ كم ستدخل من المال وكم كذا؟ ما يعلم. ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ﴾، ماذا من المال، وماذا ستكسب من الطعام، وماذا ستكسب من الشراب، من اللباس، من أمر الدنيا؟ الله يعلم، ما عندنا علم، لماذا؟ لأننا لا نعلم ماذا نكسب غداً. ربما لا نكسب شيئاً، وربما نكسب شيئاً قليلاً. نعم، قد يقول: أنا موظف معلوم، غداً ألف ريال، حسب عند المرتب ألف ريال، غداً أكسب ألف ريال. نعم، الراتب ثلاثون ألف ريال وكل يوم ألف، فأنا كسب ألف ريال، ثابت بالوظيفة غداً وأعمل وألف ريال مرصود. نقول: وما يدريك؟ لعله يخصم عليك، نعم، يكون لك الخصم، نعم، أو يخرج من هذا الراتب شيء، نعم، تحصل كارثة، تحصل واقعة، حادثة، سيول، أمطار، قال الله: اقطعوا راتب يوم أو نصف راتب يوم، لأجل حصلت الألف، حصلت خمسمائة. ما تدريك؟ ما في شيء مجزوم به. فهذا الأمر من علم الغيب. ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾، ما أحد يعلم أين سيموت: في الشحر، ولا في المكلا، في البر، ولا في البحر، ولا في الجو، نعم، ولا يكون في بطن حوت، يغرق، ولا في مطر، ولا في سيل، ولا في... ما يدري الإنسان أين سيموت: في بيته، في الشارع، في المستشفى، في المسجد. هذا من علم الغيب الذي اختص الله جل وعلا به نفسه. ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾، كل نفس ما تدري، كل نفس، حتى الحيوانات: لا الحمار يعلم أين سيموت، ولا البقرة، ولا الفيل، ولا الجمل، ولا الذبابة، ولا البعوضة، كل نفس ما تدري أين ستموت. نعم، هذا من علم الله جل وعلا الشامخ المحيط بكل نفس خلقها، فهو يعلم أنها أين ستموت وكيف يكون موتها. نعم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾، عليم جل وعلا، خبير: أي يعلم البواطن جل وعلا والظواهر، ويعلم السرائر، ولا يخفى عليه جل وعلا شيء. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بأن الله تعالى يتكلم بما شاء، متى شاء، كيف شاء. وكلم الله موسى تكليماً، ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، وناديناه من جانب الطور الأيمن، وقربناه نجياً». أيضاً من الإيمان بالله جل وعلا: الإيمان بأن الله جل وعلا يتكلم بما شاء، بما شاء، ومتى شاء، وكيف شاء. وهذا من الكمال: أن يتكلم الله جل وعلا بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء. النقص أن... ماذا؟ أن لا يتكلم بما شاء، وكيف شاء، ومتى شاء. ولله المثل الأعلى، حتى في المخلوق: المخلوق إذا كان يتكلم فهذا كمال، بما شاء وكيف شاء، يعني حر، عنده حرية، هذا من الكمال. نعم، لكن إنسان لا يستطيع أن يتكلم، أو أن يتكلم بما شاء وكيف شاء. ولله المثل الأعلى، فالله جل وعلا لكماله جل وعلا فإنه يتكلم بما شاء، ما أحد يمنعه جل وعلا. فالله جل وعلا يفعل ما يشاء، يفعل ما يشاء، ومن أفعاله جل وعلا أنه يتكلم، يتكلم بما شاء، ومتى شاء، وكيف شاء. قد كلم الأنبياء في وقت دون آخر، وسيكلم العباد يوم القيامة. ﴿ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾، ذكر المؤلف رحمه الله هذه الآية: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾، ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾. كل هذا فيه بيان أن الله جل وعلا يتكلم، كلم موسى وناداه. وهكذا كلم نبينا محمداً عليه الصلاة والسلام في ليلة المعراج، فرض عليه خمسين صلاة إلى أن خففت إلى خمس صلوات. وهكذا يكلم آدم يوم القيامة، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الله جل وعلا يقول: «يا آدم، أخرج بعث النار». فيقول آدم: لبيك وسعديك. فيقول الله جل وعلا له: «أخرج بعث النار». فيقول: وما بعث النار؟ يقول: «من كل ألف...» جل وعلا: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين». الحديث... الحديث. كذلك عدي بن حاتم صحيح: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان». فيكلم الله جل وعلا عباده، وذلك الرجل الذي هو آخر رجل يدخل الجنة يطلب من الله جل وعلا أن يجعله عند باب الجنة، ثم بعد ذلك يطلب الدخول إلى الجنة. وهكذا كل هذا كلام، فالله جل وعلا يتكلم سبحانه وتعالى. وذم آلهة المشركين وبين عجزها ونقصها، ومن ذلك النقص والعجز الذي لأجله لا تستحق أن تكون آلهة: أنها لا تتكلم. ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا... ﴾ أنه لا يكلمهم. كيف يعبدون هذا الصنم ويعبدون هذه الآلهة وهي لا تتكلم؟ بمعنى: عاجزة عن التكلم. والإله الذي يستحق العبادة، نعم، هو الذي... الذي له الكمال، ومن الكمال أنه يتكلم، لأن عدم الكلام من النقص ومن الضعف. لماذا لا يتكلم؟ لضعف، لعجز. ولكن ربنا عز وجل يتنزه عن النقص، وعن العجز، وعن العجز، فهو يتكلم سبحانه وتعالى. ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلٌ ﴾. وفي الآية الأخرى: أنه لا يكلمهم. معنى لا يستحق، لأنه لا يتكلم. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ﴾. كيف تعبد من لا يسمع؟ الذي لا يسمع لا يستحق أن يعبد، ولا يبصر. هذا صفات نقص، عجز. الإله الذي يستحق العبادة هو الذي كمل في صفاته جل وعلا، وله صفات الكمال، وهو المنزه عن صفات النقص والعجز والعجز. وهو صفات الكمال: أنه يتكلم، وأنه يسمع، وأنه يبصر. فهذه الآيات كلها التي ذكرها المؤلف رحمه الله فيها بيان أن الله جل وعلا يتكلم بما شاء وكيف شاء، نعم، وفي أي وقت يتكلم: متى شاء تكلم جل وعلا. إذا أراد أن يأمر بشيء تكلم سبحانه وتعالى وأمر. ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾. فـ «كن» من الله جل وعلا كلام، متى يصدر هذا؟ يصدر متى شاء جل وعلا أن يأمر بشيء. متى أراد أن يأمر بشيء تكلم وقال: كن، فكان. نعم. فإذا أراد جل وعلا أن ينزل مطراً أمر جل وعلا وتكلم، فكان المطر، كان الموت، كانت الرياح، وهكذا إلى آخر ذلك مما يقضيه الله جل وعلا في ملكوته بأمره سبحانه وتعالى. كل ذلك من كلامه جل وعلا. قال رحمه الله: «نؤمن بأنه لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً. وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾». وهذا فيه بيان لكلام الله جل وعلا وأوصاف. فمن أوصاف كلام الله جل وعلا أنه كثير، كلام الله جل وعلا كثير لا يستطيع أحد أن يحصيه وأن يعده. فالقرآن من كلام الله، الزبور من كلام الله، الإنجيل، صحف إبراهيم وموسى، الزبور، كل هذه الرسالات من كلام الله جل وعلا، وما فيها من أحكام، أوامر ونواهي، كلها من كلام الله جل وعلا. فكلام الله جل وعلا كثير. قد ضرب الله جل وعلا مثلاً عظيماً بكلامه: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾، يعني: البحر مداد لكلمات ربي، لنفد البحر، يعني: البحر ينتهي. نعم، لو كان هذا البحر مداداً، نعم، وكتب به كلام كلام الله، يعني: جعلنا البحر الآن مداداً، نعم، خذ القلم واعبِ من البحر، اعبِ القلم من البحر مداداً، واكتب كلام الله، خلص القلم، اعبِ وهكذا، يعني: ينتهي البحر، ينتهي البحر، هذا الذي صار مداداً، صرنا نكتب به كلام الله جل وعلا. ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾. ليس الأمر هكذا فحسب، بل ﴿ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾، بحر بعد بحر، بحر بعد بحر، بحر بعد بحر، ومشى، ما ينتهي كلام الله سبحانه وتعالى. وهذا لعظم كلامه جل وعلا، وأنه لا يحد بحد ولا ينتهي إلى حد. وفي الآية الأخرى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾، يعني: انظر الأرض هذه، أشجار الأرض، يعني: جعلناها أقلاماً. ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾، يعني: قطع الأشجار ويجعلها أقلاماً، نعم، والمداد من البحر الذي يمد لسبعة أبحر، واكتب كلام الله، ستنتهي الأشجار، أشجار الأرض التي جعلت أقلاماً، وسينتهي البحر والأبحر التي تمده، ولو كثرت، ولا ينتهي كلام الله جل وعلا. وذلك لكثرته. فهذا من أوصاف كلام الله جل وعلا أنه كثير ولا ينتهي لحد. قال رحمه الله: «ونؤمن بأن كلماته أتم الكلمات صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، وحسناً في الحديث. قال الله تعالى: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾». كلام الله جل وعلا صدق في الأخبار، وعادل في الأحكام. فكلامه جل وعلا عدل في الأحكام، لا ظلم فيها، فما أمر جل وعلا بشيء إلا وهو عدل وصدق. ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾، ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾. فالله جل وعلا كلامه صدق، وقوله الحق. ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾. الملائكة، كما جاء في الصحيح في حديث أبي هريرة: «إذا قضى الله جل وعلا الأمر في السماء، أمر بشيء، فخضعت الملائكة، يعني: خافت وأصابها الصعق، وأول من يفيق منهم جبريل عليه الصلاة والسلام». إذا قضى الله الأمر في السماء، أخذت الملائكة رعدة، رعدة شديدة، ويصعقون، وأول من يفيق منهم جبريل عليه الصلاة والسلام، فيتساءلون فيما بينهم: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، أي: قال القول الحق، وهو العلي الكبير. فقوله جل وعلا وأوامره التي يأمر بها جل وعلا كلها حق، وكلها صدق، وكلها عدل؛ لأنه جل وعلا تنزه عن الظلم في فعله وقوله، فأفعاله جل وعلا عدل، وأقواله جل وعلا عدل. ﴿ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا ﴾، الحديث، حديث قدسي في صحيح إمام مسلم. وفي القرآن: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾، ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾. فإن الله عز وجل إذا تكلم بشيء وأمر بشيء، فكلامه صدق وحق، وكذلك هو عدل، لا ظلم فيه، وهو عدل كذلك لأنه في موضعه، لأن العدل هو وضع الشيء في موضعه. فالله جل وعلا إذا أمر بشيء فأمره جل وعلا في موضعه، لأنه جل وعلا الحكيم، وله الحكم، وله صفة الحكمة. فالله سبحانه وتعالى كلامه جل وعلا صدق في الأقوال، وهكذا عدل في الأحكام. وكلامه حسن جل وعلا، لأنه سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنة جل وعلا، فأسماؤه حسنة، وصفاته عليا، وأقواله كذلك حسنة، وكذلك حق وصدق وعدل. وهذا كله من أوصاف كلام الله جل وعلا الذي يجب على كل مسلم أن يؤمن بذلك، لأن هذا من الإيمان بالله جل وعلا، الإيمان بهذه الأمور، واعتقاد هذه الأمور اعتقاداً جازماً من الإيمان بالله جل وعلا الذي يجعل العبد يعبد ربه جل وعلا على بصيرة. فإذا أصابته الضراء وكان على علم بهذه الأمور كان تصرفه صحيحاً، وكان صابراً. أما الجهل بهذه الأشياء فهذا هو الذي يورث هذه الجهالات، وهذه النعرات، وهذه الشحناء، وهذه البغضاء. لكن من كان عنده علم بما يتعلق بالله جل وعلا في حكمه وقضائه وقدره، نعم، فإنه يرضى ويسلم، لأنه يعلم أن حقيقة الإيمان الرضا بما أمر الله، وبما قدر، وبما حكم، لأنه جل وعلا قوله حق، قوله حق، وهكذا حكمه عدل جل وعلا. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.