رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 6

الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم الاحتكار وحقيقته وصوره المعاصرة

يبيّن المقطع أن الاحتكار حبس السلع انتظاراً لغلاء الأسعار، وهو خلق دنيء نهى عنه الشرع ودليل على شح النفس، مستدلاً بحديث النبي ﷺ: «لا يحتكر إلا خاطئ». كما يذكر صورة معاصرة للاحتكار وهي الوكالة الحصرية التي تتيح التحكم في استيراد السلع وتخزينها.

آثار الاحتكار الاجتماعية ووجوب رقابة الولاة

يؤكد المقطع أن الاحتكار كبيرة من الكبائر تلعن المحتكر وتوعده بالعذاب، مستعرضاً موقف الصحابة في النهي عنه ومنعه في الأسواق. وينتقد واقع الاحتكار اليوم مطالباً ولاة الأمور بضبط الأسواق ومنع الممارسات الظالمة.

خطر حب المال وجشع التجار ومثال عثمان في الإيثار

يحذر المقطع من طمع التجار وجشعهم في احتكار السلع واستغلال حاجة المسلمين، ضارباً مثلاً بعثمان بن عفان الذي آثر الصدقة بقافلته على البيع. داعياً التجار إلى تقوى الله وتيسير الأمور على المحتاجين خاصة في رمضان.

دعاء بتطهير قلوب التجار من البخل والجشع

يسأل الداعي الله أن يطهر قلوب المسلمين وتجارهم من البخل والجشع، وأن يجعلهم عوناً لإخوانهم المسلمين. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه مع الإشارة إلى إعداد الترجمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فمن الأخلاق السيئة، الصفات المدمومة التي يجب على المسلم أن يتركها وأن يبتعد عنها: الاحتكار، الذي هو احتكار الطعام وحبسه انتظار الغلاء، ببيعه بسعر أغلى، فهذا يقال له الاحتكار. كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «الاحتكار هو إمساك الطعام انتظار الغلاء، إمساك الطعام انتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه». فهو يحتكر الطعام، يمسكه لينتظر الغلاء، ينتظر الغلاء مع أنه غير محتاج لهذا الطعام، مستغنٍ، والناس بحاجة إلى هذا الطعام. فإذا اشتدت الحاجة أخرج هذا الطعام وباعه ليتحصل على أموال زهيدة، فهذا خلق دنيء لا يليق بالمسلم، يدل على دناءة النفس وشحها وطمعها. والمسلم إنما يجب أن يكون من أهل الإيثار، ومن أهل التيسير لإخوانه المسلمين، لا من أهل التعسير، الذي ينظر حاجة الناس، شدة حاجتهم، ثم يأتي بما عنده من طعام أو سلع. فمن حبس الطعام ينتظر به الغلاء فقد وقع في الاحتكار الذي نهى عنه الشرع. الإسلام لا يعرف الاحتكار، وإنما هو من مبادئ النظام الغربي الكافر. والإسلام لم يقر احتكار السلع لأحد، وإنما جعل الحرية للجميع في إنتاج أي سلعة. من كان مسلماً ويريد أن ينتج سلعة من السلع فله الحق في ذلك. إنما ظهر هذا في المجتمع الغربي، كما ذكره العلماء في العصور الوسطى، حين منح بعض الملوك حق احتكار السلع لبعض الناس، هم الذين ينتجونها دون غيرهم، فينتجونها ويحتكرونها على الناس ويبيعونها كيف شاءوا. فمن هنا ظهر الاحتكار في النظام الغربي. واليوم نسأل الله العافية والسلامة في بلاد الإسلام: ما يسمى بالوكيل الحصري، يعني الذي له الحق في هذه السلعة وفي هذا الطعام، يعني شخص معين يتصرف ويتحكم في استيراد هذه السلعة، ثم أيضاً في بيعها. فهذا يؤدي إلى الاحتكار، لأنه يستورد السلع ثم يخزنها، ينتظر شدة حاجة الناس لهذه السلع، فإذا اشتدت الحاجة أخرج هذا الطعام أو هذه السلع، سواء كان من الأرز أو من البر أو من غير ذلك، كل ما هو من حاجة الناس الضرورية، أو حتى من حاجة الحيوان، كما ذكر أهل العلم. فهذا والعياذ بالله هو من الاحتكار الذي نهى عنه الشرع. جاء النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، من حديث معمر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحتكر إلا خاطئ». لا يحتكر إلا خاطئ، يعني آثم. ومعنى ذلك أنه لا يشتر على هذا العمل الشنيع إلا من اعتاد المعاصي والآثام، فإنه الذي يقع في هذا. لا يحتكر إلا خاطئ، أي آثم. وجاء في صحيح الإمام مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام، من حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من احتكر حكرة على المسلمين فهو خاطئ، يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ». وجاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، صححها بعض العلماء، عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من احتكر طعاماً على المسلمين ضربه الله بالجذام والإفلاس». وجاء من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «برئ الله منه، وبرئت ذمته من الله تعالى». هذه الأحاديث صححها بعض العلماء، فيها ذم الاحتكار والنهي عنه. واليوم، كما سمعتم، نجد هذا في بلاد أهل الإسلام، للأسف الشديد. كم من الناس من يحتكر الطعام أو السلع لحاجة الناس إليها، فيخرجها في وقت الناس حاجة ماسة إلى هذه السلع، فيشترونها بأي سعر، لأنه يتحكم. ربما يقول بعشرة آلاف، وهي لا تستحق ذلك، وإنما خمسة أو ثلاثة أو أربعة، لكن الناس بحاجة ضرورية لا يمكن أن يستغنوا عنها. لو كانت من الحاجات غير الضرورية كان الأمر أهون وأسهل، لكن تكون من الحاجات الضرورية، حاجة الناس إليها من الطعام والشراب، نعم والغذاء وغير ذلك، فهم يضطرون لشراء هذه السلع ولو كانت بهذه الأموال الجزيلة. عمر رضي الله تعالى عنه كان ينهى عن الحكرة، يقول: «لا حكرة في سوقنا، لا حكرة في سوقنا». يعمد رجال من الناس عندهم فضول، يعني فضول أموال، فيشترون رزقاً نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا. فكان يحذر رضي الله تعالى عنه هذا تحذيراً عظيماً. وكان عثمان رضي الله تعالى عنه ينهى عن الحكرة رضي الله تعالى عنه. هكذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، تبعاً لما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كان السلف الصالح. فلذلك على ولاة أمور المسلمين، وعلى الجهات المسؤولة، أن تضبط هذا الأمر، لأن الاحتكار له آثار سيئة على المجتمع، فيؤدي إلى اضطراب الأمور في هذه البلاد التي يقع فيها هذا الاحتكار، واضطراب المعيشة في أحوال الناس، وكل ذلك بسبب عدم الرقابة من الجهات المسؤولة تجاه ولاة الأمور والتجار، الذين نسأل الله العافية والسلامة، صارت قلوبهم قلوب ذئاب، يعاملون كأنهم لا يعاملون إخواناً لهم من أهل الإسلام، وإنما يعاملون أعداء. ولو كان عدواً لا يجوز لك أن تحتكر عليه، فكيف بالمسلم؟ فصار الناس، صلى الله عليه، في هذا الزمن على بشاعة عظيمة، همهم جمع المال من أي مصدر كان وبأي طريقة كانت، هذا همهم الأول والآخر، بغض النظر عن حاجة الناس، لا ينظرون إليها، شدة احتياجات الناس لا ينظرون إليها، وهكذا. وإنما هدفهم جمع المال من أي مكان كان، فهذا ليس خلق الإسلام. أذكر لكم ما حدث في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه: فقد جاءته قافلة عظيمة محملة بالبضائع، في وقت كانت الناس بحاجة شديدة إلى ما تحويه هذه القافلة من الطعام والسلع والغذاء. فاجتمع تجار المدينة، وجاءوا إلى عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال أحد هؤلاء التجار لعثمان: «يا عثمان، أتبيع هذه القافلة بكذا وكذا؟» أعطاه مالاً مغرياً، يريد أن يأخذ هذه القافلة من عثمان رضي الله تعالى عنه ليبيعها بمال جزيل، لأنه يعلم أن حاجة الناس إليها حاجة ماسة. فقال عثمان رضي الله تعالى عنه: «أعطيت أكثر». فقال الآخر من التجار: «أعطيك كذا»، زاد على الأول. قال: «أعطيت أكثر». قال الثالث: «أعطيك كذا». قال: «أعطيت أكثر». كل ما قال أحد التجار: «أشتريها منك بكذا»، قال عثمان رضي الله تعالى عنه: «أعطيت أكثر». فقال التجار: «ومن غيرنا؟ نحن تجار المدينة، لا يوجد غيرنا من التجار». هؤلاء الذين عندكم، تجار المدينة، لا يوجد تاجر غيرهم، وكلهم قد أعطاك ثمناً، كيف تقول: «أعطيت أكثر»؟ قال: «نعم، الله سبحانه وتعالى، الله جل وعلا، أعطاني أكثر». فجعلها صدقة للمسلمين، جعلها صدقة للمسلمين، لا باعها، لا حتى بسعرها، ولا حتى بسعرها، وإنما جعلها صدقة للمسلمين لما علم حاجة الناس إليها. اليوم لا، حين يعلمون حاجة الناس إلى السلع، بدلاً من أن يساعدوا ويساهموا ويقولوا: «مدام الناس في حاجة إليها فالأجر أعظم وأعظم»، نسأل الله العافية، أين أمثال هؤلاء الرجال؟ نحن في مجتمع، نسأل الله العافية، الكبير يأكل الصغير، والتجار، نسأل الله العافية، قلوبهم قاسية، إلا من رحم الله، إلا من رحم الله، وقليل ما هم، إلا من رحم الله، وقليل ما هم، ربما تعدهم بالأصابع. نعم. فلذلك، عباد الله، علينا أن نتقي الله، وعلى التجار أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في إخوانهم المسلمين، لا يحتكروا عليهم السلع، وإنما ينظروا حاجة الناس ويسروا على الناس، خاصة وهم في هذا الشهر العظيم، شهر رمضان، فهم بأولى وأولى وأولى. وإلا في كل وقت، أحرى بالمسلم أن يكون عوناً لأخيه المسلم، مساعداً له، معيناً له، لا معسراً عليه، ولا ينظر شدة حاجته فيزيده حاجة فوق حاجته. فهذا والعياذ بالله من دناءة النفس وشح النفس وطمع النفس. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر قلوبنا وقلوب تجار المسلمين من البخل والجشع، وأن يجعلهم عوناً لإخوان المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر